رسالة الإسكندرية من تحت الماء:
“إنّي أغرق”!

أصبح السيناريو مكررًا منذ سنوات ما بعد الثورة: أمطار تغرق المدينة، يموت بعض الناس صعقًا بالكهرباء، تتعطل الدراسة،تنهار مبان، يستقيل المحافظ، تعود الدائرة للدوران من جديد، فمن المتهم إذن؟ 

كنت صبيًا صغيرًا ألهو في المياه مطلع كانون أول/ ديسمبر، كان فصل الشتاء جميلًا، تحب الإسكندرية فيه. شوارعها أوروبية مغسولة بمياه الأمطار التي تغسل نفوس البشر أيضًا، وتجعلهم أكثر اتّساقًا مع المدينة وحبًا لها. الإسكندرية لم تكن مزارًا صيفيًا فقط، بل شتويًا، يقطع القاهريون الطرق السريعة ليصلوا إليها لقضاء ليلة أو ليلتين صافيتين، مهما كان العناء، أو التكلفة، لكنهم لا يبتعدون عن محيط كورنيش البحر.

كنا، نحن أهل المدينة، نعيش في الحارات والأزقة والشوارع الجانبية والمناطق الداخلية البعيدة عن البحر، تزعجنا الأمطار قليلًا، الشوارع يصعب المشي بها، لكن كل شيء يعود كما كان في غضون ساعات، أذهبُ إلى المدرسة وأعود وكل ما أصابني اتساخ في الحذاء والبنطلون. أبي كان يندهشُ من عودتي مبكرًا، وأمي كانت تطهو المحشي والعدس واللحوم لا للشبع، بل للتدفئة. كانت الأمطار عيدًا حقيقيًا يجعلنا جميعًا سعداءً. أجواء أوروبية نعيشها، فتزيل البحر الذي يفصلنا عن البلاد الجميلة، التي لا نستطيع العبور إليها.

لم تتوقف الحياة في المدينة أبدًا بسبب الأمطار، بل كانت تزيدنا حماسًا، ورومانسية، وشغفًا بـ”الأرض المقدسة” التي نعيشُ فيها. نحن على الجانب الآخر من إيطاليا وفرنسا، يفصلُنا البحر، ومن الطبيعي أننا نغرقُ معًا، فنحن أبناء مدينة أوروبية ضلّت طريقها إلى الشرق الأوسط، لكن البلاد الأوروبية لا تغرق في الأمطار، ينتعشُ الناس أكثر، ولا يبقى من الأمطار شيئًا سوى شوارع مبللة وأجواء أكثر برودة قليلًا، فكيف تغيرت الإسكندرية؟ كيف غادرت نادي الدول الساحلية الجميلة وانسحبت إلى مصاف الدول الغارقة في الوحل والطين كما سقطت الأمطار؟

اليوم تحول غرق الإسكندرية سنوياً إلى مرض عضال يطاردها كل عام، لتتساءل الصحف كثيرًا حول المتهم، التقصير أم الأمطار أم محافظ المدينة أم الطبيعة، لكن تكرار الحادث، الذي تحوّل إلى ظاهرة سنوية، يوجّه أصابع الاتهام إلى الدولة الغارقة في اهتماماتها الخاصة ببناء المدن الجديدة، وتعمير “كباري” العاصمة القديمة، ورفع العاصمة الجديدة طوابق فوق طوابق وبناء ناطحات سحاب لتتحوّل إلى لاس فيجاس أو دبي، بينما تترك المدن القديمة ضحية للسيول والأمطار والرياح العابرة التي تنسف كل شيء. 

أصبح السيناريو مكررًا منذ سنوات ما بعد الثورة: أمطار تغرق المدينة، يموت بعض الناس صعقًا بالكهرباء، تتعطل الدراسة،تنهار مبان، يستقيل المحافظ، تعود الدائرة للدوران من جديد، فمن المتهم إذن؟ 

البحث عن المتهم في وسائل الإعلام المصرية أصبح حديثًا ممجوجاً، يغرقنا باستمرار في دوامة لا تنتهي، بينما المتهم يعرفه الجميع، ليس الطبيعة التي تؤدي دورَها دائمًا، ولا البشر الذي يفاجؤون سنويًا بأمطار غزيرة تهطل من السماء لتغرق مدينتهم عن آخرها. 

 أمراض الإسكندرية العشوائية

تُصنَّف الإسكندرية واحدة من أكثر محافظات مصر معاناةً من البناء العشوائي، بعد سنوات من الفوضى التي أعقبت ثورة الخامس والعشرين من يناير، كانت المدينة خالية من الأمن والدولة، وكلما أراد أحدهم أني يبنى عقارًا، بنى إلى جواره العشرات من دون تراخيص رسمية، حتى أصبحت مدينة بلا تخطيط مدني أو عمراني، عشوائية قاتلة أدت إلى “بطء استيعاب الشبكة والمحطات لكمية الأمطار الغزيرة بالإضافة إلى التصرفات الآدمية، وأدت إلى زيادة منسوب المصارف”، كما علقت شركة الصرف الصحي بالإسكندرية على الأمطار المتزايدة، وحين بدأت الدولة مواجهة العشوائيات لم تلتفت إلى هؤلاء، بل دخلت في مفاوضات لدفع غرامات وتعويضات، فلم تتّبع الدولة أساليب الدول في إدارة تلك الأزمات، بل طريقة رجال الأعمال الذين يحصدون المال دون نظر إلى حياة البشر. كما أن المدينة أصبحت مقلبًا كبيرًا للقمامة، تمتلئ عن آخرها بالقمامة، في سياق أعمال تطوير مزعومة مستمرة فيها منذ عشرات السنين، فكلما أتى مسؤول جديد إلى المحافظة، يبدأ رحلة التطوير من البداية، دون عمق استراتيجي للدولة، أو تخطيط عمراني، أو خطة ينفّذها المسؤولون بالتنسيق فيما بينهم. كومات الأتربة الكبيرة، التابعة للإصلاحات، والقمامة التي تملأ الشوارع، التي من المفترض أنها شوارع مدينة سياحية ساحلية، فور أن تختلط بالمطر، تتحول إلى مشهد أسطوري للعذاب. 

أكثر من 30 منطقة عشوائية بالإسكندرية لم تتدخّل الدولة حتى الآن لعلاجها أو إزالتها أو إصلاحها، بينما تتضاعف أعداد السكان. فالإسكندرية صاحبة الطبيعة الخاصة، مدينة جاذبة للعمالة البشرية من صعيد مصر ومحافظات الدلتا، شأنها شأن القاهرة، تستقبل هجرة داخلية بأعداد كبيرة، ولا يقابل تلك الزيادة في عدد السكان توسع عمراني أو زيادة في الخدمات أو شبكات الصرف الصحي والمياه، فلا تزال المياه تنقطع عن السكان باستمرار والكهرباء أيضًا بينما يعيش الآلاف في المقابر والعشوائيات، والشبكات التي تمتد “تحت الأرض” لا تستوعب مياه الأمطار أو الصرف الصحي، حتى أنّ بعض القرى السياحية على ساحل الإسكندرية تصرف فضلات سكانها على شاطئ البحر، أو داخل مياه البحر، لتصنع بؤراً للأمراض.

لماذا لا تغرق مناطق الأثرياء في الإسكندرية؟

في الأمر نوع من الطبقية، ليس فقط بالمقارنة مع القاهرة، العاصمة التي ينصبّ عليها الاهتمام الكامل، لكونها الخط الأول الذي يراه أي قادم إلى مصر، كما أنها مقر الحكم وجولات الرئيس المصري، بل لأن المناطق المتضررة في الإسكندرية ليست مناطق الصفوة، بل مناطق أهل البلد العاديين، من يعيشون بها هم موظفون يذهبون إلى أعمالهم في سيارات الأجرة يوميًا، وطلاب مدارس، فقلب الإسكندرية للسكندريين القدامى، لكن المناطق الأخرى، التي صُنعت للأثرياء، بمأمن من كل ذلك، فحين يهطل المطر، يجد مساراته الطبيعية إلى باطن الأرض، ولا تقع أزمة. 

الساحل الشمالي ومارينا وسموحة والمنتزه والمعمورة، وغيرها من المناطق المعروفة بقدرات مواطنيها المالية الكبيرة، وكونهم “الطبقة الراقية” بالإسكندرية، أو عائلات كبار رجال الدولة ورجال الأعمال في القاهرة، لا تواجه مشكلات سواء كانت تتعلق بالأمطار، أو الصرف الصحي، أو الكهرباء والمياه.

ويمكن أن تتلمّس الطبقية في جانب، يعرفه أهل الإسكندرية الأصليون، لا غيرهم، وهو المعمورة. تنقسم المعمورة إلى جانبين، جنوبي وشمالي، يفصل بينهما شريط قطار، الجنوبي هو المعمورة “البلد”، والشمالي هو المعمورة “الشاطئ”. الأول يضم مناطق عشوائية، بدءًا من العشوائيات وتلوث الهواء وانعدام النظافة وغرق المنطقة في الأمطار إلى الحد الذي يجعل المياه تدخل البيوت وتدمّر الأجهزة الكهربائية والأثاث، بينما تبقى المعمورة “الشاطئ”، التي تضمّ منازل لقادة الجيش وفيلات للأثرياء وشاليهات للطبقات الراقية وتقترب من القصر الرئاسي بالمنتزة، دون أن تتأثر، فالمنطقة لكونها “مملكة الكبار” مجهزة في بنيتها التحتية بطريقة تجعلها تواجه الأمطار، وشبكة إعادة التدوير تسحب المياه وتعيدها لريّ المزارع التي تمتلئ بها المنطقة، ثم تضخ الباقي في مياه البحر، ففي الإسكندرية، من يعيش حياة الكمباوندات لا يعاني شتاءً، بل يعيش حياة هانئة، بينما من يخرج منها يغرق في الأمطار وينتهي به الأمر “شبه مشلول” في شوارع المدينة المصابة هي الأخرى بالشلل الكامل، يموت من يموت صعقًا، يشعر الأطفال بالضيق والغضب والإرهاق في باصات المدارس المعطّلة، وينتهي يوم ككل الأيام التي تشهدُ على انعدام الحياة الإنسانية، التي تليقُ بالبشر الطبيعيين.

إقرأوا أيضاً:

المدينة الغارقة.. ضحية المشروعات القومية!

تبدو قصة الإسكندرية كـ”معاناة سيزيف” الذي كلما صعد بالحجر إلى أعلى قمة الجبل، وقع، وهكذا يوميًا، يسقط الحجر، ليبدأ الرحلة من جديد، فالمدينة تعاني التهميش، وطالما أن يوم الأمطار ينتهي، مهما كانت الخسائر، ولكونه شهرًا أو شهرين سنويًا، فلتتحملهما المدينة وأهلها كجزء من ضريبة العيش في مصر. 

هكذا يتعامل النظام السياسي الحالي مع أزمات جميع المدن البعيدة عن العاصمة. إذا وقعت مشكلة وتم حلها، فليتعوّدوا عليها، شهر واحد “معاناة” في السنة لا يعني أن تعيد الدولة المشغولة بالمشروعات القومية النظر في البنية التحتية أو تحسّنها أو تعالجها، فالدولة لها أهداف محددة طوال السنوات الماضية، لا تقبل أن تشغلها أمور أخرى عنها، مهما كانت مدمّرة لحياة نحو 15 مليون مواطن يعيشون في الإسكندرية. 

تحمّل الجهات الرسمية البناء العشوائي سبب غرق المدينة في مياه الأمطار. لا تشير الجهات الرسمية إلى سوء البنى التحتية أو نقص شبكات الصرف الصحي أو تواطؤ الدولة في أزمة البناء العشوائي أو عدم صيانة المرافق، فشبكة الصرف الصحي للمدينة تهالكت لعدم تجديدها أو تصليحها تدريجيًا فلم تعد قادرة على تصريف الأمطار، بينما تواجه مصر أزمة عجز المياه بسبب سد النهضة، والسر في ذلك أن البناء العشوائي هو خطيئة المقاولين، الذين هم جزء من الناس، أي أن الدولة تقول للشعب: أنتم تحصدون ما زرعت أياديكم.

مليارات مهدورة على البنية التحتية.. والمحافظون “كبش فداء مزمن”

التعليقات الرسمية على “غرق” الاسكندرية وصلت إلى حد رأس الدولة، فالرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، قال في تصريح إن “الدولة أنفقت 250 مليون دولار على البنية الأساسية”، أي ما يعادل 4 مليارات جنيه مصري، يصدر الرئيس أرقامًا وميزانيات، من دون الحديث عن مساراتها، ومن يفتش في التفاصيل، يجد أن أغلب هذه الأموال تذهب إلى البنية التحتية في مبادرة “حياة كريمة” الدعائية، أو في المدن الجديدة، فأين أنفقت تلك الأموال، بينما تغرق الإسكندرية سنوياً؟

وفي تصريح سابق، قال محافظ الإسكندرية الأسبق، هاني المسيري (الذي استقال بعد مصرع 5 مواطنين وغرق المحافظة في مياه الأمطار عام 2015)، إن رئيس الوزراء خصص 75 مليون جنيه من أجل خطة القضاء على تراكم المياه ومعالجة شبكات الصرف الصحي في بعض مناطق المدينة، وأكد أن “نتائج الخطة ستظهر في الشتاء المقبل”، ولم تظهر من النتائج سوى المزيد من العقارات المنهارة، والقتلى في المناطق العشوائية، فأين ذهبت تلك الميزانية أيضًا؟

ويمكن تتبَّع تصريحات محافظي الإسكندرية سنويًا حول غرق المحافظة شتاءً، لنكتشفَ أنّ أحدًا لا يريد أن يعترف بالخطيئة، من بين المسؤولين الرسميين، فمنذ ولاية هاني المسيري، كانت الحجة أن “غرق الإسكندرية قضاء وقدر” مع تخصيص مبالغ مالية لحل الأزمة في العام التالي، وظلَّت التصريحات تلقي باللوم على البناء المخالف والسلوكيات الخاطئة، والقرارات الرسمية تحاول تقليل الأضرار عبر منح إجازات للموظفين والمدارس، من دون حل جذري، حتى وصلت التصريحات إلى قمة التنصُّل لدى اللواء محمد شريف، محافظ الإسكندرية، الذي برّر غرق الإسكندرية هذا العام، بأنه “أمر خارج عن إرادة الجهات التنفيذية بالمدينة وشركات المياه والصرف الصحي بسبب زيادة كمية الأمطار، التي فاقت قدرة محطات الرفع والصرف الصحي”. 

ولذلك يتحول من يتولى منصب المحافظ إلى كبش الفداء، خاصة إذا لم يكن من داخل مؤسستي الجيش والشرطة، فكلما سقطت الأمطار وغرقت الإسكندرية، تنطلق دعوات لإقالة المحافظ وهو ما حاول البرلمان المصري التقدم فيه مؤخرًا من دون سنّ قوانين أو تخصيص ميزانيات لحل الكارثة السنوية، بينما يثبت تكرار الأزمة أن المحافظ بلا حول ولا قوة تجاه تلك الأزمة، بينما يحتاج الأمر قرارًا عاليًا، ربما رئاسيًا، لكن دفة القرارات الرئاسية مؤخرًا تصب كلها في المدن الجديدة فقط، بينما تُترك المدن القديمة لتنهار في عداء صريح للمدن التقليدية.

المواجهة لا تحتاج أموالًا فقط، بل رغبة في الإصلاح، وانعدام تلك الرغبة يتجلَّى في انهيار الأبنية وسقوط الشرفات بسبب قدمها، فالجهات الرسمية لا تتعامل مع البلاغات بتداعي المباني بجدية، ولا تتدخل سريعًا لإزالة الأخطار، بل يتمّ تشكيل لجان ظاهرية للفحص وتوجيه الموارد والإنفاق، وتحولت قرارات الإزالة إلى حبر على ورق ينتهي بـ”الرشاوى والإكراميات” بسبب ثغرات القانون الحالي، حسب تصريحات مؤسسة مبادرة “إسكندرية أول بأول”، جورجيت شرقاوي، التي أكَّدت لوسائل إعلام أنّ “ثغرات القانون الحالي وقلة عدد المهندسين في الأحياء، وعدم تفعيل منظومة استثنائية في حالات الطوارئ، تساهم في مضاعفة هذه المشكلات”.

إقرأوا أيضاً:

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
منى آدم
علاء حبيس في سجنه لا يرى من العالم سوى فردًا واحدًا من أسرته لمدة عشرين دقيقة كل شهر.
Play Video
هل النسوية فكرة متطرفة ولماذا تبدو ضبابية في المجال العام في منطقتنا العربية؟ هل النسويات متأثرات بالهجوم الشرس المستمر من المنظومة الدينية والسلطوية الرافضة للتحرر والمساواة الكاملة للمرأة؟

43:20

Play Video
نقاش ما بعد الانتخابات أعاد إحياء ملف الأزمة الاقتصادية والانهيار المالي. فمن سيتحمل كلفة سرقة ودائع اللبنانيين ومن سيحاسب من؟

6:29

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني