عرقية وعنصرية… الكوميديا إذ تتحوّل
إلى نكات عنيفة ضد النساء والمثليين والسود

تصنف الإنتاجات الساخرة على موضوعات الجندر ضمن إطار الكوميديا الخطرة، كونها تتناول موضوعات محرمة في كثير من المجتمعات، ما يشكل خطراً على ممارسيها، مثل موضوعات المثلية في العالم العربي أو أفريقيا، أو التطرق إلى المثلية في البلدان المتدينة.

يتابع المخرج الأميركي لاري تشارلز في سلسلته الوثائقية محاولة البحث والتعريف بأنواع الكوميديا الخطرة، بوصفها مهنة تثير الخوف في مجتمعات ترفض السخرية والكوميديا وسط أنظمة متشددة أو استبدادية. هذه أيضاً المهنة التي تتطرق إلى موضوعات حساسة أو محاطة بالصمت وندرة النقاش، أو هي موضوعات لا يسمح وفق العادات والقيم بوضعها في إطار فكاهي ساخر. 

في الأجزاء الأولى التي تناولناها كانت كوميديا الحرب والجنود الناجين من الموت والمصابين من الحروب القاسية. في الرحلة الثانية سيصنف لاري تشارلز موضوعتين إنسانيتين في إطار الكوميديا الخطرة: العرق، والجندر. 

هل تمكن السخرية والضحك من التمييز العنصري؟ 

كيف يسخر الأفارقة الأميركيون من أحوالهم، في ظل صعوبات العيش تحت العنصرية والفقر الاقتصادي؟ يحرك هذا السؤال المهم الباحث عن كوميديا في مواقع مركبة، فمثلاً نلتقي الكوميدية الأميركية من أصل أفريقي إم سي بات، التي عانت من المحيط الثقافي الذي نشأت فيه، والأفكار النمطية عن الرجل والمرأة. عاشت أم سي بات، سنوات من العنف المنزلي، تقول: “اذا لم يضربك الرجل فهذا يعني أنه لا يحبك. كنت أضرب وأقول آه أنا محبوبة، ثم أطلق طلقة على رأسي. وبعد الفراق أصبحت بلا عمل، لم تتوافر الفرص إلا في بيع المخدرات أو بيع الجسد” وهي تروي النكات عن العنف الذي تعرضت له (أطلق أحدهم النار على حلمتي اليمنى). تضحك لتضيف: “إذا استطعت السخرية على ألمك، بإمكانك متابعة الحياة”.

ليست الكوميديا أداة نقدية فقط، فهي تستعمل لتكريس الثقافة السائدة أو لبث أي أفكار يؤمن بها منتج المادة الكوميدية. أسلوب بونغ في تصوير الفيديوات الكوميدية يبدو قاسياً، فهو يتقصد الظهور بمظهر مرعب، مقلق بالنسبة إلى الثقافة البيضاء، يتلبس حال الخارج عن القانون ويصور فيديوات هجومية على البيض، ويلعب على انطباع الخوف والرهبة في نفوسهم، وهو يهاجم المحلات والمطاعم عارياً. يعتقد بونغ أنه يريد مواجهة الثقافة المتسلطة البيضاء بالمثل، ويعتبر فيديواته كوميديا ضد الكوميديا.

بالمقابل، لدينا كوميديو التفوق العرقي الأبيض أمثال باكيد ألاسكا ووييف، والذين يجمعون مشاهدات ومتابعين كثر (مليون أحياناً)، يقدمون أغاني في تمجيد حمل السلاح، وفي محبة رجال الشرطة، ويؤدون النكات التي تنشط أفكار التفوق العرقي، ويعتبرون الرئيس الأميركي السابق دونالد ترامب ملهماً لهم. في اللقاء معه يتهجم باكيد ألاسكا على مقدم البرنامج لاري تشارلز باعتباره يهودياً. النقد الأساسي والفعال بالنسبة إليه يجب أن يتوجه إلى المتحكمين بالخطاب الإعلامي، العنصري المؤمن بالتفوق الأبيض يقول: “الميديا هي الأقوى في البلاد. لا يضيرك أن تكون يهودياً، فالإعلام والبنوك يتم التحكم بها بشكل كامل من قبلكم. كل المؤسسات الإعلامية مملوكة من اليهود”.

ضحك السكان الأصليين

هناك نوع آخر من الكوميديا يرتبط بقضايا السكان الأصليين لأميركا، وقد بدأت تظهر مبادرات قادرة على السخرية من أوضاع التهميش التي يعانون منها. الكوميدي (تريغور نويه) يسخر على نشأته في الأحياء الفقيرة، ويصنع النكات على التهجم المستمر للشرطة والعنف الممارس في مناطقهم والتي تعتبر بحكم الخارجة عن القانون، يقول: “كان والداي يفتخران بأنهما ملاحقين وخارجين عن القانون”. أما الستاند أب كوميدي تيتو نيارا فيشكل أسلوبه السردي واللغوي بتبني طريقة تفكير، وطريقة نطق، وطريقة تصرف، عائدة إلى أولئك المنتمين إلى تفوق العرق الأبيض، يحلل السردية اللغوية والقيمية من خلال تلبسها حدود المبالغة.

أما الثلاثي النسائي “أدريان ألغون” فهن أيضاً ينحدرن من الفئات المهمشة للسكان الأصليين، يركزن على موضوع التمييز ضد المرأة ضمن هذه الفئة. أما الأخير جوهان ميراندي، فيقف بهيئة تجمع بين المأساة والسخرية، ويصر على تصوير المشاهد الخاصة به عند الحدود المكسيكية الأميركية عند جدار ترامب تماماً، ما يجمع بين الضحك والمأساة.

الكوميديا الخطرة في موضوعات الجندر والجنسانية

تصنف الإنتاجات الساخرة على موضوعات الجندر ضمن إطار الكوميديا الخطرة، كونها تتناول موضوعات محرمة في كثير من المجتمعات، ما يشكل خطراً على ممارسيها، مثل موضوعات المثلية في العالم العربي أو أفريقيا، أو التطرق إلى المثلية في البلدان المتدينة. لكن كوميديا الجندر أيضاً لا تجد حرجاً أو مانعاً من تقديم النكات على الاغتصاب مثلاً، سواء اغتصاب المرأة أو اغتصاب الرجل المثلي. 

يعتبر المخرج أن ممارسة مهنة المؤدية الكوميدية خطرة على المرأة في السعودية، ويقدم لنا نماذج من كوميديات جديدات يستعرضن الصعوبات التي تواجههن. مثلما هي حال هاتون القاضي، وهي كوميدية سعودية تقدم سكيتشات على الإنترنت وتلقى إقبالاً واسعاً، وعلى رغم حجابها، إلا أنها تنوع من أنماط الأزياء في الشخصيات التي تقدمها، تسخر من عاطفية النساء، وحقوقهن المغيبة، مثل الحرمان من حق قيادة السيارة سابقاً: “السائق هو أهم شخص في حياة المرأة السعودية. فينصب كل اهتمامها طيلة النهار لترضي مزاجيته لأنها تحت رحمته”، ونتابع مع هاتون القاضي، “سكيتش” تسعى فيه امرأة سعودية إلى تحسين مزاج السائق. أما إيمي روكو فهي منقبة بالكامل، وهي تسخر من الصورة النمطية الإرهابية للمنقبة في المخيلة الجمعية، تركض خلف رجل في ممر أحد الفنادق فيما تصدر أصوات الترهيب، فيركض الرجل في الممرات مذعوراً.

إقرأوا أيضاً:

نكات الاغتصاب تحقق الأرباح

تسمح الكوميديا بتناول المحظور وكسر التابوهات، إلا أنها تكرس ممارسات وسلوكيات قائمة في المجتمع، وتأخذ مساحتها من فقرات الستاند كوميدي في نيجيريا مثلاً، فالمختصون في العروض الكوميدية النيجيرية يؤكدون أن الفقرات والنكات الخاصة بالاغتصاب جزء من آلة الإضحاك، وإمتاع الجمهور، وبالتالي كسب الأموال. ويتشارك العالم العربي ونيجيريا نكتة عن عصابة مسلحة من الرجال خطفت حافلة نساء، وحين صعد الرجال إلى داخلها أعلموا الراكبات بأنهن سيتعرضن للاغتصاب جميعاً، فاعترضت إحدى الفتيات خشيةً على العجائز منهن: “لكن حرام العجائز في الخلف، اتركوهن”، وتتابع النكتة بأن إحدى العجائز قفزت بحماسة من مؤخرة الحالة، وهي تصيح: “قال كلن يعني كلن”، بما يعني أنها ترغب بأن تُغتصب. 

وتنتج السينما النيجيرية أفلاماً كثيرة تتناول موضوعة الاغتصاب، مثل: “وأخيراً، تزوجت المرأة التي اغتصبتها”، “الاغتصاب كهدية عرس”، “اغتصبني ومن ثم أحببته”، كل هذه عناوين أفلام سينمائية، ذلك ما يدفع الباحث للقول بأن الاغتصاب تجارة رابحة في عروض الكوميديا النيجيرية كما في أماكن العالم كافة. أما القس أوكي ماكاسي الذي يحقق نجاحاً استثنائياً في استجلاب الجمهور إلى محاضراته، وبرامجه التلفزيونية، فإنه يعتبر أن أحداً لم يسلب المرأة قوتها: “الأمومة هي ميزة المرأة وقوتها، والاغتصاب يمنحها إمكانية أن تصبح أماً، لا ننسى أن المغتصب، مهما يكن، هو تربية امرأة”.

بين الشخصية الكوميدية والميل الجنسي 

هذه النماذج نتابعها في الوثائقي مع جمهور كبير في الصالة، ومع إمكانية معاينة ردود الأفعال. وتعتبر الكوميدية المرأة هيلين بول تانتو أن السبب “هو غياب المرأة الممثلة والمؤدية، غياب المرأة الفنانة عبر التاريخ. أنا لست امرأة أو رجلاً أنا مؤدية”. إنها ترفع من شأن المهنة بأعلى من هويتها الجنسية، وهذا النوع من التأليف الفني الساخر سيشكل التوازن المطلوب في الحضور بين النساء والرجال في عالم صناعة الكوميديا. لكن نكات الاغتصاب، لا تقتصر على المرأة، فهناك “سكيتشات” عن اغتصاب رجال مثليين، يسخر خلالها المؤدي الكوميدي من أجسادهم، ويقفز عليهم في السرير. 

يقدم أوغوس بابا مشهداً مضحكاً يتضمن اغتصاب رجل مثلي بخيارة أو جزرة كبيرة: “البعصة جزء من الكوميديا وهي حاضرة بشدة”. ويتابع: “سأقتل ابني إن اكتشفت أنه مثلي. وإلا لم يكن الممثل الهوليودي كيفن سبيسي أخفى مثليته وأقام علاقة مع امرأة”. لكن بالمقابل، هناك حالات نادرة تعي ضرورة الانفتاح على الهويات الجنسية العابرة، إلا أن القيود الصارمة والقاسية تمنع تطورها كما يجب. لقد ابتكر الكوميدي نودو، راديو هوست، شخصية الأخت نيكيشي المتحولة جنسياً، يقول: “لا نريد أن نخسر مهنتنا لأجل قضية، المؤدون الذين يقتربون من أداء شخصيات مثلية يتعرضون للإساءات، وهي مخاطرة يمكن أن تمنع عروضه تماماً في حال الإيحاء بالمثلية”. أما النجمان شاري بوي الحاصل على “آيدول نيجيريا 2012” وهو من طبقة ميسورة ووالده قاضي، وديندلي آيدون وهو من طبقة فقيرة وهو الآن يعيل عائلته، فهما يلعبان في تلك المساحة بين الشخصية المبتكرة التخيلية وبين رغباتهما كمؤديين بميول مثلية أو كويرية، ومن طريق النكتة تفتح حوارات ممنوعة ويتم التخفيف من حدة التابو على الجمهور. وهذا يوضح أنه مهما كانت الأنظمة قمعية واستبدادية فقد استمرت الكوميديا عبر التاريخ، وإن كانت تكرس السلوكيات التمييزية والإجرامية أحياناً، إلا أنها تضمن استمرارية النقد من أجل حيوية المجتمع، في حال توافقنا مع تلك الموضوعات أو اختلفنا معها، فالدفاع في النهاية يتمحور حول استمرارية الكوميديا مع رحلة الحضارة الإنسانية.

إقرأوا أيضاً:

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
خولة بو كريم – صحافية تونسية
“حرية الصحافة مهددة، بخاصة أننا نعيش في حالة طوارئ، وزير الداخلية بإمكانه منع المنشورات عن الصدور وحتى منعنا من العمل بموجب قانون الطوارئ”.
Play Video
“العازة والفقر بيعملو هيك…”، بينما تُعتبر تجارة الكبتاغون أكثر القطاعات ربحية في سوريا، ازدهرت هذه التجارة في لبنان بعد تفاقم الأزمة الاقتصادية. تحقيق للقناة الرابعة البريطانية يكشف الخبايا.

2:03

Play Video
“كل ما أريده هو العودة إلى بلدي”… بعدما لم يعد البقاء في لبنان المنكوب خياراً بالنسبة للعاملات الأجنبيات، افترش بعضهن الأرض تحت مقرّ القنصلية الكينية مطالبةً بتسهيل أمورهن لمغادرة البلاد

2:45

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني