الحرية للباحث المصري باتريك جورج…
هل اكتفت السلطة من “تأديبه”؟

اليوم، ينتظر باتريك ومحاموه إخلاء سبيله رسمياً بعد عامين كاملين داخل الحبس الاحتياطي ليعاود استكمال منحته الدراسية ومشاغله البحثية في قضايا الجندر والنوع الاجتماعي.

أعلنت محكمة جنح أمن الدولة طوارئ- قسم ثان المنصورة- إخلاء سبيل الزميل باتريك جورج، مع تأجيل محاكمته إلى 1 شباط/ فبراير 2022 للمرافعة.

وقالت لبنى درويش مديرة وحدة الجندر في “المبادرة المصرية للحقوق الشخصية” والتي كانت حاضرة في جلسة الحكم: “باتريك لم يسمع قرار إخلاء سبيله لأنه لم يكن حاضراً وقت النطق بالقرار، ولا نعلم بالتحديد متى يعود إلى بيته. عادة تأخذ إجراءات إخلاء السبيل يومين أو ثلاثة ونتمنى تسريع خروجه من الحبس”.

وأضافت لبنى لـ”درج” أن “قضية باتريك جورج ما زالت مستمرة لسماع أقوال الدفاع والنيابة في 21 شباط 2022 وهو ما لن يؤثر في إطلاق سراحه”. 

اعتُقل باتريك جورج منذ عامين على خلفية مقال نشره على “درج” بعنوان “تهجير وقتل وتضييق: حصيلة أسبوع في يوميات أقباط مصر!”، رصد خلاله حوادث أليمة بحق أقباط مصر من محاولات تهجير في الصعيد إلى عمليات خطف وإغلاق كنيسة أو تفجير أخرى، وذلك عبر سرد يوميات أسبوع في حياة مسيحيي مصر…

أحالته نيابة أمن الدولة في القاهرة على خلفية المقال  إلى المحاكمة بتهمة “إشاعة أخبار كاذبة بالداخل والخارج، من شأنها تكدير السلم الاجتماعي وبث حالة من الفوضى، والتحريض على التظاهر من دون الحصول على إذن من السلطات بهدف الإضعاف والانتقاص من هيبة الدولة وتكدير السلم والأمن العام، التحريض على قلب نظام الحكم وترويج مبادئ وأفكار ترمي إلى تغيير مبادئ الدستور الأساسية، إدارة واستخدام حساب على شبكة معلوماتية فايسبوك بغرض الإخلال بالنظام العام وتعريض سلامة المجتمع للخطر والإضرار بالأمن القومي، الترويج لارتكاب جريمة إرهابية والترويج لاستخدام العنف”. 

باتريك جورج

أمضى باتريك، الباحث في “المبادرة المصرية للحقوق الشخصية”، ليلته الأولى تحت التعذيب بحسب محاميه صامويل ثروت، الذي قال لـ”درج“، “باتريك تعرض للتعذيب الذي تخطى الضرب والصعق بالكهرباء على مدار 24 ساعة، لكنه طلب مني عدم ذكر التفاصيل حتى لا تتأثر أسرته بما مر به خلال استجوابه”.

وأشار ثروت إلى أن “باتريك فوجئ أثناء التحقيق معه بعشر صفحات عبارة عن سكرين شوت من تدوينات على فايسبوك ينسبها الأمن إليه، لكن باتريك أنكر أن يكون هذا الحساب الفايسبوكي له وأنكر الاتهامات الموجهة له، وعلى رغم ذلك حُكِم بالسجن احتياطياً 15 يوماً حتى يعرض على جهاز الأمن الوطني”.

وروى ثروت تفاصيل المكالمات الأخيرة لباتريك مع والده بعد هبوطه إلى مطار القاهرة: “اضطررنا إلى سماع تسجيل المكالمة بين باتريك ووالده حتى نعلم متى ألقي القبض عليه، فقد هاتف باتريك والده فور هبوطه في مطار القاهرة ليعلمه بوصوله، لكنه بعد دقائق أخبر والده أن هناك مجموعة من الأفراد داخل المطار تحاول استجوابه ثم اقتياده بالقوة حتى أُغلق هاتف باتريك نهائياً”.

وبعد التحقيق معه في المطار نقل باتريك إلى أحد مقرات الأمن الوطني في القاهرة ثم لاحقاً إلى مقر آخر للأمن الوطني في مدينة المنصورة، محل ميلاده وسكنه الأصلي. تعرض باتريك للمساءلة حول طبيعة عمله ونشاطه كما تعرض للتهديد والتعذيب والصعق بالكهرباء، وفق محاميه، قبل أن يظهر للمرة الأولى السبت 8 شباط في إحدى نيابات المنصورة حيث بدأ التحقيق معه في ساعة متأخرة من النهار، ثم قررت النيابة حبسه 15 يوماً على ذمة التحقيق وانتهى به المطاف في الحبس الاحتياطي لعامين.

سافر باتريك قبل عامين إلى إيطاليا لدراسة النوع الاجتماعي استكمالاً لمشروعه البحثي المتصل بعمله كباحث في “المبادرة المصرية للحقوق الشخصية”، وقرر في 7 شباط من هذا العام زيارة أهله في المنصورة، لكن ما أن وطئت قدماه أرض بلاده حتى استقبلته قوات الأمن بأمر الاعتقال الفوري، واقتيد في الرابعة والنصف فجراً من مطار القاهرة، إلى جهة غير معلومة في البداية، حتى ظهر في نيابة جنوب المنصورة. كانت جهة الاتهام تحضر لباتريك بحثاً أمنياً من 10 أوراق، يتضمن اتهامات جاهزة تطيح بمستقبل باحث واعد، وهي إشاعة أخبار وبيانات كاذبة، والتحريض على التظاهر من دون الحصول على تصريح، والتحريض على قلب نظام الحكم، وإدارة واستخدام حساب على الشبكة المعلوماتية بغرض الإخلال بالنظام العام والإضرار بالأمن القومي.

كان صوت باتريك عالياً في كل ما يخص البلد، صفحته على “فايسبوك” كانت مرصداً للانتهاكات السياسية والاجتماعية والصحية، وكان يطمح لبناء مجتمع أجمل وأكثر عدالة.

نشأ باتريك جورج في محافظة المنصورة التي تبعد من القاهرة 130 كيلومتراً، أنهى الدراسة الثانوية في ظل تغيير تاريخي عاشته مصر مع بدء الثورة، ووسط التظاهرات ونقاشات المقاهي واجتماعات “الاشتراكيين الثوريين”، تخرج من الجامعة طبيباً صيدلياً، لكنه غيّر وجهته وانخرط في “المبادرة المصرية للحقوق الشخصية”، وهو عكس ما كانت عائلته تتمناه، بخاصة أن والده يعمل في مجال الطب والأدوية، ما كان ليسهل عليه الطريق، لكن باتريك كان بالفعل فتى طائراً يحلق ويهبط على مساره الشخصي بدقة بغض النظر عن ضريبة خياراته.

إقرأوا أيضاً:

يروي صديقه أنه على رغم ملامحه وشخصيته الطفولية كان “مهيبر”، ينتقل من مقهى إلى آخر ليخوض أحاديث مع أصدقاء هنا وهناك حول أوضاع البلد، وحين يأخده الإنهاك، يعود إلى المنزل ليملأ حساباته على وسائل التواصل الإجتماعي بمنشوراتٍ تذكّر بقضايا المعتقلين كي لا ننساهم فضلاً عن منشورات داعمة للمعارضين.

وجه باتريك الطفولي بدأ يترهل في السجن ليظهر معه وجه رجل كبير، هكذا نقل صديق باتريك تعليق محامية حضرت جلسة  سابقة معه “باتريك وشه كبر في السجن مبقاش وشه طفل زي زمان”.

في بداية عام 2019 تسلّم باتريك استدعاء “ودياً”، كما يصفه صديقه، من ضابط أمن الدولة في محافظة المنصورة، لكنه لم يذهب إلى الاستدعاء.  الضابط الذي استدعاه كان ابن محافظته، وقد اعتاد مراقبة حسابه الشخصي ومنشوراته على “فايسبوك”. عادة ما تكون المحافظات البعيدة من القاهرة، ملجومة حتى لا تخرج منها أصوات معارضة، لكن نشاط باتريك على “فايسبوك” كان لافتاً، فاعتبر الضابط أن من واجبه “تأديب” الشاب المشاكس.

لم يلقِ الفتى الطائر بالاً، وطار إلى بولونيا في إيطاليا لاقتناص المنحة التي جاءته أخيراً بدعم من الاتحاد الأوروبي، لدراسة النوع الاجتماعي، يقول صديقه: “لأن دراسة باتريك كانت الصيدلة كان من الصعب أن يحصل على منحة في مجال الجندر، وعندما حصل على المنحة طار فرحاً. في إيطاليا لم يتوقف عن التدوين ولم يتوقف الضابط أيضاً عن متابعة صفحته بفضول”.

أمر ضابط الأمن الوطني في المنصورة باقتحام منزل عائلة باتريك، على رغم علمه بأن باتريك خارج البلاد، لم يستطع الضابط تمالك فكرة خروج الشاب وتماديه في التحليق.

اليوم، ينتظر باتريك ومحاموه إخلاء سبيله رسمياً بعد عامين كاملين داخل الحبس الاحتياطي ليعاود استكمال منحته الدراسية ومشاغله البحثية في قضايا الجندر والنوع الاجتماعي.

إقرأوا أيضاً:

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
خولة بو كريم – صحافية تونسية
“حرية الصحافة مهددة، بخاصة أننا نعيش في حالة طوارئ، وزير الداخلية بإمكانه منع المنشورات عن الصدور وحتى منعنا من العمل بموجب قانون الطوارئ”.
Play Video
“العازة والفقر بيعملو هيك…”، بينما تُعتبر تجارة الكبتاغون أكثر القطاعات ربحية في سوريا، ازدهرت هذه التجارة في لبنان بعد تفاقم الأزمة الاقتصادية. تحقيق للقناة الرابعة البريطانية يكشف الخبايا.

2:03

Play Video
“كل ما أريده هو العودة إلى بلدي”… بعدما لم يعد البقاء في لبنان المنكوب خياراً بالنسبة للعاملات الأجنبيات، افترش بعضهن الأرض تحت مقرّ القنصلية الكينية مطالبةً بتسهيل أمورهن لمغادرة البلاد

2:45

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني