إبادة الأيزديين وسبي نسائهم متواصلان إلى اليوم

ثمة وجه للإبادة ما زال يشتغل إلى اليوم، فمصير أكثر من ألف أيزدية تم سبيهم ما زال مجهولاً، بعدما عادت نحو ثلاثة آلاف ممن تعرضن إلى السبي إلى عائلاتهن، ومعظمهن غادرن الجبل وهاجرن إلى بلاد بعيدة.

 نعم، ما حصل للأيزديين في سنجار هو عملية إبادة جماعية، ومناسبة هذا التأكيد هو حكم صدر عن محكمة ألمانية بحق أحد عناصر تنظيم “داعش”، وفي حيثيات الحكم ذكر القاضي أن ما تعرض له الأيزديون في شمال العراق هو عملية إبادة جماعية موصوفة. 

للتوقف عند هذا التصنيف للمجزرة في أهمية تتعلق بنا نحن أهل الضحايا وأهل الجناة! ذاك أن ما حصل في سنجار في آب/ أغسطس 2014 لا يقتصر بالنسبة إلينا على ما تضمنه قرار القاضي الألماني، فالضحية واحدة والجناة كثيرون. الأيزديون وحدهم من قتلوا في ذلك اليوم الحالك، لكن القتلة متنوعون، على رغم أن “داعش” يتصدرهم. والأخطر أن القتل أتى كامتداد “ثقافي” لعلاقة أكثريات بأقلية تعيش في ذلك الجبل منذ قرون طويلة. نعم القتل مثل ثقافة، لجهة العلاقة العنيفة المديدة بين المرتكب وضحيته، و”داعش” كان آخر تجليات هذه العلاقة، وآخر فصولها.

لا إحصاء دقيقاً لعدد الضحايا. الرجال في جبل سنجار قُتلوا. كل الرجال! والنساء والأطفال تعرضوا للسبي. كل النساء والأطفال. لهذا اعتبر القاضي الألماني أن ما حصل هو إبادة جماعية، لكن ما لم يتضمنه حكم القاضي من وقائع أفظع من ذلك الذي اعتمد عليه في اعتباره المجزرة إبادة. وإذا كان الحكم مناسبة للتذكر والاستعادة بعد سبع سنوات من المأساة، فهي مناسبة أيضاً لكي نكرر أن ما حصل للأيزديين تم تجاوزه “ثقافياً”، وكأننا لم نقتلهم، والأسوأ أننا تعاملنا مع “اجتثاثهم” بوصفه أمراً واقعاً ويمكن التعايش معه والبناء على نتائجه. لقد قتلناهم وكان ما كان، ولا داعي للمراجعة والاعتراف وتحمل المسؤولية!

“داعش” نفذ، والبيشمركة الكردية انسحبت، والحكومة العراقية خذلت! يجب أن نذهب خطوة أبعد في الاعتراف. “داعش” نفذت بمساعدة العشائر العربية السنية التي تقيم بجوار الأيزديين في جبل سنجار، وقوات البيشمركة الكردية انسحبت إلى مناطق مجاورة لحماية الأكراد غير الأيزديين، والحكومة العراقية (الشيعية) لم تشعر بأن الأيزديين مواطنون يستحقون نجدة أو إنقاذاً. لهذه الأسباب كان سهلاً على المسخ أن يبتلع أيزديي الجبل وأن يسبي نساءهم وأطفالهم.

لكن الأفظع من ذلك، هو أن أهل الجبل، أو ما تبقى منهم في سنجار، يعيشون هذه الحقيقة إلى اليوم. يدركون أن أحداً لن ينجدهم إذا ما تكرر انقضاض المسخ على بلادهم، وهو بحسبهم سيتكرر، وتجاربهم مع أعراب المنطقة ومع أكرادها قبل الإبادة وبعدها تؤكد ذلك. “القاعدة” قبل “داعش” كانت لهم بالمرصاد، وكان اصطيادهم فعل يومي ينفذه التنظيم. فالعيش في ظل قناعة كاملة بأن ما حصل سيتكرر حول الحياة في سنجار إلى كابوس، والمحاسبة إذ اقتصرت على نصر عسكري ملتبس على “داعش” كرست قناعة أهل الجبل بأن أسباب الإبادة ما زالت تغذي عقول الجوار وأكثرياته ووجدناتهم، والحياة اليوم هناك أشبه بانتظارات يمارسها الأيزديون، بعضهم ينتظر فرصة الهجرة وبعضهم ينتظر عودة ابنته من السبي، وبعضهم ينتظر الالتحاق بـ”حزب العمال الكردستاني” في تركيا، ذاك أن الأخير هو وحده من تولى الدفاع عنهم أثناء محنتهم في العام 2014.

إنما ثمة وجه للإبادة ما زال يشتغل إلى اليوم، فمصير أكثر من ألف أيزدية تم سبيهم ما زال مجهولاً، بعدما عادت نحو ثلاثة آلاف ممن تعرضن إلى السبي إلى عائلاتهن، ومعظمهن غادرن الجبل وهاجرن إلى بلاد بعيدة. 

الأيزديات مجهولات المصير، يقمن في مخيمات النزوح في سوريا، خصوصاً في مخيم الهول. كثيرات بقين هناك بسبب خوفهن من أن يطالب أهل عناصر “داعش” ممن اغتصبوهن بالأطفال، وهو ما يتيحه لهم قانون الإفتاء العراقي، وبعضهن لا يردن العودة بعد “غسل عقولهن” وصرن “أخوات مسلمات”… وللإبادة وجوه كثيرة ما زالت ترفد الوجدان الأيزدي المستباح.  

إقرأوا أيضاً:

    

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
“درج”
بالمقارنة مع جرائم النظام الأخرى، قد يبدو تزوير شهادات جامعية مسألة بسيطة، لكنها ليست كذلك. لأنها تقتل مستقبل التعليم في سوريا، وتحيل أجيالاً إلى الاتكالية والفشل وتصنع نظاماً تعليمياً قائماً على التزوير والفساد.
Play Video
باستخدام أدوات تكنولوجية مختلفة، كالقصص التفاعلية وتقارير 360 درجة ومقاطع فيديو ورسوم متحركة، استطاعت منصة Tiny Hand تغطية المعاناة والأثر الذي تتركه الحرب على الأطفال وايصالهما الى العالم.

4:41

Play Video
الكاتبة في قضايا الجندر والجنسانية والناشطة اللبنانية غوى أبي حيدر والناشط السياسي الكويري ضومط قزي الدريبي ضيفا هذه الحلقة من بودكاست “نون” للحديث عن المثلية الجنسية وتصاعد الحملات المعادية لها في الآونة الاخيرة. المحزن ان ملاحقة العلم او الراية بات يشبه حملات مطاردة الساحرات في منطقتنا. تكثر الاخبار من حولنا عن سحب رواية، منع فيلم، مطاردة شعار، ومصادرة ألعاب أطفال لأنها تحمل ألوان قوس قزح، فضلا عن خطابات التحريض والكراهية والملاحقات القانونية والوصم الاجتماعي، وهو ما تكرر في أكثر من دولة بذرائع أخلاقية ودينية. غوى أبي حيدر وهي ناشطة وكاتبة في قضايا الجندر والجنسانية. كتبت سلسلة مقالات عن انتحار الناشطة المصرية سارة حجازي قبل عامين بعد ان سجنت بسبب رفعها علم قوس قزح/ شعار مجتمع الميم وتم اضطهادها ونفيها بسببه الى ان انتحرت. اما الناشط السياسي ضومط قزي الدريبي، فقد شارك في كثير من نشاطات الحراك الاعتراضي السياسي في لبنان في السنوات الاخيرة، لكنه واجه حملات ضده مستغلين هويته الجنسية.

51:48

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني