أبو تريكة… في ملعب الأبوية والتحريض ضد المثلية

لا نعلم أي إنسانية يحاول أبو تريكة حمايتها، وهو يعيش الآن خارج حدود بلاده ويعاني انتهاكاً ضارياً بعدما واجه الإقصاء والتحريض، فلماذا لا يشعر بمن تم اعتقالهم في مصر من المثليين جنسياً وتعرضوا للتعذيب والتهجير؟

ظهر لاعب الكرة المصري محمد أبو تريكة في الاستديو التحليلي لشبكة قنوات “بي أن سبورت” وكأنه ضيف على قناة “الرحمة” الدينية، لم ينقصه سوى أن يتخلى عن بذلته الأنيقة ويرتدي العباءة البيضاء للواعظ المفوه، يحذر الأسر المصرية من “وباء” المثلية الجنسية، وخطرها على أبنائهم باعتبارها “لا تتوافق مع تعاليم السلام والطبيعة البشرية وليست حقاً من حقوق الإنسان وضد الإنسانية”.

بدا أبو تريكة و كأنه يؤدي أحد أهم أهدافه، لا أمام الجماهير الكروية وحسب، بل أمام ابنته التي تشاهد الحلقة داخل البيت، فبحسب أبو تريكة، ابنته سألته عن معنى الخطوط الملونة التي يرتديها لاعبو الدوري الإنكليزي كأساور في أيديهم قاصداً رمز قوس القزح، شعار المثليين وعلم حملات التضامن معهم. 

السؤال صدم أبو تريكة! وبدلاً من أن يكتفي ببث مواقفه الغاضبة داخل البيت، قرر تقريع الجميع بمانيفيستو علني، ليكسب شوطاً في فرض عقليته على ابنته ويغازل العقلية التقليدية الكاسحة داخل العالم العربي، فتمنحه تصفيقاً خاصاً له، لم يسمعه منذ فترة داخل الملاعب.

انفعال أبو تريكة في الهجوم على المثليين مركَب، يبدأ من ارتباكه كأب من أن تسأل “بنت” من نسله عن رمزية المثلية الجنسية بهذا الفضول، فالعقلية الأبوية ترتعد دائماً من الفضول تجاه “المحظورات”، وترتعد أكثر من فضول الفتيات، وبدلاً من أن يمنح أبو تريكة نفسه فرصة للإحماء قبل إطلاق الإجابات، تعثر بارتباكه فوراً، وسارع إلى التخويف والتهويل والتذكير بعقاب الله و”تدنيس الإنسانية”، ليغلق باب النقاش بحسم.

 بالطبع وجد اللاعب المحافظ المتدين نفسه أمام سؤال لا يُحسد عليه  لكنه بالطبع لن يُسكت فضول الابنة إلى الأبد، وبطلبه مساندة الجميع في الهجوم على المثليين في العالم، اختار أضعف وسيلة لتعزيز  إجابته على سؤال ابنته، تماماً كمن يمرر الكرة للاعبين آخرين بعدما تأكد أنه غير قادر على تسديد الهدف الحاسم.

للمرة الأولى يكشف أبو تريكة عن وجهه كأب، ولسوء الحظ أن هذا الوجه كشف أيضاً أحد وجوه أبوته، وسطوته على عقل ابنته بـ”تكنيكات” رجال الدين بلا أي اجتهاد عقلي، أب بدائي غارق في قمقم من يعتقدون أن إجابات التحذير والتخدير تُشبع عقول هذا الجيل، أو أن الحشد في تأييد رأيه قد يعني كسب المعركة ضد “المحرمات” التي تدخل بيوت “المسلمين”.

وفي سبيل هذا، تجاوز أبو تريكة بثقة بالغة الحواجز، بدءاً من سياسات القناة الرياضية التي حوّل إحدى فقراتها الكروية فجأة إلى فقرة دينية تبث مواقف متشددة وتحرّض ضد مجموعة تتعرض للاضطهاد والملاحقة، مروراً بتجاوز حدود الرأي الشخصي وتحويله إلى حملة للمقاطعة، وانتهاءً بالمزايدة على أصحاب الدوري الإنكليزي أنفسهم داخل أراضيهم، تجاوزات وراء أخرى، لم يُلاحق مقدم البرنامج على استيعابها أو إيقافها فامتلك أبو تريكة الهواء وحده بلا أي عوائق. 

عانى أبو تريكة نفسه من آفة امتلاك الهواء والهجوم على المغايرين، بعدما أزاح نظام السيسي الإخوان المسلمين عن السلطة، واتهم إعلامه أبو تريكة بالانتماء للجماعة، وإثر ذلك تم التحفظ على أمواله ووضعه على قوائم الإرهاب وتم إقصاؤه، بل اقتلاعه من جذوره.

الصادم أن أبو تريكة يستخدم السلطة الإقصائية والترهيبية ذاتها، بأن يحشد ضد المثليين كما حشد إعلام السيسي ضده، والأغرب خلق عدو “جندري” واختصامه في فضاء كروي خارج حدود العالم العربي وثقافته وقيوده. نفهم على مضض معنى أن تحدث خصومة سياسية بين أطراف متنافسة على السلطة، يقع ضحيتها أحد المنتمين لطرف سياسي، لكن لماذا يكون لاعب كرة قدم عدواً ومحرضاً علنياً ضد المثليين أصلاً؟  الأمر يشبه بالضبط من اختار لعب كرة القدم مع لاعب باليه على المسرح.

اختار أبو تريكة بإرادته الوقوف على المسرح ليعلن عداواته وتحريضه دون جزع، وكأنه واثق من أن مؤيديه سيكونون أكثر من معارضيه، فالآذان العربية الخائفة عادة ما تصغي لأصوات التحذيرات أكثر من صوت العقل والعلم والتعايش، والقلة القليلة التي تؤمن بالحقوق المدنية للجميع وحق المغايرين في العيش بسلام، تبقى على رغم مثابرتها أصواتاً ضائعة وسط الهياج العام بالآراء التحريضية بمزاعم الدين والإنسانية.

لا نعلم أي إنسانية يحاول أبو تريكة حمايتها، وهو يعيش الآن خارج حدود بلاده ويعاني انتهاكاً ضارياً بعدما واجه الإقصاء والتحريض، فلماذا لا يشعر بمن تم اعتقالهم في مصر من المثليين جنسياً وتعرضوا للتعذيب والتهجير، كما تم انتحارهم أحياناً، كما حدث مع سارة حجازي؟

يأسف أبو تريكة بالطبع لضياع حقوقه المدنية كمواطن مصري في بلاده، لكنه لا يأسف على  تحريضه على مواطنين آخرين لإعادة إنتاج مأساته بسلب حقوقهم المدنية لأنهم مختلفون.

ما يثير الذعر حقاً أن شخصية عامة مثل أبو تريكة لن تُحاسب على ما تقوله، ولن تراجع نفسها، يكفي “إيمانه” بأنه الحَكم الآن ويمتلك الكروت الحمر يرفعها متى شاء ليقصي الآخرين من الملاعب. 

إقرأوا أيضاً:

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
كارمن كريم – صحفية سورية
يبدو أن الدول التي دعمت المعارضة بشكل صريح وجدت نفسها أمام حقيقة لم تحسب لها حساب: بقي الأسد في الحكم، وبعد 11 عاماً، لا بدّ من مراجعة الكثير من الحسابات على الساحة السياسية ووضع الجانب الإنساني للأزمة السورية جانباً.
Play Video
“فلقة” جديدة يتلقّاها أطفال سوريين في بلدة غزة البقاعية في لبنان. نشر الصحافي هادي الأمين فيديو يُظهر تعنيف شاويش لأطفال سوريين لأنهم “يقصّرون في عملهم”. وفي كل مخيم للاجئين في لبنان، يتعيّن شاويش سوري ليكون بمثابة مسؤول عن هؤلاء الأطفال. في وقتٍ يتعرض فيه هؤلاء الأطفال لانتهاكات عدة من تسرب تعليمي وعمالة مبكرة و تعنيف لفظي وجسدي، يأتي هذا الفيديو ليؤكّد ذلك. حيث ترتفع وتيرة خطاب رسمي وإعلامي تمييزي تجاه السوريين في لبنان الذين تتراكم حولهم معلومات مغلوطة. فيما هناك حوالى 30 ألف طفل لاجئ يعمل في مهن قاسية الأطفال اللاجئين الذين أقحموا في سوق العمل خصوصاً الزراعة. وبعد انتشار الفيديو ألقت القوى الأمنية، بإشارة من مدعي عام البقاع القاضي منيف بركات، القبض على الشاويش وأحالته إلى القضاء المختص.

1:23

Play Video
يرصد هذا التحقيق أبرز التعقيدات التي ترافق دفن اللاجئين السوريين في دول الجوار، بدايةً من تعثّر الحصول على قبر لاستقبال الرفات، مروراً باستحالة إعادة الرفات إلى سوريا، وليس نهايةً بظروف الدفن غير الطبيعية، في غياب أفراد من الأسرة أو بعيداً منهم، أو في مقابر “طوارئ” مشيّدة على وجه الأرض، أو في مقابر على سفوح الجبال أو ضمن أراضٍ طينية.

1:56

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني