سوريا : الحرب على حبال الغسيل

تقف لينا قرب الغسالة، تحرك أزرارها يدويا، عيناها على الساعة وبعدها تنتقلان إلى محرك برنامج الغسيل، تقلل من فترة الغسيل بعد أن اختارت أقصر برنامج، ليتزامن انتهاء وجبة الغسيل مع لحظة انقطاع الكهرباء.

ترسم حبال الغسيل لوحة متنافرة، تغيَّر المشهد التقليدي، تتداخل قطع الملابس ببعضها وتعلق بملاقط صلبة على عجل، بعضها ينقط منه الماء بغزارة لأن وقت الكهرباء القصير جداً لم يسعفها بالتجفيف، مناشف مستلقية على الحبال وكأنها محبوسة على المساحات التي تضيق من كثرة عدد القطع المعروضة للتجفيف.

اتفقت سميرة وابنة خالتها أمل على تبادل قطع الملابس التي حان وقت غسلها، سيدتان وحيدتان وسلة الغسيل المتسخ شبه فارغة وقد تحتاج شهرا كاملا لتمتلئ، الكهرباء شحيحة وضعيفة، ستملآن غسالة إحداهما كل أسبوع وبالتناوب، تحولت وجبة الغسيل إلى مبادرة اجتماعية، تُقلص من وقت انتظار تجميع الغسيل وتوفر في الماء والكهرباء ومساحيق الغسيل، والاهم أن موعد الغسيل سيكون موعدا للقاء، لقاء يكرس كزيارة أسبوعية تمتد يوما كاملا وغداء خاليا من الضجر والوحدة. 

في جهة أخرى من المدينة يتغير المشهد، تضيق سلال الغسيل المتسخ بمحتوياتها، تستعير سمية الغسالة الكهربائية التقليدية التي يملكها أخاها، تضحك سمية قائلة: كنا نقول: أخي فقير جدا لدرجة أنه لا يستطيع اقتناء غسالة أوتوماتيكية، لكنها تعتبرها الآن  الحل الوحيد لانقطاع الكهرباء، رغم التعب الكبير في تلقيم الغسيل للغسالة وجبة صغيرة فوجبة، ومن ثم سحب الوجبة من الغسالة وفضها يدويا، وخطر الانزلاق  خاصة في أماكن ضيقة يعبرها الأطفال وكبار السن اضطراريا، والخوف من انقطاع حبال الغسيل التي تربط على عجل في مساحات ضيقة وعلى جدران هشة، والأصعب هو عدم تجفيف الغسيل جيدا بسبب العصر اليدوي، مما يعني انتظاراً قد يتجاوز اليومين لإعادة ارتداء الملابس وخاصة ملابس الأطفال وملابس المدارس، لكن مشكلة حمل الغسالة من مكان بعيد بدأ يسبب مشكلة  لزوجها المصاب بمشاكل في فقرات الظهر والرقبة، كما أن مريم فتحت باب الاستعارة أمام  العائلة بكاملها، مما قد يخلق حساسية بينهم وبين أخيها العاجز عن إصلاحها في حال حدوث أي عطل فيها نتيجة كثرة الاستعمال والنقل إلى أماكن بعيدة، تفكر مريم بالاتفاق مع جارتيها وشقيقتها وشقيق زوجها لشراء غسالة مماثلة، يتقاسمون سعرها وأيام الغسيل أسبوعيا، وربما تتم المشاركة بقطع تحتاج غسيلا مستعجلا خارج أوقات دور كل عائلة. 

على هامش الغلاء الحاد المتصاعد وارتفاع أسعار الحاجات الأساسية ومنها المنظفات، ازدهرت تجارة مساحيق الغسيل الشعبية، من سائل غسيل الأطباق وحتى الكلور والشامبو والصابون السائل والمساحيق الجافة، تراجعت الجودة طبعا، وتباينت الأسعار من حي لآخر ومن مصنّع إلى آخر، ومع هذا تعجز غالبية الأسر وخاصة في الأحياء الشعبية عن شرائها، وبات التقنين إجراءً معتمداً في كل التفاصيل اليومية من لقمة الطعام وحتى المنظفات.

تلجأ الغالبية إلى استعمل سائل جلي الصحون للغسيل، لأنه الأوفر والأكثر اقتصادية، يزيل كافة أنواع البقع وخاصة الدهنية والشحم وآثار النفط من على ملابس الرجال والشباب وحتى الأطفال  العاملين في مهن حرة ومجهدة. تقول مريم التي تجمع البلاستيك من حاويات القمامة إن سائل جلي الصحون مضافا إليه الكلور هو الحل الوحيد لإزالة البقع  اللزجة والروائح الكريهة التي تعلق بالملابس، وتتابع: “صحيح أن هذا الخليط يجعل ألوان الملابس باهتة جدا ويتسبب في تلفها بسرعة أكبر، لكننا نعيش في بحر من القذارة والكلور وحده هو الحل”، تحدّق في يديها الخشنتين مع بعض الندوب الدامية وتقول: “حتى النظافة تهري أيدينا وليس فقط مهنتنا القذرة”، تداري وجهها وتقول بصوت أعلى: “عيشة زبالة!”.

من شرفتها تحصي سمر عدد وجبات الغسيل على شرفة جيرانها في البناء المقابل: لم يتأثر عدد وجبات الغسيل بانقطاع الكهرباء، إنه لسر عظيم، توصلت إلى فك طلاسم السر، غسالتان تعملان معا وقت حضور الكهرباء البهية، وماذا عن المدة الكافية لإتمام وجبة الغسيل؟ حينها يتم تشغيل المولدة، مولدة؟ من أين يأتي البنزين أو المازوت لتشغيلها؟ وكم تكلف الوجبة إذن! خاصة أن لون الغسيل ونصاعته وروائحه تؤكد استعمال مساحيق غسيل غالية الثمن؟ موقف يدفع إلى الواجهة سؤالا وحيدا وملحّا، من أين لهم كل هذا؟ تخيلوا أن اكتمال وجبة الغسيل حسب وقتها الفعلي المبرمج وعدد الوجبات ونصاعة الغسيل، باتت أسئلة توازي اتهاما خطيرا بالفساد أو بالتعجب الحار والشديد.

إقرأوا أيضاً:

صار وقت توفر الكهرباء وقتا مقدسا، يجب البقاء فيه في البيت أو العودة إليه، من أبعد المسافات.

تقف لينا قرب الغسالة، تحرك أزرارها يدويا، عيناها على الساعة وبعدها تنتقلان إلى محرك برنامج الغسيل، تقلل من فترة الغسيل بعد أن اختارت أقصر برنامج، على الرغم من أنه لن يحقق النظافة المطلوبة، تختصر يدويا من فترة النقع والفض والعصر، تلهو ببرنامج الغسالة فقط ليتزامن انتهاء وجبة الغسيل مع لحظة انقطاع الكهرباء، ورغم ذلك، لطالما اضطرت إلى إخراج الغسيل من دون عصر، فتعصره بيديها المتعبتين، ولطالما اشتكى الجيران من نقاط الماء التي تبلل غسيلهم، فتعتذر بشدة ويملؤها الخجل.

تستعر الحرب على حبال الغسيل، حرب الوقت، وحرب الكلفة، حرب الاحتياج، وحرب الزحام، حرب النظافة وحرب جودة مواد التنظيف، حرب الكهرباء ومواعيد حضورها وغيابها، حرب الأدوار المقسمة على عدة أسر وعلى فكرة تقاسم غسالة واحدة ووقت واحد. حتى ملاقط الغسيل تعاني من حرب ضروس تضغط عليها بشدة حتى تقضم أجزاء منها، أو تفككها فترمى مقسومة أو مكسورة، ضعيفة ووحيدة في قمامة باتت مصدر دخل لكثيرات وكثيرين، لدرجة يصنفون عيشهم بعبارة:”عيشة زبالة” حيث لا قدرة لمواد التنظيف وحبال الغسيل كلها على تجميلها أو أنسنتها.

إقرأوا أيضاً:

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
هاني محمد – صحافي مصري
تعتبر قضية “القصور الرئاسية” هي الحكم النهائي الوحيد الذي يدين مبارك وأسرته، التي حاولت نقضه والطعن عليه عدّة مرات، وهو ما يوحي بنية الشقيقين لإيجاد ثغرات للعودة مرة أخرى.
Play Video
فراس حمدان هو محامٍ لبناني نشط بالساحات خلال انتفاضة 17 تشرين وكان ثمن نضاله كبيراً. شرطة مجلس النواب أصابت فراس برصاصة من سلاحٍ محرم دولياً اخترقت قلبه بإحدى التظاهرات، وعلى رغم أن شظاية الرصاصة بقيت في قلبه، إلا أن فراس تحدّى وترشّح على الإنتخابات، وربح. ليعود إلى الساحة نفسها ولكن هذه المرة كنائب!

4:38

Play Video
“رح ننتخب أي حدا ضد المُعرقلين…”، 21 شهراً مرّ على انفجار مرفأ بيروت وأكثر من 4 أشهر على تجميد التحقيق. السلطة اللبنانية تُحاول عرقلة التحقيقات وطمس الجريمة، بل وتخوض الانتخابات بوجوه مُتّهمة بانفجار 4 آب، لكن أهالي الضحايا يصرّون على ثباتهم: العدالة تأتي بالتغيير.

2:49

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني