لمن نعطي الفرصة؟

بدل أن تطرح حلولاً لمشاكل الفقر أو تُطالب السلطات بممارسة عملها، تواظب الوسيلة الإعلامية على ملء مكانها كسلطة رابعة لا تختلف كثيرا عن نظيراتها الثلاث المتبقية. بل تلعب دور وصاية على الناس عبر تحميلهم مسؤولية ثورتهم وخروجهم للتظاهر.

أقلب بين الصفحات الاخبارية كمن يقلب صفحات كتاب تاريخ عاشه: يقودني الفضول إلى معرفة حقيقة سأقرأها مجتزأة من وجهات نظر عدة. يعيد الناشرون كتابة الأخبار المكررة قبل سنة أو اثنتين أو أكثر مع تعديلات طفيفة تخدم السكوب أو الموارد المالية للوسيلة الإعلامية أو استقطاب قراء جدد.

لكن الأخبار تبقى ذاتها: ارتفاع سعر الصرف، وانطلاق دورة جديدة من كأس العرب، وضياع أصوات انتخابات بلا أدنى تحقيق قانوني، وبعض الاحتجاجات التي تحمل المطالب ذاتها. لذلك، قد تضطر بعض وسائل الاعلام الى انتاج محتوى بعيد عن القمع والفقر والوباء المنتشر، لمناصرة قضية في مناسبة محددة كمحاولة لإيصال صوت أولئك الذين لا تأثير لهم. لذا، بينما ينتهي عام ثان من الأزمة الاقتصادية اللبنانية الخانقة وتجدد الوباء بشكل أقوى، تقرر إدارة جريدة “النهار” لعب دورها كوسيلة إعلام تقليدية. وعوضاً عن استغلال جميع الأسباب التي قد تؤدي إلى انفجار مظاهرات جديدة، أنتجت فيديو يضم وجوها لبنانية بارزة يدعون شريحة من اللبنانيين إلى “إعطاء لبنان فرصة”. 

يبدأ الفيديو بمحاولة جعل المتلقي والمتحدثين سواسية عبر تعميم الشعور بالتعب على “الجميع” بلا توضيح من هم “الجميع”. ثم يباشرون باقتراح الحل فتُطلب فرصة من “لغة الكراهية المعممة والاستفزاز اليومي والتحريض على الفتنة والحرب”، آملين من الفئة المستهدفة التزام منزلها وأيضا “ألا تفعل شيئا إلا أن تأخذ نفسا عميقا وتدعهم (أي المتحدثين) يتنفسون” خلال شهر كانون أول/ ديسمبر الذي يُشرح، كأنه فكرة يصعب على الجمهور المستهدف فهمها، فتكرر إحدى المتحدثات “ديسمبر يعني كانون الأول يعني شهر ١٢” بتروّ وإعادة، وكأن الفئة المستهدفة تتكون من أطفال مدارس.

تبرر شخصية أخرى الطلب بحجة “ما بقى دارجة المظاهرات… أصلا انتوا ما بقى دارجين تطلعوا على الهواء” فتتضح بهذه الجملة الشريحة المخاطبة كما تتضح وجهة نظر فريق الإعداد والمشاركين فيه تجاه التظاهرات: موضة بالية تتطلب التجديد المستمر بحسب الموسم. والموسم الآن موسم أعياد فينبغي على المتظاهرين أن “يعطوا لبنان فرصة” لشهر واحد فقط لتعود دوامة التكرار ويُحسب الشهر بالأيام والساعات قبل أن تتذكر الشخصية: “ما في أشطر منكم بالحسابات، حسبتوها صح بس ع حسابنا”. 

بينما تنصح شخصية أخرى الناس: “ما تنشروا غسيلكن” كوصية للإبقاء على حرمة المنزل والتزام الصمت عن مآسي شعب بأكمله. لكن الناصح لا يكتفي بالنصح وحسب بل يطبق نصائحه إذ يكمل تصوير الفيديو كأن شيئا لم يكن بعد انقطاع التيار الكهربائي. وهي حيلة أخرى ترمي الى تذكير المشاهدين بفكرة أن “وجعنا” واحد والمعاناة من انقطاع الكهرباء واحدة أيضا. لكن المتحدث على الرغم من “الوجع” يكمل التصوير مبتسما حاملا مطلباً بسيطاً: أن يقدم الهدايا ويتلقاها ويعايد ذويه. 

وجهة نظر فريق الإنتاج منطقية، نظرا لكيفية دوران عجلة الاقتصاد. الاحتجاجات تولد اشتباكات التي بدورها تنذر بتزعزع أمني ينفر السياح والمغتربين الذين أصبحوا مرادفا للعملات الصعبة. والحل؟ كبح المظاهرات قبل أن تبدأ. عبر سجنها في صندوق يُفتح بعد انقضاء الأعياد. ربما يُفرغ مضمونه عندما تظهر الحاجة الى مادة اعلامية دسمة تستخدم الفقراء مادة لجذب المشاهدين والقراء والمعلنين، لكن ليس في “شهر الأعياد”.

بدل أن تطرح حلولاً لمشاكل الفقر أو تُطالب السلطات بممارسة عملها، تواظب الوسيلة الإعلامية على ملء مكانها كسلطة رابعة لا تختلف كثيرا عن نظيراتها الثلاث المتبقية. بل تلعب دور وصاية على الناس عبر تحميلهم مسؤولية ثورتهم وخروجهم للتظاهر، لتتحول الصحيفة إلى سلطة بوليسية أخرى تلعب دور الأخ الأكبر، وتقرر الوقت المناسب للتظاهر والوقت الأنسب للمكوث في البيت. محملة المتظاهرين مسؤولية انهيار اقتصاد نخره الفساد منذ عقود. وملخصة، بفيديو لا يتعدى الدقيقتين والثلاثين ثانية، تاريخاً من الصراع الطبقي عبر حسم استحالة اجتماع الأضداد كما تراها: تظاهرات محقة وموسم تبضع، أو مطالب شعبية وحرية التنقل، أو انتفاضة واسعة وتغطية اعلامية دائمة لها. 

إقرأوا أيضاً:

نفهم، كمتلقين أن عجلة الاقتصاد، التي لأجلها علينا تحمل قبوع شهر في المنزل، ستمر على أجسادنا إن استحق الأمر وسيحجز، أولئك الذين يطلبون منا المكوث، مقاعد جهزت لهم من قبل أن يولدوا. كما نستنتج أن إشارة الوقوف المستخدمة في مباريات كرة القدم، التي أنهت بها الشخصيات الفيديو، ليست عبثية بل تنقل حقيقة صراع الطرفين، كفريقيّ كرة قدم، إلا أن للعبة تجاوزاتها في الحقيقة: فأحدهما يملك جانبا أكبر من الملعب وعلاقة وطيدة مع الحكم وشاشة التلفاز التي تنقل المباريات. فيما يلزم اللاعب الأضعف المنزل لشهر، ويشاهد موسم التسوق من غرفته، إذا تصدّقت عليه الدولة بالكهرباء، وكأن الشهر سيمضي بلا ضرائب تُجبى أو إيجار بيت يُستحق أو فواتير تُعلق على الباب بانتظار دفعها. 

“الإعلان” قد لا يتمثل بإعلانات أخرى من إنتاج الجريدة ذاتها من حيث جودة الإنتاج وعمق المعنى، لكنه أكثر الأمثلة دقة عن قوة الصحافة و قدرتها التأثيرية وإمكانياتها على بث رسائل تقع في التعميم، وحث الناس على التصرف عكس مصلحتهم ونشر خطاب كراهية باستخدام لغة مرموقة وأسماء جذابة وتصوير احترافي بحجة محاربة “خطاب الكراهية اليومي”. 

اجتمعت كل هذه العوامل لضمان رضا الفئة المستهدفة على صفحة تتمتع بقرابة مليوني إعجاب حصدتها عبر تغطية احتجاجات اللبنانيين ونقل مآسي ذوي ضحايا انفجار بيروت. لتقرر أن موسم الأعياد لا يحتمل تأجيلا فتعيد تدوير الخطاب التقليدي مفرغة الحملات الإعلانية من أهمية مضمونها القادر على إضفاء رسالة ذو طابع خلاق. وتؤكد دخول الأعياد الدينية دوامة السوق الاستهلاكية وتدفعنا إلى التساؤل: متى يحين دور تبدية تظاهراتنا على تجارتهم الموسمية؟ 

إقرأوا أيضاً:

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
هاني محمد – صحافي مصري
تعتبر قضية “القصور الرئاسية” هي الحكم النهائي الوحيد الذي يدين مبارك وأسرته، التي حاولت نقضه والطعن عليه عدّة مرات، وهو ما يوحي بنية الشقيقين لإيجاد ثغرات للعودة مرة أخرى.
Play Video
فراس حمدان هو محامٍ لبناني نشط بالساحات خلال انتفاضة 17 تشرين وكان ثمن نضاله كبيراً. شرطة مجلس النواب أصابت فراس برصاصة من سلاحٍ محرم دولياً اخترقت قلبه بإحدى التظاهرات، وعلى رغم أن شظاية الرصاصة بقيت في قلبه، إلا أن فراس تحدّى وترشّح على الإنتخابات، وربح. ليعود إلى الساحة نفسها ولكن هذه المرة كنائب!

4:38

Play Video
“رح ننتخب أي حدا ضد المُعرقلين…”، 21 شهراً مرّ على انفجار مرفأ بيروت وأكثر من 4 أشهر على تجميد التحقيق. السلطة اللبنانية تُحاول عرقلة التحقيقات وطمس الجريمة، بل وتخوض الانتخابات بوجوه مُتّهمة بانفجار 4 آب، لكن أهالي الضحايا يصرّون على ثباتهم: العدالة تأتي بالتغيير.

2:49

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني