“جيش الأضحكني” في العراق:
قهر القهر بـ”إيموجي” الضحك

تتلخص هذه "الرياكشن" الضاحكة في أنها "محاولات لإعادة إنتاج الواقع في صورةٍ وقالبٍ هزليّين، بغية تحويل عجز الذات وانكسارها الى مصدر مقاومة، لا بالجهر والعلن..."

“إيموجي” الضحك. وظيفتها بحسب من اخترعها، هي التعبير عن الضحك. لكن ليس في العراق. هنا باتت هذه الإيموجي بمثابة سلاح يستخدمه “جيش” متشكّل عفوياً في مواجهة جيوش القمع والتفاهة والتعصب. 

ظاهرةُ “جيشُ الأضحكني”، تكشف المرارة الخفية وراء إيموجي الضحك، التي تختزن حزناً وخيبة كبيرين لدى من يستخدمها من الشباب العراقيين، كنوع من الاعتراض على ضياع أحلامهم ومستقبلهم. هم مجرّدون من أي سلاح، سوى سلاح الضحك عبر العالم الافتراضي، يعلنون عن اعتراضهم ورفضهم عبر ضغطهم على زناد “الاضحكني”.

هكذا بدأت القصة، بسخريةٍ رمزيةٍ “ايموجية” من منشوراتِ السياسيين العراقيين على موقع “فايسبوك”، حتى أصبحت عالماً كبيراً من الهتافِ الصامت الذي يحمل آلاف الناقمين، الذين يهجمون بضحكاتهم على السياسيين، مهما كانوا جادين ومتحمسين ومحمّلين بالوعود الفارغة. بكبسة زر يتحول هذا الوجه الضاحك إلى ما يشبه حفلة رفضٍ جماعية لمواقف يستسهل السياسيون العراقيون إطلاقها عبر منصاتهم الافتراضية، فتأتي الضحكات من “جيش الأضحكني” لتكذّب وعود السياسيين وخطاباتهم الفارغة وتفضحها… 

حائطُ صدٍ منيع

هم مجموعة من الشباب غير المنظمين، لكن موجات الضحك أطّرتهم في “جيش إلكتروني”، ترسانته الوحيدة هي إيموجي الضحك: “نحنُ عُزّل من السلاح، ولا نملك غير السلمية للدفاع عن مطالبنا الإصلاحية، وما يصدرُ منا كردِ فعلٍ احتجاجيّ صامت بهيئةِ هجمات وحفلات رياكشن جماعية يقودها جيش (الاضحكني)، هو بمثابة تسجيل اعتراض على حملات التحريض والكراهية التي تشنها جيوش الكترونية تابعة للأحزاب والميليشيات الطائفية”، يقول عمران البياتي (25 سنة) وهو أحد جنود جيش “الأضحكني”: “جيوشنا صارت تُشكل هماً وتجعل المُحرض يُعيد النظر مراتٍ ومرات بما ينشره ويبثهُ من سموم تلافياً لصواريخ ايموجي هذا الجيش الافتراضيّ المُنظم”.

عمران كان ناشطاً على السوشيل ميديا ويشارك مع محيطه هجمات إلكترونية، “كنا نهجم معاً ونكون حائط صدّ لبعضنا بعضاً على المنشورات أو الفيديوات التي نجد محتواها هابطاً ومُسيئاً ومحرضاً على العراق والعراقيين، غير أن ما حدث بعد تشرين هو أننا وجدنا أنفسنا أكثر انغماساً في المعركة، وكأننا تحولنا إلى مقاتلين برتب وأكثر وعياً بحقوقنا المسلوبة وأحلامنا المهدورة، لذلك أردنا توثيق فعلنا الاحتجاجيّ السلمي تحت لواء جيش الاضحكنيّ، ونحن فخورون بأننا فضحنا الكثير من الساسة والمتسلقين وأذناب الزعامات والمتملقين لهم ولجمناهم، ونشوة الانتصار نلمسها كثيراً ودائماً حين تتجاوز التفاعلات الساخرة نقيضها الجاد والمؤيد”.

“هل هذا كلّ ما أنجزتموه؟!”

انضمّت ميّار الفضلي (21 سنة) وهي طالبة في كلية الآداب- اللغة الفرنسية، إلى هذا الجيش مع صديقاتها المقرّبات: “دعمنا الفكرة بقوة وتحمسنا لها وكنا فاعلات جداً بأي هجمةٍ يتم تحديدها من قبل الاصدقاء الذين يطالبوننا بالدعم”. تتحدث الفضلي لـ”درج” عن تجربتها أيام “العسكرية في جيش الأضحكني”، كما تسميها، بشيء من النقد الذاتي: “لاحظنا في الفترةِ الاخيرة كثرة التركيز على الرياكشن، إذ حوّلنا إلى كائنات افتراضية، واختصر فعلنا الاحتجاجي الواقعي بصفحات السوشيل ميديا وكأننا صرنا نموراً من ورق. ما زلت أتذكر ما أسمعني اياه احد المُخالفين لتوجهاتنا وبعد مشادة على صفحات فايسبوك حين قال: جيش الاضحكني… هذا كل ما

أنجزتموه؟!”. 

تدوير الكراهية الإلكترونية

يرى التربوي علي فارس (30 سنة) أن الثقافة السائدة في مواقع السوشيل ميديا العراقية باتت بمثابة مصنع لتدوير الكراهية، ولا يمكنها أن تصنع رمزاً مثالياً أو جمالياً من دون تشويه. وهي غير صالحة تماماً، بحسب فارس، لتسيّد الاحتجاجات، والسبب في ذلك “الجو الافتراضي مُشيطن ولم تعد هنالك فسحة لطرحِ ثقافة الرفض من دون معاداة وكراهية، ولا السماح للمختلف بالنزول إلى ساحات فايسبوك من دون تخوين”. بالنسبة إلى فارس، الرابح الوحيد من كل ذلك هم الساسة.

محمد المحمداوي (31 سنة) وهو شاب يعمل في منتدى الشباب والرياضة ومتابع لمثل هذه الحملات الإلكترونية، يرى أن “سلاح الأضحكني” مجدٍ في كثير من الأحيان: “ما زلتُ اتذكر كيف أجبرنا بهتافنا الالكتروني ورشقات (الاضحكني)… الفنان حسام الرسام على التراجع حين غنى لاحدِ السياسيين العراقيين وروّج له انتخابياً، من دون أي اعتباراتٍ لما عاناه الشعب من الساسة، لقد حولنا صفحة الرسام إلى حفلةِ سخريةٍ كبيرة وأحرجناه أمام نفسه وجمهوره العربي، إذ أحاطته جيوش الأضحكني العراقية من كلِ جانب. تلك الظاهرة سجلت رفضاً احتجاجياً رائعاً يحدث للمرة الأولى بهذا الإصرار والتصميم والتكاتف، ما اضطر الفنان إلى إشهار ندمه أمام جماهيره على ما فعله”. كما يعطي المحمداوي مثالاً آخر عن الدور الذي لعبته جيوش “الأضحكني” و”الأغضبني”(نسبة إلى إيموجي الغضب) في الوقوف في وجه الحملة المتشددة الرافضة مهرجان بابل الغنائي: “هو تعبير رافض ومجدٍ ضد محاولات فرض أوضاع بقوة الأمر الواقع”.

تقرأ المختصة بالإرشاد النفسي نادية العزاوي أبعاداً كامنة وراء ظاهرة “الأضحكني”، فهي عبارة عن “ردّ فعل من الأنفس الجريحة تجاه محاولات كمّ أفواهها”، وترى فيها العزاوي سبيلاً للتنفيس السياسي والإجتماعي، خصوصاً أنها ظهرت بعد احتجاجات تشرين الأول/ أكتوبر 2019: “الرمزية الساخرة هي في الحقيقة سلاح الإنسان المُحاصر من جلاديه ولا يجد تنفيساً أو سلاحاً ذاتياً للدفاع عن ذاتهِ وروحه المهترئة لذلك يلجأ إلى طريقة التعبير الساخرة لمواجهة أي طغيان وقهر، وكلما ارتفعت مستويات الأحلام المقتولة زادت حدة السخرية التي يستخدمها أصحاب هذه الأحلام لمواجهة الواقع”. 

تتلخص هذه “الرياكشن” الضاحكة في أنها، بحسب العزاوي، “محاولات لإعادة إنتاج الواقع في صورةٍ وقالبٍ هزليّين، بغية تحويل عجز الذات وانكسارها الى مصدر مقاومة، لا بالجهر والعلن، إنما بما يخفي المعنى المباشر من إشارات وإيحاءات افتراضية كإيموجي الضحك، خصوصاً أنها سهلة الانتشار ويحبها الجيل الحاليّ لكونها تخلق بداخله شحنة إيجابية ونشوة انتصار حتى لو كان افتراضياً”. 

تقتبس العزاوي من الفيلسوف الفرنسيّ هنري برجسون قوله: “لا مضحك إلاّ ما هو إنساني، والتعبيرات الساخرة هي محاولة قهر القهر”.

إقرأوا أيضاً:

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
خولة بو كريم – صحافية تونسية
“حرية الصحافة مهددة، بخاصة أننا نعيش في حالة طوارئ، وزير الداخلية بإمكانه منع المنشورات عن الصدور وحتى منعنا من العمل بموجب قانون الطوارئ”.
Play Video
“العازة والفقر بيعملو هيك…”، بينما تُعتبر تجارة الكبتاغون أكثر القطاعات ربحية في سوريا، ازدهرت هذه التجارة في لبنان بعد تفاقم الأزمة الاقتصادية. تحقيق للقناة الرابعة البريطانية يكشف الخبايا.

2:03

Play Video
“كل ما أريده هو العودة إلى بلدي”… بعدما لم يعد البقاء في لبنان المنكوب خياراً بالنسبة للعاملات الأجنبيات، افترش بعضهن الأرض تحت مقرّ القنصلية الكينية مطالبةً بتسهيل أمورهن لمغادرة البلاد

2:45

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني