أطفال سوريا:
جيوشٌ صغيرة في “مدرسة” البعث

أتذكر الطريقة العسكرية في حمل العلم السوريّ والتدريبات الطويلة قبل الاحتفالات الوطنية، تعود هذه الصور إلى ذاكرتي مثيرةً مخاوف طفولية، لحظاتٌ طويلة قضيناها نحن الأطفال تحت الشمس الحارقة، بينما مدراء المدارس يلقون كلماتهم عن الانتصارات التي لم نفقه شيئاً عنها.

أتذكر جيداً مشيتي العسكرية، صوتَ ارتطام قدمي اليمنى على الأرض حين وصولي أمام العلم السوريّ، لتقديم التحية العسكرية. اعتدنا في المدرسة رفعَ العلم في بداية الأسبوع وإنزاله مع نهايته قبل الانصراف إلى عطلة يوم الجمعة, امتلكت مدرستنا تقاليد عسكرية دقيقة، يكاد يعرفها كلّ طفل. أهمها ضرورة رفع العلم بسرعة على السارية بينما يتوجب إنزاله ببطء شديد. فالعلم السوري كالوطن وكقائده حافظ ومن ثم بشار الأسد سريع الصعود، بطيء النزول، ينتصر سريعاً ولا يخسر بسهولة، أتذكر جيداً كلمات الأستاذ وهو يشرح لنا سبب ضرورة التمهّل في إنزال العلم “إياكم وشدّ حبل السارية بسرعة إلى الأسفل”. 

الأطفال والتحيّة العسكريّة 

لطالما حسبتُ الوقت داخلي وكلما عددت خمسَ ثوانٍ، شددت الحبل للأسفل برفقٍ، حتى لا يكاد يُلاحَظَ نزوله. لم يكن اختياري لتحية العلم اعتباطياً، كانت إدارة المدرسة تختار أطفالاً يمتلكون أصواتاً عالية ولا يخشون شيئاً للقيام بهذه المهمة شديدة الحساسية، وترديد شعارات حزب البعث بصوت ثابت. كنتُ الطفلة المثالية في حينها لوضعي أمام العلم السوريّ، هذا ما كنت أراه في ابتسامة المدير الراضية، بينما أصدح بصوتي عالياً.

كل ذلك ربّى في داخلي خوفاً غير مفهومٍ من الديكتاتور، لم يكن التخلص منه سهلاً، اعتقدت أن الزمن والثورة والحرية فتته، إلا أنه ومهما ابتعدنا عن دائرة النظام السوريّ، يبدو أنه سيلاحقنا حتى أقاصي الأرض كأنّه زرع نفسه بداخلنا، فكان يكفي مشاهدة فيديو لتلاميذ مدرسة “الشهيد علي نورس سلهب” في مدينة قطنا في ريف دمشق، حتى يعود إليّ ذلك الشعور بالذعر والملل وانتظار انتهاء النشيد والتخلص من قسوة الشمس صيفاً وبرد الشتاء، والعودة الى دفء المنزل حيث أملأ معدتي الخاوية. 

تصفحتُ حساب المدرسة، كل ما شاهدته هو تدجينٌ لأطفال لم يتجاوزوا الثانية عشر عاماً، أطفالٌ يلقون تحية العلم رافعين رؤوسهم عنوة، بأعناق تكاد تتكسر لشدة محاولة الشموخ. كأنه حصل البارحة، رأيت نفسي في الأطفال الذين يصرخون بكلمات غير مفهومة ويرددون شعارات حزب البعث بملء أصواتهم البريئة.

كلّ من عاش في سوريّة يستذكر جيداً هذه التفاصيل، التي عسكر نظام الأسد البلد من خلالها، وزرع الخوف وهيبة القائد المفترض داخل أطفالها، وبدل العمل على تربية جيل يفكر ويتعلم ويستكشف الحياة، مازالت الأجيال السورية تقف تحت الشمس الحارقة وفي الهواء البارد، يضعُ الأطفالُ أكفّهم فوق جباههم في تحية للقائد، يشمخون بوجوههم البريئة، يرفعون ذقونهم قدرالإمكان، فلا إثبات لديهم لحبّ الوطن غير تعذيب أنفسهم.

إقرأوا أيضاً:

حين شاهدتُ نفسي في أطفال سوريا

أتذكر الطريقة العسكرية في حمل العلم السوريّ والتدريبات الطويلة قبل الاحتفالات الوطنية، تعود هذه الصور إلى ذاكرتي مثيرةً مخاوف طفولية، لحظاتٌ طويلة قضيناها نحن الأطفال تحت الشمس الحارقة، بينما مدراء المدارس يلقون كلماتهم عن الانتصارات التي لم نفقه شيئاً عنها، كانت تمضي الدقائق بطيئة جداً، كأنها أيامٌ وكُنّا صغاراً لا نريد سوى اللعب، لم نقم بأي ردة فعل تجاه تلك الكلمات سوى التصفيق في كلّ مرة سمعنا فيها اسم القائد يُردد، لنعيد التصفيق مراراً وتكراراً حتى لو تكرر اسم الأسد ألف مرة.

أعرف جيداً شعور هؤلاء الأطفال، التعب البادي على وجوههم، والصقيع حين يأكل رؤوس أصابعهم، أتذكر كلّ هذا جيداً حينما أشاهد فيديو يصوّر تحية علم في سورية البعيدة جداً، نهجٌ أتبعه نظام الأسد منذ سيطرة البعث على الدولة، واستمر به خلال الثورة وغدا أكثر حضوراً بعد انتصاره “المزعوم”، أساليب تقترب من نهج النظام النازي، في تنشئة الأطفال، وزراعة تقديس القائد داخلهم وتذكيرهم كلّ صباح بأهداف حزب البعث التي لم تتحقق حتى الآن، ولن.

كل هذا جزء من عسكرة الطفولة في سورية وحين نتحدث عن مصطلح العسكرة، فإن النظام يعي تماماً كيف يصنعها وينمّيها في نفوس الأطفال الذين سيكبرون يوماً، ليشعروا بخوف غير مفهوم كلما سمعوا النشيد السوري أو شاهدوا أطفالاً يقدمون التحية العسكرية، خوف شعرت به حين شاهدت نفسي في أطفال سوريا اليوم.

جيشٌ من الأطفال

بعد انتشار سطوة السوشيال ميديا، بات لكلّ مدرسة تقريباً في سوريا صفحة على فيسبوك، تنشر من خلالها نشاطات التلاميذ وأهم المناسبات، بخاصة الوطنية منها، كعيد الجلاء وثورة الثامن من آذار والحركة التصحيحية. أطفالٌ بأجساد ضئيلة وأحذية رخيصة، يقفون باستعداد كجيش صغير، خائفين من العلم السوريّ ومن صور القائد أكثر من خوفهم من كاميرا التصوير، حتى يتساءل الناظر هل هذه مدرسة للتعليم أم للتنشئة العسكرية؟ وما الفرق؟ فالنظام السوري لا يربّي أجيالاً إنما يصنع عبيداً يريدون رفع رؤوسهن قدر المستطاع أثناء التحية العسكرية، فقط ليثبتوا ولاءهم للقائد. مشاهد تدفعنا للتساؤل: ما الفرق بين المدارس السوريّة والمعسكرات التي أشرف عليها تنظيم “داعش”، وخرّج أطفالاً يتقنون حمل السلاح وتقديم الولاء “الداعشي”! أليس في كلّ ذلك قتلاً للطفولة؟

منحتْ هذه الفيديوهات والصور القادمة من قلب المدارس فرصة للسوريين ليدركوا أن لا شيء تغير بالفعل، والنظام السوريّ الذي صنع انتصاره بدماء شعبه يدرك جيداً أن أدلجة الطفولة تعني توسّع سطوته في المستقبل، وحمايته من ثورة جديدة، وترسيخ نظامه الديكتاتوري أكثر، ويبدو أن لا وجود لفرصة حقيقية لدى عائلات الأطفال لرفض مثل هذه الممارسات، فهم كأطفالهم مجبرون على الرضوخ.

وسط كلّ ذلك أواسي نفسي، فلم تملك معلماتي كاميرات متطورة لتصويري أثناء تحية العلم، لم أكن لأستطيع العيش مع فيديو يخلّد صورة الطفلة التي كنتها وهي تقدم التحية أمام صورة بشار الأسد مرددة: “قائدنا إلى الأبد”، والذكرى الوحيدة التي تواسيني اليوم هي أنني لم أتقن ولو لمرة واحدة التوفيق بين وقت إنزال العلم ومدة النشيد السوري، كان النشيد ينتهي دوماً قبل إنزال العلم بالكامل، لذلك كنت استدرك الأمر وأقوم بإنزال العلم بسرعة قصوى من دون ندم.

إقرأوا أيضاً:

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
“درج”
كم يبدو مستفزاً أن تتقاطع مصالح الطوائف اللبنانية عبر تمرير جريمة انفجار المرفأ في مقابل تمرير عملية السطو على الودائع، وأن يُضرب صمت على غرق مركب الموت مقابل التضامن مع المفتي في حربه على الزواج المدني. يجري ذلك وسط انهيار كل شيء، ووسط تغوّل الطبقة السياسية، ووسط نجاة المرتكبين.
Play Video
الشابة اللبنانية المسلمة فاطمة هاشم نمير التي تزوجت مدنيا شابا مسيحيا، والمحامية والحقوقية النسوية ليلى عواضة التي ساهمت خلال عملها بمنظمة كفى بصياغة قانون احوال شخصية مدنية، تناقشان موضوع الزواج المدني وصوغ قوانين أحوال شخصية مدنية لا دينية في لبنان، في هذه الحلقة من بودكاست “نون” بعنوان “زواج مدني؟ الويل والثبور”، مع ديانا مقلد.

42:09

Play Video
حلمي إني أدرس…”، مع انهيار قيمة الليرة اللبنانية وتأزّم الوضع الاقتصادي في لبنان، برزت قضية عمالة الأطفال، إذ أخرطت أُسر كثيرة أطفالها في سوق العمل لتأمين مدخول مادي إضافي. هنا قصة الطفل أحمد الذي كبر قبل أوانه…

1:59

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني