كيف يمكن إيقاف نظام الأسد…
أكثر من استخدم السلاح الكيميائي في القرن الحالي؟

يعد "مركز الدراسات والبحوث العلمية في سوريا" أحد أهم أسرار النظام، ساعدت السنوات الأخيرة التي شهدت تقاعد كثيرين واستقالة آخرين من العاملين فيه من علماء وكيميائيين، على ظهور بعض المعلومات التي ما زالت أقل بكثير من الحقيقة الكاملة.

وجوهٌ صفر، أنفاسٌ تنقطع رويداً رويداً وأجساد مترامية من دون حراك إثر مجازر الأسلحة الكيميائية التي استخدمها النظام السوري ضد شعبه. ذكرياتٌ لم ينسها السوريون بعد، ما زالت حكايات هجمات الأسلحة الكيميائية تروى في التجمعات واللقاءات كواحدة من المخاوف التي عاشها الناس الآمنون وتحققت في أحد الأيام. قد يكون الموت بالأسلحة الكيميائية، من أكثر أساليب القتل وحشية، من حيث أعداد الضحايا من جهة، وعجز الناس عن إدراك الموت الآتي أو إمكانية الاختباء منه، لا فائدة من الخروج من المنازل أو الركض بعيداً فهو ليس قصفاً مدفعياً، إنما هواءٌ يُستنشق حتى الموت.

النظام حمى شعبه فقتله

“النظام السوري هو أكثر من استخدم الأسلحة الكيميائية خلال هذا القرن”، بحسب تقرير أصدرته “الشبكة السورية لحقوق الإنسان”، والذي يأتي بعد أكثر من عشر سنوات على بدء الثورة السورية والمجازر الوحشية التي ارتكبها نظام الأسد، سواء بالقصف والتهجير والتعذيب والاعتقال، وليس انتهاء باستخدام الأسلحة الكيميائية.

وبحسب التقرير الذي صدر تزامناً مع يوم إحياء ذكرى جميع ضحايا الحرب الكيميائية، والذي يصادف في 30 تشرين الثاني/ نوفمبر من كل عام، فقد نفذ النظام السوري ما لا يقل عن 217 هجوماً كيميائياً، راح ضحيتها ما لا يقل عن 1510 مواطناً سورياً بينهم 205 أطفال، و260 سيدة و12 ألفَ مصابٍ.

النظام الذي يرى نفسه بالفعل فوق أي قانون أو عقوبات دولية كان الوحيد الذي خرق القانون الدولي واستخدم الأسلحة الكيميائية، كما واصل تطوير برنامج السلاح الكيميائي، حتى بعد انضمامه إلى معاهدة حظر الأسلحة الكيميائية عام 2013، ما يشكل دليلاً إضافياً على ثقة نظام الأسد في عدم تعرضه للمحاسبة وتفلته من العقاب الدولي بطريقة أو بأخرى، متحصّناً بحلفائه أو باتفاقيات أبرمها مع دول كبرى بشكل سريّ. وقد تجاوز بذلك المواثيق الدولية، وبقي مصراً على الظهور كنظام وقع ضحية هجمات عالمية، مدعياً حرصه على حماية شعبه، إلا أن هذا الشعب المقتول بالكيميائي هو الإثبات على عدم صحة مزاعم النظام.

النظام السوري فوق القانون الدولي

الدول الأعضاء في “منظمة حظر الأسلحة الكيميائية”، وافقت على تجريد سوريا من حقها في التصويت، بعدما أكد تقرير مسؤولية دمشق في عدد من الهجمات بأسلحة كيميائية، في حين خلص تقرير حديث أصدرته المنظمة إلى تأكيد قيام النظام السوري بقصف مدينة سراقب في ريف إدلب عام 2018 بغاز الكلور السام.

كانت بداية استخدام نظام الأسد الأسلحة الكيميائية في حمص عام 2013، حين استخدم غاز (B Z) الذي يسبب شللاً للأعصاب وارتباكاً وهلوسة، ليستخدم في خان العسل في العام ذاته وللمرة الأولى غاز الأعصاب (السارين)، استعداداً لمجزرة الغوطة الشرقية التي راح ضحيتها 1500 شخص. لم يتوقف النظام عند هذا الحد، إنما استمر في مجازره التي استهدفت سراقب وكفر زيتا وعربين وإدلب وخان شيخون ودوما وغيرها، مستخدماً أنواعاً مختلفة من الغازات السامة مثل الكلورين، غاز السارين، B Z، وغازات أخرى لم يحدد نوعها بخاصة في ظل التعتيم الإعلامي والسياسي.

وعلى رغم انضمام سوريا إلى منظمة “حظر الأسلحة الكيميائية” عام 2013، إلا أن لجنة التحقيق الدولية المستقلة بشأن سوريا، قالت إنه ومنذ عام 2013 ثبتت عشرات الحوادث التي استخدمَ فيها السلاح الكيميائي، وذكرت في تقريرها الصادر في شباط/ فبراير 2021 أنَّها وثقت 38 هجوماً كيميائياً في سوريا، وحمّلت مسؤولية 32 منها إلى النظام السوري، معتبرة إياها جرائم حرب.

الملف السوري نقطة فارقة في تاريخ “منظمة حظر الأسلحة الكيميائية”

شكل استخدام النظام السوري الأسلحة الكيميائية على هذا النحو تحدياً كبيراً للمجتمع الدولي، وكان ما تعرض له السوريون محفزاً لعدد كبير من دول العالم، لتوسيع عمل “منظمة حظر الأسلحة الكيميائية”، ليشمل إمكانية تحديد المسؤول عن استخدام الأسلحة الكيميائية، وهي الخطوة الأولى من نوعها منذ تأسيس المنظمة، كما أنها إنجاز قانوني وحقوقي مهم. ويعود الفضل الأكبر فيه للضحايا الذين قتلوا أو أصيبوا عندما استخدم النظام السوري الأسلحة الكيميائية ضدَّهم. وأدى توسع الولاية إلى إصدار تقريرين من فريق التحقيق وتحديد مسؤولية الهجمات التابع لمنظمة حظر الأسلحة الكيميائية، حددا مسؤولية النظام السوري عن أربع هجمات كيميائية. وإثرَ إصدار التقرير الثاني اعتمدت منظمة حظر الأسلحة الكيميائية في نيسان/ أبريل 2021 قراراً علّقت بموجبه بعض حقوق سوريا وامتيازاتها، كدولة عضو في المنظمة، وشدَّد التقرير على ضرورة محاسبة النظام السوري.

سجَّل التقرير ما لا يقل عن 222 هجوماً كيميائياً في سوريا وذلك منذ أول استخدام موثَّق في قاعدة بيانات “الشبكة السورية لحقوق الإنسان”، لأسلحة كيميائية في 23 كانون الأول/ ديسمبر 2012 حتى 30 تشرين الثاني/ 2021، نفّذت 217 منها قوات النظام السوري، فيما تولى “داعش” 5 عمليات.

الجدير بالذكر أن التقرير حمّل مسؤولية تحريك الأسلحة الكيميائية واستخدامها إلى بشار الأسد، باعتباره رأس النظام وقائد الجيش والقوات المسلحة ليؤكد التقرير أنه لا يمكن القيام بمهمات أقل من ذلك بكثير دون علمه وموافقته، باعتبار أن القانون الدولي الإنساني يأخذ في الاعتبار التسلسل الهرمي للقوات المسلحة، ويحمّل القادة المسؤولية الجنائية على المستوى الشخصي لا عن أفعال ارتكبها فقط، بل عن أفعال ارتكبها من هم تحت قيادته. كما لفت التقرير إلى أن قاعدة بيانات “الشبكة السورية لحقوق الإنسان” تضم بيانات لما لا يقل عن 387 شخصاً من ضباط الجيش البارزين وأجهزة الأمن والعاملين المدنيين والعسكريين في مراكز البحوث والدراسات العلمية، التي تخصصت في حينها بتوفير المواد الكيميائية وتجهيزها. كل هذا الموت صنع في مراكز الدراسات والبحوث العلمية حيث طُوِرت أسلحة كيميائية وصواريخ. هذه البيانات تثبت تورّط الأسد والقيادات العليا مباشرة في استخدام الأسلحة الكيميائية، فهل سيعاقبون لقتلهم آلاف الأبرياء؟

إقرأوا أيضاً:

عن “مصانع” الموت السوري

يعد “مركز الدراسات والبحوث العلمية في سوريا” أحد أهم أسرار النظام، ساعدت السنوات الأخيرة التي شهدت تقاعد كثيرين واستقالة آخرين من العاملين فيه من علماء وكيميائيين، على ظهور بعض المعلومات التي ما زالت أقل بكثير من الحقيقة الكاملة.

وفي حديث مع أبناء أحد العاملين هناك والذي فضل عدم ذكر اسمه أو عمل والده حفاظاً على سلامتهما، فإن سرية المركز تشمل حتى عائلات العاملين، فطوال سنوات عمل والده لم يعلم شيئاً عن طبيعة هذا العمل، لكن لاحقاً وحين بات يلتقي بأصدقاء والده، ومن خلال أحاديثهم تمكّن من تكوين فكرة بسيطة إلى حد ما عن طبيعة ذلك المكان السريّ.

ينقسم مركز البحوث العلمية إلى قسمين بحسب المصدر، الأول هو واجهة مدنية لا تثير الشكوك، أما القسم الآخر فهو ذو طبيعة سرية حيث تتم صناعة أسلحة محرمة دولياً وتطويرها ومنها السلاح الكيميائي. تجدر الإشارة إلى أن المعهد العالي للعلوم التطبيقية والتكنولوجيا هو الرافد الأساسي للكوادر البشرية لمركز البحوث، حيث يخضع الطلاب لتعليم عالي المستوى، حتى إن رسوب الطالب لمرة واحدة يعني نقله إلى كليات الهندسة في الجامعة الحكومية، بحسب اختصاصه، ما يعني فقدانه ميزات كثيرة متاحة لطلبة المعهد العالي وخريجيه. 

يمكن القول إن المركز في عهد الأسد الأب كان أكثر “انضباطاً”، إذ فرض حافظ “هيبة” من نوع خاص بحيث لم يكن مضطراً للتلويح باستخدام ما كان الجميع يعرف أنه أسلحة غير تقليدية، يعمل بصمت على تطويرها لتحرير الأرض المحتلة. إلا أن بشار يبدو كما لو أنه خرّب مشروع والده وتسبب في فوضى داخل المركز بحسب المصدر. بين عامي 1971 و1994 استلم إدارة المركز عالم الفيزياء النووية عبد الله واثق شهيد، وكان له دور كبير في تأسيس المركز وتطويره، وكان اتصاله مباشراً بالأسد الأب ولذلك كان تدخل الجيش والأمن في عمل المركز محدوداً. وبعد تقاعد واثق شهيد، تسلم إدارة المركز اللواء علي ملاحفجي، أحد أهم طياري سلاح الجو السوري. ويضيف المصدر أنه صار يسمع عن فوضى في المركز منذ ذلك الحين، إذ باتت معايير التعيين في المركز تُقاس “بالولاء والقرب من القيادة لا بحسب الكفاءة العلمية”. وبذلك، والكلام للمصدر، تفشت التدخلات الأمنية- العسكرية في المركز، وسيطرت بشكل شبه كامل على المنظومة العلمية، مستحوذة على جهد أرفع الكفاءات السورية التي عملت على تطوير أسلحة محرمة دولياً بغرض مواجه إسرائيل، كما كان يُقال في السر. ويسخر المصدر من “سذاجة” تلك الكفاءات، التي تجاهلت ما سينجم عن حكم الأسد، من مجازر وإبادات جماعية مستخدماً الأسلحة التي طورها مركز الأبحاث، وهي حقيقة يتوقّعها تلميذ في المرحلة الابتدائية، يعيش في سوريا أو يعرف بضع قصص عن فظاعة النظام.

ما زال النظام السوري يصنّع أسلحته الكيميائية على مرأى من العالم من دون اتخاذ أي خطوات جدية بهذا الخصوص، النظام الذي يستخدم المواد الأولية للأدوية في صنع سلاحه الفتاك، في مفارقة صادمة بين الدواء الشافي والسلاح القاتل. وسط نظام لا يتوانى عن قتل شعبه حتى بمواد الأدوية التي ترتفع أسعارها يوماً بعد يوم يتبادر إلى الذهن سؤال واحد: كيف يمكن إيقاف نظام الأسد؟… أكثر من استخدم السلاح الكيميائي في القرن الحالي.

إقرأوا أيضاً:

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
“درج”
بالمقارنة مع جرائم النظام الأخرى، قد يبدو تزوير شهادات جامعية مسألة بسيطة، لكنها ليست كذلك. لأنها تقتل مستقبل التعليم في سوريا، وتحيل أجيالاً إلى الاتكالية والفشل وتصنع نظاماً تعليمياً قائماً على التزوير والفساد.
Play Video
باستخدام أدوات تكنولوجية مختلفة، كالقصص التفاعلية وتقارير 360 درجة ومقاطع فيديو ورسوم متحركة، استطاعت منصة Tiny Hand تغطية المعاناة والأثر الذي تتركه الحرب على الأطفال وايصالهما الى العالم.

4:41

Play Video
الكاتبة في قضايا الجندر والجنسانية والناشطة اللبنانية غوى أبي حيدر والناشط السياسي الكويري ضومط قزي الدريبي ضيفا هذه الحلقة من بودكاست “نون” للحديث عن المثلية الجنسية وتصاعد الحملات المعادية لها في الآونة الاخيرة. المحزن ان ملاحقة العلم او الراية بات يشبه حملات مطاردة الساحرات في منطقتنا. تكثر الاخبار من حولنا عن سحب رواية، منع فيلم، مطاردة شعار، ومصادرة ألعاب أطفال لأنها تحمل ألوان قوس قزح، فضلا عن خطابات التحريض والكراهية والملاحقات القانونية والوصم الاجتماعي، وهو ما تكرر في أكثر من دولة بذرائع أخلاقية ودينية. غوى أبي حيدر وهي ناشطة وكاتبة في قضايا الجندر والجنسانية. كتبت سلسلة مقالات عن انتحار الناشطة المصرية سارة حجازي قبل عامين بعد ان سجنت بسبب رفعها علم قوس قزح/ شعار مجتمع الميم وتم اضطهادها ونفيها بسببه الى ان انتحرت. اما الناشط السياسي ضومط قزي الدريبي، فقد شارك في كثير من نشاطات الحراك الاعتراضي السياسي في لبنان في السنوات الاخيرة، لكنه واجه حملات ضده مستغلين هويته الجنسية.

51:48

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني