fbpx

مصر: مسار تقويض مؤسّسات المجتمع المدني مستمر… فما السبب؟

في 29 كانون الأول/ ديسمبر عام 2011، اقتحمت قوّات الأمن المصرية مقار 17 منظمة غير حكومية مصرية وأجنبية داعمة لحقوق الإنسان والتحوّل الديمقراطي. تلك الهجمة استمرّت حتى يومنا هذا تحت مسمّى القضية 173، فما هي دوافعها؟

في 29 كانون الأول/ ديسمبر عام 2011، اقتحمت قوّات الأمن المصرية مقار 17 منظّمة غير حكومية مصرية وأجنبية داعمة لحقوق الإنسان والتحوّل الديمقراطي، كان أبرزها مقار المنظمات الأميركية، المعهد الجمهوري الدولي والمعهد الوطني الديمقراطي و”فريدوم هاوس”، وكذلك مقر مؤسسة “كونراد أديناور” التابعة للحزب الديمقراطي المسيحي بزعامة المستشارة أنغيلا ميركل. تلك الهجمة استمرّت حتى يومنا هذا تحت مسمّى القضية 173، فما هي دوافعها؟

المجتمع المدني في سنوات ما قبل الثورة

عُرفت فترة حكم حسني مبارك وبخاصة خلال العقد الأخير منه بفترة العداء بين الدولة والمجتمع المدني، فتعرّضت الكثير من الجمعيات الأهلية لمضايقات أمنية وتشريعية، فتمّ إصدار قانون رقم 84 لسنة 2002، الذي قيّد من عمل الجمعيات وأعطى الدولة مساحة كبيرة للتدخّل في شؤونها أو إغلاقها، إلى جانب التضييق على قدرتها على الحصول على تمويلات خارجية، حيث نصّت المادة 17 من القانون على عدم جواز تلقّي أي أموال من الخارج، إلا بموافقة وزير الشؤون الاجتماعية، كما حظّر عليها العمل السياسي أو النقابي.

وكردّ فعل على تلك الإجراءات، اتّجهت معظم الجمعيات إلى العمل كشركات مدنية غير هادفة للربح، لتجنّب الوقوع تحت طائلة وزارة الشؤون الاجتماعية تجنّباً للإجراءات التعسّفية والسلطوية من قبل الحكومة. كما واجهت جمعيات أخرى تعنّتاً ومماطلة في الرد وإعطاء التصاريح من قبل الجهات الحكومية، مع تركهم للعمل تحت أعينهم من دون ترخيص، حتى يكونوا طوال الوقت تحت سلطتهم وبطشهم الأمني.

يقول أحمد سميح، المدير السابق لمركز الأندلس للتسامح ودراسات مكافحة العنف، “إن ذلك القانون قيّد العمل الأهلي تماماً فاتّجهنا إلى تأسيس شركة مدنية غير هادفة للربح، لأن القانون كان يضعنا تحت تصرّفهم التام، فإمّا الرفض بإعطاء الترخيص أساساً أو رفض تلقّي أي دعم أو تمويل أو التدخّل في أنشطة المركز، ولم يكن للوزارة أي دور سوى تلقّي الأوراق، أما كل التعامل والموافقة كان من اختصاص جهات أمنية بحتة تتلقّى الأوراق والطلبات وتتحكّم في العمل وفق ما تراه”.

تُضيف الدكتورة ماجدة عدلي، مؤسّسة مركز النديم لتأهيل ضحايا العنف والتعذيب، أن المركز تأسّس عام 1993 كشركة مدنية لا تهدف إلى الربح، وتمّ تأسيس عيادة لتأهيل وعلاج ضحايا العنف والتعذيب من خلالها، وتم أخذ التراخيص اللازمة من وزارة الصحة ونقابة الأطباء، ولكن، “فوجئنا عام 2004 بلجنة ادّعت أنها من إدارة التراخيص الطبّية، وقامت بتفتيش كل ركن بالعيادة واستولت على بعض الأوراق وملفّات المرضى وقامت بتصوير المكتبات، وهو سلوك أمني بامتياز، وهو ما صار عادة الدولة تجاه الجمعيات الأهلية التي تمارس دوراً حقوقياً”.

وعلى رغم تلك الظروف والمضايقات استطاعت الجمعيات الأهلية لعب دور كبير في مصر في زيادة الوعي الحقوقي والسياسي ودعم المجتمع المدني السياسي والنقابي والعمل على زيادة المشاركة الشعبية في الشأن السياسي وزيادة الوعي بأهمية التحول الديموقراطي والقضايا الحقوقية ودعم الفئات المستضعفة وفضح الكثير من الممارسات والانتهاكات الحقوقية من قبل النظام، وبخاصة قضايا التعذيب داخل المقار الأمنية وكذلك القضايا الاقتصادية والاجتماعية، وهو ما كان له دور عقب ثورة يناير، وهو ما كان أحد أسباب اشتداد الحرب عليها.

إقرأ أيضاً: ليس مجتمعاً مدنياً وليست دولاً حديثة

القضية 173 … حرب ما بعد الثورة

قبيل اقتحام مقار المنظمات، كان رئيس الوزراء الأسبق عصام شرف قد كلّف لجنة تقصّي حقائق عن تمويل الجمعيات والمنظمات الأجنبية في مصر، قيل إنه على خلفيّة تصريح لسفيرة واشنطن في القاهرة آنذاك، آن باترسون، بأن بلادها قدّمت 40 مليون دولار لدعم الديمقراطية في مصر بعد الثورة، خلال جلسة في مجلس الشيوخ الأميركي.

تلك اللجنة التي أحالت تقريرها إلى المحكمة في شباط/ فبراير من عام 2012 بعد مداهمة مقار المنظمات، متّهمةً 43 شخصاً من جنسيات مختلفة بتهم تأسيس وإدارة فروع لمنظمات دولية من دون ترخيص من الحكومة المصرية وقبول تمويل أجنبي، ممّا يُخل بالسيادة المصرية، وعُرفت القضية بقضية رقم 173 لسنة 2011، والتي تم تقسيمها إلى قسمين:

الأوّل يخصّ المنظمات الأجنبية، وهو ما أصدر القضاء بشأنه حكماً في حزيران/ يونيو 2013 بمعاقبة المتّهمين الأجانب – الذين غادر معظمهم البلاد قبل ذلك – بالحبس لفترات تتراوح بين سنة مع إيقاف التنفيذ و5 سنوات، وحلّ فروع منظمات المعهد الجمهوري الديمقراطي، والمعهد الديمقراطي الوطني، ومؤسّسة فريدوم هاوس، والمركز الدولي للصحفيين، ومركز كونراد أديناور، وذلك قبل أن تلغي محكمة النقض هذا الحكم في نيسان/ أبريل الماضي.

بينما استمر القسم الثاني الخاص بالمنظمات المصرية في إطار التحقيق حتى الآن، وهو ما صدر بشأنه قرار في آذار/ مارس 2016 بحظر النشر في أي وسيلة عدا البيانات التي تصدرها هيئة التحقيق.

في إطار تلك التحقيقات، تم منع عدد كبير من النشطاء والعاملين في المجتمع المدني من السفر مثل إسراء عبد الفتاح ومحمد زارع مدير مركز القاهرة لدراسات حقوق الإنسان، وتجميد أرصدة البعض الآخر مثل جمال عيد مدير الشبكة العربية لمعلومات حقوق الإنسان، وأحمد سميح مدير مركز الأندلس، إلى جانب إغلاق بعض الجمعيات الأهلية مثل مركز النديم، وشن حملات تشويه بحق الفاعلين في المجتمع المدني من قبل مؤسسات إعلامية تتبع الأجهزة الأمنية.

توضح الدكتورة ماجدة عدلي، إحدى المتّهمات في القضية، بأنه “في شباط/فبراير 2016 حضرت لجنة من الحي لإغلاق العيادة بالشمع الأحمر بعد انتهاء مواعيد العمل ومن دون إنذار مسبق ولا طبيب من إدارة التراخيص في وزارة الصحة، وبالمصادفة قابلها محامي المركز وطلب منها عدم التشميع لحين الاتّصال بوزارة الصحة. وفي شباط 2017 حضرت قوّة كبيرة من الشرطة وموظفون من الحي وطبيب من وزارة الصحة يوم الإجازة الأسبوعية، وقاموا بتشميع ثلاث شقق، على رغم أن قرار التشميع خاص بشقة واحدة، بدعوى أن العيادة تجاوزت حدود النشاط المرخّصة له وتعمل في حقوق الإنسان وتنشر تقارير على صفحة في “فيسبوك.”

وفي أيار/ مايو 2015 صدّق رئيس الجمهورية على قانون الجمعيات الأهلية الذي أثار جدلاً كبيراً داخلياً وخارجياً بسبب بنوده التي تصادر العمل الأهلي وتضعه تحت القبضة الأمنية بشكل كامل لناحية التمويل والأنشطة والبرامج، كما حصرت دور الجمعيات وأنشطتها في ما تراه الدولة أولويّاتها وحظّرت عليها العمل في أي نشاط يمسّ عمل النقابات أو الأحزاب أو أي نشاط سياسي، وهو ما تصفه الدكتورة ماجدة بأنه تقنين لمصادرة المجتمع المدني بشكل كامل وحصر دوره في خطة الدولة ورؤيتها، والتحكّم في الجمعيات عبر لجان تضمّ عدداً من الأجهزة الأمنية.

خفايا الحرب

خلف كل تلك الوقائع، تبقى الأسباب الحقيقية لحرب الدولة العميقة في مصر على منظمات المجتمع المدني والجمعيات الأهلية والإصرار التام على السيطرة عليها ولعل أبرز تلك الأسباب هي:

أوّلاً، الخوف من نشاط الجمعيات الأهلية وتكرار دورها في سنوات ما قبل الثورة من مساعدة الأحزاب السياسية والنشطاء والنقابات في تنظيم عملهم وتكوين رقم حقيقي في المعادلة السياسية، إلى جانب العمل داخل المناطق الفقيرة والمهمّشة وزيادة الوعي لدى سكّانها بحقوقهم السياسية والاقتصادية والاجتماعية، وهو الوعي الذي يخلق أسباب المطالبة بتلك الحقوق من الدولة.

عن هذا تقول الدكتورة عدلي أن النظام الحالي يضيق بأي كلمة انتقاد ويقضي بالتبعيّة على أي هامش للتعبير عن الرأي. فمع الحملة ضد منظمات حقوق الإنسان حوصرت الصحافة الورقية والإلكترونية وأغلقت عشرات المواقع الإخبارية وسجن الشباب الفاعلون في ثورة يناير، كما سُجن صحافيون ومصوّرون، وقبض على شباب تضامنوا مع مجتمع الميم وعلى شباب الأولتراس وآخرين بسبب نشر آرائهم على مواقع التواصل الاجتماعي.

السبب الثاني هو التقارير الحقوقية التي تصدرها المراكز والجمعيات عن الانتهاكات الحقوقية التي تنتهجها الدولة بحق المواطنين، وبخاصة تلك التي تركّز على انتهاكات الشرطة والتعذيب والقتل والإهمال الطبي داخل السجون وأقسام الشرطة ومراكز الأمن الوطني، تلك التقارير التي طالما كانت محل انتقاد دولي للأنظمة السابقة والنظام الحالي.

أما السبب الثالث فهو رغبة النظام في الحصول على التمويلات الخارجية التي تذهب إلى تلك المراكز والجمعيات، فتلك الأموال فتحت شهيّة كثيرين من رجال النظام لإنشاء جمعيات أهلية ومؤسّسات مجتمع مدني للحصول على جزء منها. وعلى رغم حصول الدولة، والمؤسّسة العسكرية خصوصاً، على تمويل ومعونات اقتصادية وعسكرية وتنموية، إلا أنها تصف من يقوم بذلك من الجمعيات الأهلية التي تنتقد النظام بأنها عميلة ومموّلة لإسقاط الدولة والتآمر عليها…

إقرأ أيضاًفي ذكرى ثورتي تونس و مصر: انتصارات الربيع العربي تبدو أكثر هشاشة من أي وقتٍ مضى

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
مبادرة الإصلاح العربي
يمرّ قطاع الرعاية الصحّيّة في لبنان حالياً بمرحلة صعبة للغاية، تحت وطأة أزمة كورونا من جهة، وفي ظلّ عجزٍ عن التنبّؤ بالظروف الماليّة والنقديّة للبنان من جهة أخرى.

3:36

3:36

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني