شيرين مثلنا تحزن وتنتفض…
لماذا تحول شعرها إلى معضلة؟

ما حصل مع شيرين ويحصل مع كثيرات مثلها ليس معضلة أو لغزاً، إنه خطوة على طريق الشفاء والنضوج والاقتراب من الذات، وسط عالم قاسٍ تحارب فيه النساء كلّ يوم القوالب الجاهزة.

قد ترغب نساء في قصّ شعورهن عند انتهاء علاقة عاطفية، بحسب قراءات اجتماعية، ما قد يوفر راحة فورية، وإن لبعض الوقت. إنها محاولات لإنقاذ النفس المجروحة من المشاعر المزعجة إزاء أزمة نفسية أو عاطفية معينة، وتعبير بارز عن القدرة على التحكّم والقوّة.
وبحسب علم النفس، عندما تختار النساء قص شعورهن الطويلة، فعادةً ما يفعلن ذلك في فترة تحول، لرغبة بالتخلي عن القديم واحتضان حياةٍ جديدة، وبطبيعة الحال عندما يكون هناك استغناء، سيكون هناك حزن على ما ذهب بانتظار ما سيأتي، إنه شيء أعمق بكثير من مجرد تغيير بسيط في أسلوب الشخص، إنه تحول في الهوية. إذاً فقص الشعر ليس تعبيراً عن انهزامٍ وانكسار بقدر كونه جسراً يوصل الأفراد إلى الحياة المنشودة، أي أنه وفي عمقه حركة احتجاجية على الألم وعلى حياة لا تشبه صاحبتها أو لا تتمناها حتى. كما أنه نوعٌ من التأقلم الجزئي للأشخاص الذين يتعافون من الصدمة بعد موت أحد الأحباء أو انتهاء علاقة أو فقدان وظيفة أو أي تدهور صحي، غالباً ما يتأقلمون جزئياً عبر تغيير مظهرهم جزئياً أو جزرياً،  كما فعلت شيرين.

تقول مصممة الأزياء الشهيرة كوكو شانيل: “المرأة التي تقصُّ شعرها على وشك تغيير حياتها”، إلّا أن هذه العبارة باتت بطريقة أو أخرى تعبّر عن اللواتي يحاولن تجاوز انكساراتهن وهزائمهن العاطفية، ولم يأتِ أحد على ذكر النساء الشجاعات، اللواتي يتحدين المعايير السائدة عن الأنوثة والخصوبة والشباب، ويضعن معاييرهن الخاصة. لا يزال يُنظر إلى قصّ المرأة شعرها على أنه عمل جذري إلى حد ما، ومرتبطٌ ارتباطاً جوهرياً بالاضطرابات العاطفية، وهذا موجود بالفعل لكن ما يجب إدراكه أن المرأة قد تقصّ شعرها لأسباب عدة من خارج التقسيم النمطي للانكسار والشجاعة.

علم النفس وقصّ الشعر

أثارت المطربة المصرية شيرين عبد الوهاب جدلاً كبيراً بظهورها في حفل أبو ظبي برأس حليق، تأتي هذه الخطوة بعد انفصالها عن زوجها المغني المصري حسام حبيب، والذي جمعتها به علاقة حبّ قوية. تضاربت الآراء حول سبب إقدام المطربة المصرية على هذه الخطوة التي اعتبرت جريئة، وفق المنطق السائد. وبينما ساندها جمهورها، إلا أن شريحة لا بأس بها لامتها، لأن “امرأة قوية كشيرين يجب ألا تعلن عن ضعفها”.

يمكن فهم ما تمرّ به شيرين، فهي ليست بطلة خارقة أو امرأة من كوكب آخر، إنها تتألم وتنهار مثلنا. استغرب كثيرون أن تتألم أمام خسارتها بوصفها شخصية عامة، ووجب عليها إخفاء وجعها، معتبرين قصّ شعرها دليلاً قاطعاً على ألمٍ ما زالت تعيشه، محاولين قولبة حزنها في شكل يرضيهم، وكأن النساء المؤثرات أو النجمات، يجب أن يحزنّ بطريقة مختلفة عنّا، لم يعجبهم أن تشبه شيرين أي امرأة أخرى، إذ خرجت بالفعل على المسرح وغنت وتمنت أن يتقبلها جمهورها بهذا الشكل الجديد، وهذه شجاعة وقوة منها، ودليل على أنها تحاول بدء مرحلة جديدة من حياتها، إنها محاولة للاقتراب من شيرين نفسها، بعيداً من ضجيج ما حصل.

التخلص من الشعر وإعادة تشكيل الهوية

وإن ملكت النساء شعورهن وحرية التصرف بأشكالهنّ من حيث المبدأ، إلا أن المجتمع لا يتوقف عن فرض معاييره وملاحقتهنّ بها، فيقبل صبغة ويرفض أخرى، يحبّذ طول شعر معين، ويرفض مثلاً صاحبات الشعور القصيرة أو حليقات الرأس ويدلّ عليهنّ بالأصابع كما لو كنّ عنصراً دخيلاً… تبدو قصص النساء حين يتخلصن من شعورهن، مسألة أكثر تعقيداً من قصص الرجال مع قص الشعر والحلاقة، والضجة التي أثارتها شيرين دليل على ذلك. فشعر المرأة واحد من أهم علامات الجمال السائدة والمتوقعة والمنمّطة، والتخلص منه هو تخلص من قرون مُجِدَتْ فيها النساء ذوات الشعر الطويل والصحي، كما أنه فعل تخلٍّ وانعتاق من المجتمع الذي لا يتقبّل أشكالهن المختلفة بسهولة… إنها قضية شجاعة بالفعل!

إقرأوا أيضاً:

نساء يسقطن ويقفن مجدداً

من ناحية أخرى، شيرين ابنة بيئتنا، هي الفتاة البسيطة التي أتت من بيئة قد تشبه معظمنا، لم تأتِ من عائلة كبيرة ومعروفة وهو ما اعتبرته والدة حسام مشكلة، فشيرين فتاة بلدية، إلا أنها امرأة صنعت نجاحها بنفسها، محافظةً على أصالة المكان الأول فيها وعلى المرأة الصادقة والحقيقية، والتي تعبّر بصدق وعفوية وترتكب الأخطاء. شيرين تشبه كثيرات، لذلك ساندتها كثيرات، وهنا لا نتحدث عن مساندتها كامرأة خُدِعَت عاطفياً أو انفصلت عن زوجها إنما كامرأة جميلة وشجاعة، أحدثت تغييراً كبيراً في حياتها العادية وجعلت من نفسها أيقونة، النساء لم يدعمن شيرين في انتكاستها العاطفية، إنما دعمن النساء في داخلهن، النساء اللواتي يسقطن ويقفن مجدداً، لأن شيرين امرأة صنعت نفسها بنفسها وسط مجتمع ذكوري قاسٍ، وهي تشبهنا أكثر من اللواتي قُدِمَ لهن النجاح والحياة على طبق من ذهب.

تمنت شيرين أن يتقبلها جمهورها، أي أنها وضعت نفسها أمام احتمال ألا يتقبلها، إذاً هي جاهزة بالفعل لأي رد فعل سلبي وهذا يعني أنها راضية عن نفسها، فالإنسان يستطيع تحمل رفض الآخرين، حين يرضى هو عمّا صنعه. أعلنت شيرين صراحة أنها تريد المساندة، لم ترد شفقة أو حلولاً أو بكائيات أو هجوماً على طليقها، أرادت المساندة.

ما حصل مع شيرين ويحصل مع كثيرات مثلها ليس معضلة أو لغزاً، إنه خطوة على طريق الشفاء والنضوج والاقتراب من الذات، وسط عالم قاسٍ تحارب فيه النساء كلّ يوم القوالب الجاهزة، ابتداء من طريقة تصفيف الشعر وليس انتهاء بالرغبة في بداية حياة جديدة بعد اتخاذ خطوة الطلاق أو الانعتاق.

إقرأوا أيضاً:

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
هاني محمد – صحافي مصري
يعرف بكري كيف يحافظ على النجومية ويدعم أسطورته كرجل “مدافع عن الأخلاق والقيم المصرية”، فحين يجد شيئاً يهاجمه المصريون لأنه يمس قيمَهم، يقدم طلب إحاطة ويطلق تصريحات صاروخيه ويقود حملة منظمة للتحقيق فيه ومواجهته، باستخدام ما يملكه من صلاحيات.
Play Video
المحامية هالة عاهد، الناشطة آلاء الصديق، الإعلامية غادة عويس وغيرهن… نساء تعرّضت هواتفهن للتجسس باستخدام تقنية “بيغاسوس” الإسرائيلية، ويعشن اليوم حالة من القلق، لا سيما أن حكومات استبدادية تستخدم المعلومات الشخصية كسلاح للتهديد والابتزاز وتشويه سمعة المستهدفات.

3:08

Play Video
الجدل الذي خلقه فيلم “أصحاب ولا أعز” لم يُرافق أعمال درامية جريئة عُرضت من الخمسينات إلى التسعينات في السينما المصرية، وتناولت بشكل صريح قضايا مجتمعية كالمثلية الجنسية والخيانة الزوجية والعلاقات الجنسية، فما سرّ الهجوم على العمل الأخير؟ المخرج السينمائي روي ديب يُناقش

3:10

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني