المرأة في عالم التعليق الرياضي:
لغة كارهة للنساء وتحرش واستخفاف

ازدادت شعبية كرة القدم في صفوف النساء بشكل كبير في السنوات الأخيرة، ولعبت وسائل التواصل دوراً كبيراً في ربط جمهور الكرة بعضه ببعض، فزاد التفاعل على الصفحات الرياضية، وكثرت النقاشات والتحليلات الكروية، فهل أتاحت الثورة التكنولوجية الفرصة للفتيات من محبات الكرة أو العاملات فيها، للخوض في النقاشات بدون التعرض لمضايقات؟ 

على امتداد العقود الماضية، استخدم معلّقو مباريات كرة القدم والرياضة عموماً، إضافة إلى المحللين والصحافيين والمراقبين، الكثير من المصطلحات والعبارات النمطية والتمييزية ضد النساء، خلال تعليقهم على المباريات وتحليلها، لتصبح اللغة المعادية للمرأة مع الوقت جزءاً من الوعي الجماعي للجمهور، وباتت تستخدم في المقالات والتحليلات الرياضية من دون أي محاولة لوقفها أو تعديلها، بل نادراً ما يتم تسليط الضوء على الإيحاءات الجنسية التي قد تحملها على نحو يضع النساء في خانة الموروث التقليدي الذي يقلل من شأنهن ويحاصرهن بمواقف أخلاقية. 

على سبيل المثال، يكرر معلّقون عبر الشاشات في العالم العربي والغربي، تشبيه الهجوم وتسجيل الأهداف بالعملية الجنسية، فالمهاجم الذي يسجّل أكبر عدد من الأهداف في المباراة هو عريس المباراة بنظرهم، وكأنه في “ليلة دخلة”، يدكّ حصون الخصم بالتسديدات والأهداف، فيما يذود حارس المرمى عن شباكه وكأنه يدافع عن “شرفه” أو “عرضه”. 

عام 2015 حمل مقال في إحدى الجرائد اللبنانية عنوان: “أفضل عشرة حراس حافظوا على عذرية شباكهم في البريميير ليغ”، فيما استخدم موقع “روسيا اليوم” عبارة “حارس مرمى يجهش بالبكاء بعد حفاظه على عذرية شباكه” في إحدى مواده المنشورة. من خلال استخدام محرك البحث، نلاحظ أن عبارة “عذرية شباكه” باتت تستخدم بشكل كبير في المواقع والصفحات الرياضية العربية، كما أن المعلقين يستخدمونها بكثرة خلال تعليقهم على المباريات. المصطلح وغيره من المصطلحات الذكورية تمر مرور الكرام، من دون التنبه إلى إساءتها للمرأة، بما تحمله من تذكير بمفهوم “الشرف” البالي والذي تسقط ضحيته كثيرات. 

الناشطة والصحافية الرياضية أيميلي ماكيم، المعروفة بمواقفها المدافعة عن النساء العاملات في مجال الرياضة، انتقدت في أحد مقالاتها، انتقاص الإعلام من أهمية مشاركة المرأة في الرياضة، معدّدة بعض الأمثلة، كعدم استخدام معيار موحد لتحديد جنس المسابقات، فيُقال مثلًا “كأس العالم” أي كأس العالم للرجال، بينما يتم تحديد الجنس في حال مسابقة النساء، فيقال “كأس العالم للسيدات”، وكأن النساء هنّ مجرد شيء آخر بحسب ماكيم. كما أشارت كاتبة المقال، إلى أن المعلّقين على المسابقات الرياضية النسائية، لا يستخدمون كلمة نساء، بل فتيات أو سيدات، الأولى تشير إلى عدم النضج، فيما الثانية تعني العجز أو النقص في  القدرات الرياضية. تختم ماكيم بالقول إن اللغة النمطية المستخدمة ضد النساء في الرياضة لا تزال تشكّل حاجزاً كبيراً أمامهن، والمطلوب أن يتم أخذهن على محمل الجد، وفهم أن الأمر لا يتعلّق بلباسهن أو مكياجهن، بل بإنجازاتهن الرياضية. 

في آذار/ مارس الماضي، أطلقت قناة Canal+ الفرنسية، فيلم “أنا لست عاهرة أنا صحافية”، الذي يعرض شهادات ومقابلات أجرتها الصحافية الرياضية ماري بوتولانو، وهي ناجية من التحرّش الجنسي، مع زميلات لها في المجال الرياضي، تعرّضن للإساءات الجنسية اللفظية والجسدية، وتم الحطّ من قدرتهن كونهن نساء يعملن في الصحافة الرياضية. وقد طاولت الاتهامات بشكل خاص المعلّق الرياضي المعروف بيير مينيه، الذي استخدم باستمرار لغة ذكورية خلال عمله، كما أنه حاول في إحدى المرات رفع تنورة بوتولانو بحسب قولها. بعد أيام من نشر الفيلم، أعلنت شركة EA SPORT للألعاب الالكترونية، فسخ تعاقدها مع مينيه الذي عمل معلّقاً هناك منذ عام 2016.

 التعليقات الذكورية واللغة النمطية المعادية للمرأة تنسحب أيضاً على مدرجات كرة القدم، حيث يعدّ شتم والدة اللاعب الخصم أو شقيقته، جزءاً أساسياً من تشجيع الفريق. تردد الجماهير بصوت واضح الأهازيج التي تحتوي لغة ذكورية بدون أي تدقيق بمعانيها، بالنسبة إليهم فإنها طريقة مناسبة لتشجيع الفريق وتثبيط عزيمة الخصم، ناهيك بالتحرّش اللفظي والجسدي الذي تتعرض له اللواتي يقصدن المدرجات لمشاهدة المباريات، ما يدفع كثيرات إلى العزوف عن الأمر. 

ازدادت شعبية كرة القدم في صفوف النساء بشكل كبير في السنوات الأخيرة، ولعبت وسائل التواصل دوراً كبيراً في ربط جمهور الكرة بعضه ببعض، فزاد التفاعل على الصفحات الرياضية، وكثرت النقاشات والتحليلات الكروية، فهل أتاحت الثورة التكنولوجية الفرصة للفتيات من محبات الكرة أو العاملات فيها، للخوض في النقاشات بدون التعرض لمضايقات؟ 

في مقابلة تلفزيونية مع “سكاي سبورتس”، كشفت لاعبة فريق “ليفربول” سو سميث وحارسة مرمى “كريستال بالاس” كلوي مورغان، عن المضايقات التي تعرضتا لها من قبل متحرشين ومتصيدين عبر الإنترنت. 

تقول سو في المقابلة: “لا مانع لدي أن يكون النقاش حول كرة القدم، لكن عندما تبدأ التعليقات حول مظهرك وجسدك، مرفقة بعبارة (ارجعي إلى المطبخ) فهذا غير مقبول. ما زلنا نتلقى هذه الإساءات عندما نتحدث عن كرة القدم”.

إقرأوا أيضاً:

بينما تقول مورغان عن المضايقات الإلكترونية التي تتعرض لها: “تُشعرك بالضعف والعجز، وبأنك لا تستطيع قول شيء للمهاجمين، لكن الحل هو تشجيع المزيد من الناس للرفضها علناً. على المنظمات أن تتخذ موقفاً واضحاً، سيكون هذا مفتاح الحل”.

حلا الخطيب، التي تعمل في إدارة شبكات التواصل  في موقع  Kooora.com واسع الانتشار، تلفت عبر “درج” إلى المواقف الكثيرة التي تتعرض لها على “السوشال ميديا”. تتابع حلا كرة القدم بشغف، تشجع فريق “ريال مدريد” وتنتظر أخباره، لكن قسماً كبيراً من المتابعين لم يصدق في البداية أنها ملمّة إلى هذا الحد بكرة القدم، ما يعكس مرّة أخرى الصورة النمطية عن المرأة في العالم العربي، فهي لا تتابع كرة القدم إلا من باب مجاراة الموضة. يحاول المتابعون إحراج حلا من خلال سؤالها عن بعض قوانين كرة القدم كالتسلل، وتفاجئهم دائماً بالإجابة الصحيحة. تقدمت حلا للعمل في واحد من أهم المواقع الرياضية في العالم العربي، وتنافست مع عدد كبير من الذكور ونجحت برغم ذلك في الحصول على الوظيفة.

 تفوّقت حلا على الرجال في ملعبهم، خضعت لاختبارات أكثر من غيرها لأنها فتاة، ولأن الأحكام المسبقة تقلّل من قدراتها في النجاح في هذا النوع من العمل، لكنها أثبتت سوء هذه الأحكام وعدم صحتها. تتفادى حلا اليوم استخدام اسمها في الأعمال المنشورة، والتعليق من حسابها الخاص، تجنباً للتعليقات الذكورية. 

الصحافية المهتمة بشؤون كرة القدم هيفا داوود تشير إلى تجنبها وضع تعليقات على الصفحات الكروية للأسباب نفسها، وتذكر في هذا المجال تعليقاً كتبته في السابق على موقع “كورة.كوم”، لقي عشرات الردود ممن يعرفون مجازاً باسم ” شرطة المطبخ”، كانت جميعها تطلب منها ترك ما لا يعنيها والعودة إلى المطبخ حيث مكانها الطبيعي بنظرهم، في تنميط ذكوري واضح بات واسع الانتشار. وتروي هيفا لـ”درج” عن الرسائل الكثيرة التي  تتلقاها عبر صندوق الرسائل الإلكتروني (إنبوكس) والتي لا تخلو من اللغة البذيئة والتحرّش، فور كتابتها تعليقاً على إحدى الصفحات الرياضية، “الفتيات المهتمات بكرة القدم، لا يشعرن بالأمان الكافي في التعليق والتفاعل”، تقول هيفا.  

إقرأوا أيضاً:

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
كارمن كريم – صحفية سورية
يبدو أن الدول التي دعمت المعارضة بشكل صريح وجدت نفسها أمام حقيقة لم تحسب لها حساب: بقي الأسد في الحكم، وبعد 11 عاماً، لا بدّ من مراجعة الكثير من الحسابات على الساحة السياسية ووضع الجانب الإنساني للأزمة السورية جانباً.
Play Video
“فلقة” جديدة يتلقّاها أطفال سوريين في بلدة غزة البقاعية في لبنان. نشر الصحافي هادي الأمين فيديو يُظهر تعنيف شاويش لأطفال سوريين لأنهم “يقصّرون في عملهم”. وفي كل مخيم للاجئين في لبنان، يتعيّن شاويش سوري ليكون بمثابة مسؤول عن هؤلاء الأطفال. في وقتٍ يتعرض فيه هؤلاء الأطفال لانتهاكات عدة من تسرب تعليمي وعمالة مبكرة و تعنيف لفظي وجسدي، يأتي هذا الفيديو ليؤكّد ذلك. حيث ترتفع وتيرة خطاب رسمي وإعلامي تمييزي تجاه السوريين في لبنان الذين تتراكم حولهم معلومات مغلوطة. فيما هناك حوالى 30 ألف طفل لاجئ يعمل في مهن قاسية الأطفال اللاجئين الذين أقحموا في سوق العمل خصوصاً الزراعة. وبعد انتشار الفيديو ألقت القوى الأمنية، بإشارة من مدعي عام البقاع القاضي منيف بركات، القبض على الشاويش وأحالته إلى القضاء المختص.

1:23

Play Video
يرصد هذا التحقيق أبرز التعقيدات التي ترافق دفن اللاجئين السوريين في دول الجوار، بدايةً من تعثّر الحصول على قبر لاستقبال الرفات، مروراً باستحالة إعادة الرفات إلى سوريا، وليس نهايةً بظروف الدفن غير الطبيعية، في غياب أفراد من الأسرة أو بعيداً منهم، أو في مقابر “طوارئ” مشيّدة على وجه الأرض، أو في مقابر على سفوح الجبال أو ضمن أراضٍ طينية.

1:56

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني