fbpx

قصة سوريالية من بغداد

مارس 12, 2018
تبدأ رواية فرانكشتاين في بغداد بتفجير في ساحة الطيران في وسط بغداد، غير أن الأهمية الكاملة لهذا الحدث لا تتضح إلا فيما بعد، عندما يروي تاجر المخدرات، هادي قصته إلى مجموعة من الصحافيين في أحد المقاهي. يغادر أحدهم، وهو صانع أفلام وثائقية ألماني، في منتصف الحكاية، ويضحك من قصة هادي لأنها تبدو زائفة ومشابهة لفيلم من بطولة روبرت دي نيرو. لكن يظل محمود السوادي، الصحفي في مجلة عراقية، ويستمع باهتمام، لأن ما يقوله هادي غريباً حقاً، حتى بالنسبة لبغداد: كيف التقط بعد الانفجار أنف شخصٍ ما من الشارع وخاطه على وجه جثة كان يُجمّعها في سقيفة منزله. ثمّ كيف، بينما كان نائماً، بدا أن الجثة نهضت وسارت مبتعدة...

تُصور رواية أحمد سعداوي الرائعة وحشاً تجمعت أشلاؤه من جثث قتلى الحرب الأهلية في العراق.
تبدأ رواية فرانكشتاين بتفجير في ساحة الطيران في وسط بغداد، غير أن الأهمية الكاملة لهذا الحدث لا تتضح إلا فيما بعد، عندما يروي تاجر المخدرات، هادي قصته إلى مجموعة من الصحافيين في أحد المقاهي. يغادر أحدهم، وهو صانع أفلام وثائقية ألماني، في منتصف الحكاية، ويضحك من قصة هادي لأنها تبدو زائفة ومشابهة لفيلم من بطولة روبرت دي نيرو. لكن يظل محمود السوادي، الصحفي في مجلة عراقية، ويستمع باهتمام، لأن ما يقوله هادي غريب حقاً، حتى بالنسبة لبغداد: كيف التقط بعد الانفجار أنف شخصٍ ما من الشارع وخاطه على وجه جثة كان يُجمّعها في سقيفة منزله. ثمّ كيف، بينما كان نائماً، بدا أن الجثة نهضت وسارت مبتعدة.
وعلى الرغم من أن هادي كذاب معروف، ويشرب حتى الثمالة، ولكن كما يكتشف محمود، كان تاجر المخدرات يقول الحقيقة هذه المرّة. تُشعل قصته الشرارة التي نجم عنها حبكة رواية أحمد سعداوي الرائعة والمروعة التي فازت بالجائزة الدولية للخيال العربي لعام 2014، وقد ظهرت مؤخراً في ترجمة إنجليزية شيقة ومؤثرة وساخرة بطريقة مُضحكة، نُشرت من قِبل دار “جوناثان رايت أند بنغوين” للكتب.
فقد تبين أن هادي قد خلق وحشاً. ولكنه لم يكن يقصد فعل ذلك. بعد مقتل صديقه المقرب، نعيم في انفجار سيارة مفخخة، ذهب هادي إلى المشرحة لأخذ جثة صديقه. وعندما وصل إلى هناك “شعر بالصدمة لرؤية جثث ضحايا الانفجار قد اختلطت معاً”. وأخبره عامل المشرحة “أن يجمع جثة معاً ويأخذها”، وقد فعل هادي ما قيل له، ولكن دفن مجموعة أشلاء متفرقة يبدو أمراً خاطئاً، لذا بدأ هادي في حياكة أجزاء الجثة معاً، وألتقط الأعضاء التي يجد أنها مفقودة من الشارع. تدور أحداث الرواية في بغداد عام 2005، حيث كان يوجد الكثير من أشلاء الجثث في كل مكان. كان هادي يأمل بعدما يشرح لمحمود أن يساعده في تسليم الجثة “إلى قسم الطب الشرعي، لأنها جثة كاملة… ولذلك لن تُعامل وكأنها قمامة، وستُحترم مثل غيرها من جثث القتلى، وتدفن بشكلٍ لائق”. ولكن هادي لم تُتَح له الفرصة، لأن في تلك الليلة التي خاط فيها الأنف، تهبط روح هائمة لضحية قنبلة أخرى في الجثة المُرقَّعة، على أمل أن يدفن الآن. ولكن بدلاً من ذلك، تدب الحياة في ذلك الجسد المركب.
وتتوالى الأحداث الغريبة في القصة. إذ تعتقد امرأة مسيحية مُسنة تدعى إلشيفا (إيليشيو)، خطأً أن الجثة المنبعثة هي ابنها دانيال المفقود منذ فترة طويلة، والذي قد جُنّد منذ 20 عاماً لمحاربة إيران ولم يعد إلى دياره أبداً. بعد ذلك، مدفوعاً بحب إلشيفا (إيليشيو) وحزنها، تقرر الجثة المجمعة من ضحايا الانفجار والتي أصبحت وحشاً يُدعى دانيال أن بغداد تحتاج إلى العدالة، لذا بدأ في قتل الأشخاص الذين قتلوا الأشخاص الذين جُمعت أجزاء جسده منهم. تخرج حملة الوحش سريعاً عن السيطرة، وسرعان ما نجده يقود ميليشيا خاصة، تقتل الأبرياء لحصاد المزيد من الأشلاء لتحل محل تلك التي تسقط من جسده المتعفن، ويُسجل مقابلة مع نفسه لمجلة محمود للمساعدة في تسويق صورته العامة.
معظم رواية السعداوي ليست حقاً عن الوحش، ولكن عن البغداديين في عام 2005، وتحديداً سكان المناطق المنكوبة، في حي مريب نوعاً ما يُدعى حي البتاويين، في الأشهر الأولى لما سيصبح حرباً أهلية طائفية وحشية. تميزت حياة شخصيات السعداوي بخسائر تعود إلى عقود، قبل غزو عام 2003، إلى وقت فرض الولايات المتحدة لعقوبات مشددة في التسعينيات، وحرب الخليج، والحرب بين العراق وإيران، والتي كان للولايات المتحدة أيضاً يداً فيها. يبدو أن شخصية إلشيفا (إيليشيو) منعزلة في حزنها بشكلٍ خاص: ليس فقط بسبب موت ابنها وزوجها، ولكن أيضاً بسبب هروب بناتها من البلاد، وتتمكن من التحدث معهم لبضع دقائق فقط كل أسبوع. وتُعد إحدى أكثر المقاطع المؤثرة في الكتاب، تلك التي توصف جهود إلشيفا (إيليشيو) للبقاء على اتصال معهم:
“اجتاح الموت المدينة مثل الطاعون، وأحس بنات إلشيفا (إيليشيو) بالحاجة إلى التحقق كل أسبوع من أن المرأة العجوز بخير. في البداية، وبعد مرور بضعة أشهر صعبة، تحدثن على هاتف الأقمار الصناعية الثريا التي منحته جمعية خيرية يابانية لكنيسة مارعوديشو وراعيها الأب الآثوري الشاب يوشيّا. وعندما أدخلت الشبكات اللاسلكية، اشترى الأب جوسيا هاتفاً خليوياً، وتحدثت إلشيفا (إيليشيو) مع بناتها من خلاله. إذ يقف أعضاء الأبراشية في طابور بعد القداس لسماع أصوات أبنائهم وبناتهم المنتشرين في جميع أنحاء العالم”.
اعتادت إلشيفا (إيليشيو) إطعام قطتها بين المكالمات الهاتفية، ونفض الأتربة عن الأنتيكات الصغيرة التي تحتشد في بيتها، وتتحدث مع لوحة للقديس جورج، منتظرة ابنها دانيال أن يعود. عندما يعيد الظهور مرة أخرى، حتى لو كان هذا الأمل في شكل جثة مجمعة بشكل فوضوي، لا يسع لإلشيفا (إيليشيو) إلا التشبث بهذا الأمل الذي يقدمه.
مثل رواية “Catch-22” و “Slaughterhouse-Five”، تمثل رواية فرانكشتاين في بغداد الحياة الطبيعية غير معقولة للحرب في صورة كوميديا سوداء. قد يعيشون في مدينة محتلة مسكونة بوحش انتقامي وعلى حافة الحرب الأهلية، ولكن إلشيفا (إيليشيو) وهادي ومحمود وجميع البغداديين الآخرين في الرواية مشغولون بحياتهم المهنية اليومية. بالإضافة إلى أنه تعين عليها الذهاب إلى الكنيسة لإجراء مكالمات هاتفية، كان يتوجب على إلشيفا (إيليشيو)، أن تقي نفسها من فرج الذي كان يعمل مطوراً عقارياً ويطمع في شراء منزلها الكبير، والتعامل مع ردود أفعال عائلتها وجيرانها المشوشة بسبب حديثها الدائم عن عودة دانيال.
انتاب هادي شعوراً بالقلق من الوحش المتجول، لكن كان عليه أيضاً الحفاظ على متطلباته من جعة “هينيكن”، مما جعله يُسرع للحصول على النقود، بما في ذلك محاولة إقناع رجل عجوز في حي الكرادة الشهير في بغداد للسماح له ببيع أثاثه.
وكان على الصحافي محمود أن يُسرع أيضاً، خصوصاً عندما قرر رئيس التحرير السعيدي أن يجعله مسؤولاً عن المجلة بأكملها، ثم يبدأ في الاختفاء الغامض إلى بيروت لفترات أطول وأطول. يحسد محمود السعيدي على سفره للخارج، واحساسه بالثقة، وصديقته صانعة الأفلام الفاتنة، الذي ربما تكون حبيبته أو ربما بينهما تعاوناً فنياً، أو ربما تبتزه.
مع سير الرواية، يجد محمود نفسه مثل السعيدي أكثر وأكثر، يفشل في لعبة الطموح المحفوفة بالمخاطر بشكل متزايد، ويفقد إحساسه بالنفس وبالنزاهة على طول الطريق. على سبيل المثال، يتابع محمود قصة هادي عن الوحش، لكنه ينتهي استخدامه للإثارة بسبب حث السعيدي له، يخون الحقيقة المُظلمة ويحولها إلى كذبة ساطعة.
على الرغم من أن كلمة الوحش استعارة قوية، ولكن السبب الحقيقي لنجاح الرواية هو كتابة السعداوي بمزيج نادر من الكرم والقسوة والكوميديا السوداء. إذ يتمتع بعين صحفية ثاقبة للتفاصيل وسخرية رسام الكاريكاتير اللاذعة (وقد عمل كلا العملين من قبل). ما يتذكره القارئ بعد ذلك ليست العناصر الرائعة في القصة، بل الكفاح اليومي للبغداديين. في الواقع، فإن الشيء الأكثر سريالية في الرواية هو بغداد نفسها: إذ تبدو هزلية بائسة مثل مدينة من الخيال العلمي أكثر من كونها مكان حقيقي يعيش الناس فيه فعلاً.
كنت انتظر قراءة رواية فرانكشتاين في بغداد منذ عام 2014، عندما سمعت لأول مرة اسم السعداوي. كنت قد ذهبت إلى بغداد لكتابة قصة لمجلة “رولينج ستون” عن إرث الاحتلال الأمريكي، وأجريت مقابلات مع العديد من الكُتاب، وكان جميعهم فخورون بنجاح السعداوي. (في ذلك الوقت كان السعداوي في مصر ليستلم الجائزة العالمية للرواية العربية). ومع ذلك، فإن ما صدمني أكثر في ذلك الوقت هو كيف كانت عزلة الفنانون والكتاب في بغداد: مثل شخصية إلشيفا (إيليشيو) من رواية السعداوي، كانوا يعيشون بعيداً عن الاتصالات العالمية التي من شأنها أن تساعدهم على الازدهار، وينتظرون ببأس عودة شيء طال بعاده من زمن بعيد. بغداد مدينة صاخبة ومعقدة، وغنية بالتراث وفخورة بمجتمعها الأدبي، وينبغي أن تكون مركزاً ثقافياً عالمياً؛ بدلاً من ذلك، فقد استُنفِدَت نتيجة لعقود من التدخل الأجنبي والقتل الوحشي، ومعظمها نتيجة للسياسة الأمريكية.
وربما يؤدي نشر الترجمة الإنجليزية لرواية فرانكشتاين في بغداد، بالإضافة لكتب أخرى من قبل الكُتاب العراقيين، إلى أن يبدأ القراء الأميركيون في التعلم من الكُتاب العراقيين حول البلاد التي كانت الولايات المتحدة متشابكة معها لأكثر من ثلاثة عقود، ذلك البلد الذي قصفته وغزته واحتلته ونزفت وماتت من أجله الولايات المتحدة، لكنها لم تولي له أي اهتمام إلا بالكاد.
شهد العام الماضي إصدار رواية بعنوان “قربان بغداد المقدس” للشاعر والروائي والأكاديمي العراقي، سنان أنطون، ورواية “حدائق الرئيس” للكاتب محسن الرملي، والمجموعة الشهيرة من قصص الخيال العلمي “العراق + 100″، للكاتب حسن بلاسم. وسيصدر المزيد هذا العام مثل، رواية “مرّبي النحل” للشاعرة دنيا ميخائيل، ورواية “ساعة بغداد” للروائية شهد الراوي، و”فتيان البطيخ” للكاتبة رقية عز الدين، ومختارات “بغداد نوير” لكاتب صموئيل شمعون.
للأسف، لم يتوقف العنف. وقبل أسبوع من إصدار رواية فرانكشتاين في بغداد في الولايات المتحدة، فجر انتحاريان نفسيهما في ساحة الطيران في بغداد، مما أسفر عن مصرع 38 شخصاً وإصابة أكثر من مائة آخرين.
بالعودة لرواية السعداوي، نجد أنها كتاب مليء بالأمل، إذ أن الأحداث التي تصفها، بما في ذلك تدافع جسر الأئمة المروع الذي قُتل فيه حوالي ألف شخص، كل ذلك حدث قبل تفجير مسجد العسكري في شهر فبراير / شباط عام 2006، ذلك الحدث الذي يُعتبر بشكل عام البداية الحقيقية للحرب الطائفية الشاملة التي من شأنها أن تطهر عرقياً أحياء العراق المختلطة على مدى العامين القادمين وتدفع بالملايين من اللاجئين، معظمهم من السنة، إلى الصحراء.
تدور أحداث الرواية في السنوات الهادئة التي أعقبت نهاية الاحتلال الأمريكي، وتحدث قبل ظهور تنظيم الدولة الإسلامية وقبل الحرب الأهلية السورية وقبل ترامب. تحكي قصة وحش خُلِق من الانتقام والحزن، ولكن الشيء الأكثر روعة في الرواية قد يكون أن كل شيء ينتهي في سلام.

بقلم روي سكرانتون: مؤلف “تعلم الموت في العصر الأنثروبوسيني” ورواية “إباحية الحرب”.
هذا الموضوع تم اعداده وترجمته عن موقع New Republic لمراجعة المقال الاصلي زوروا الرابط التالي.

[video_player link=””][/video_player]

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
حازم الأمين – صحافي وكاتب لبناني
حزب الله سيواصل ادعاءه بأنه بريء من هذه السلطة، وهذا لن يفيد، ذاك أنه أقدم على نحو سافر ومن دون أي قناع على قتل المبادرة الفرنسية أمام أنظار كل اللبنانيين.
لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني