بيروت… “مطبعة الشرق” المفلسة

إضافة إلى سلبنا فكرة الحلم وحرمان كثيرين الغذاء والعمل والتعلم والصحة والحرية... نواجه حرماناً ثقافياً في مدينة لم تعد تتسع لكتبنا وللكتب التي نحبّها... وهي مسألة لا تتعلّق ببقائنا على قيد الحياة في المفهوم الفيزيولوجي، إنها مسألة وجودية!

أنهيت كتابة روايتي الثانية في كانون الثاني/ يناير الماضي وطلبت من صديقي بيار أن يراجعها. أخيراً احتفلنا بنهايتها بعدما أجرينا التعديلات الضرورية. من حيث المبدأ مرحلة التأليف هي الأصعب، لكن في حالتي كان التفكير في النشر في بيروت الحزينة، مسألة شائكة بالفعل. حزن بيروت يمتد إلى مكتباتها ودور نشرها، في النهاية لا تنفصل بيروت عن قلبها. والدولار الذي يناطح عتبة الـ23 ألف ليرة يسحب سمومه على حق القراءة وحق النشر، فباتت كلفة النشر وكلفة اقتناء كتاب، خياليتين. لا أريد أن أكون بطلة هذا المقال، ولأختصر، قررت في النهاية أن أنشر روايتي خارج بيروت وأوزّع نسخي على الأصدقاء هنا. لا أستطيع تحمّل فكرة أن أكون عبئاً إضافياً عليهم، لديهم ما يكفي!

مكتبات بيروت وجه آخر من أزمة البلاد والعاصمة تحديداً. تسير في شارع الحمراء بحثاً عن نفسك تارة وطوراً عن كتب، لكن الخيارين يضيعان على طول الطريق. هنا مكتبة ينام صاحبها فوق الطاولة، ربما كحركة احتجاجية يقاوم بها الفراغ والمأساة. أبسط كتاب قد يعجبك لا يقل سعره عن 200 ألف ليرة وهو يساوي ثلث مدخول كثيرين. وكأن القراءة باتت رفاهية قد لا ينعم بها سوى الأغنياء. 4 قصص للأطفال اشتريتها هدية لابن أختي كان سعرها 400 ألف ليرة، وهذا يعني حوالي 20 دولاراً، لكنه يعني أكثر بكثير بالنسبة إلى محدودي الدخل، فالحد الأدنى للأجور ما زال صامداً عند 675 ألف ليرة أي أقل من 30 دولاراً، ما قد يحرم معظم الأطفال القصص ودفاتر التلوين وحتى الكتب التعليمية أو المدرسية.

بيروت، “مطبعة الشرق” التي تغنى بها الشعراء والأدباء والفنانون تعاني بصمت قاتل، فمعرض بيال للكتاب ما زال معلّقاً، والمكتبات تترنح ودور النشر تنازع، إنه حزن مضاعف أن نستقبل مطر ديسمبر من دون اللقاء الثقافي الواسع الذي كان يقدمه لنا معرض بيروت للكتاب، لذلك ربما يبدو المطر بخيلاً هذا العام… “هل رأيتم بعد بيروت البديلا”، تدور في رأسي قصيدة نزار قباني مغناة بصوت الفنانة اللبنانية نانسي عجرم، وأشعر برغبة في مراسلة الشاعر لو كان ممكناً أن نراسل الراحلين. نعم يا نزار، إننا نضطر إلى البحث عن بدائل حتى لا يقتلنا الحزن وحتى لا تهزمنا أزمات بيروت.

قبل استفحال الأزمة، كنا ندردش عن مشكلة القراءة ونمتعض لأن جزءاً كبيراً من الجيل الجديد لا يحب المطالعة. حين أتذكّر تلك الجلسات أشعر بالسخرية، ماذا نقول اليوم؟

أصدرت صديقتي ديواناً شعرياً قبل شهر تقريباً، حين راسلتها لأهنئها قالت لي: “أوعك تفكري تنشري كتاب ببيروت”. لقد دفعت 500 دولار (فريش) (نحو 12 مليون ليرة لبنانية)، مقابل 250 نسخة، وهذه كلفة الطباعة فقط، فالدار التي تنشر فيها عادة تحولت إلى مطبعة، واعتذرت عن مهمة التوزيع بسبب غلاء المحروقات وغلاء الكتب وقلة المشترين.

“لا تكتبي أنني أفكّر بالإقفال… بلى قولي، لكن لا تذكري اسمي”، بهذه الكلمات راسلني صديق يملك دار نشر وتوزيع في بيروت، حين سألته عن الوضع الراهن. وأضاف: “انتهت أيام الخير. إننا ننازع. كلفة الورق والحبر باهظة، إضافة إلى رواتب الموظفين وأزمة المحروقات… ثم من سيشتري رواية بـ300 ألف ليرة؟”.

قلت له: “أنا”. ابتسم وانتهت المحادثة.

إضافة إلى ذلك كله، تظهر مشكلة أخرى وهي صعوبة إيجاد الكتب التي تبحث عنها، فمعظم ما تريده مفقود، ولا تجرؤ المكتبات على استقدامه لأنه قد لا يباع أبداً… قد يفكّر المرء بأن المسألة تحل ببعض الجهد الإلكتروني عبر طلب كتاب “أونلاين”، أو البحث عنه بصيغة PDF، لكن النسخة الالكترونية ليست أرخص بكثير وقد لا تكون موجودة أصلاً… ثم هل حقاً سنستبدل مكتبات بيروت بنسخ إلكترونية؟ 

إذاً، إضافة إلى سلبنا فكرة الحلم وحرمان كثيرين الغذاء والعمل والتعلم والصحة والحرية… نواجه حرماناً ثقافياً في مدينة لم تعد تتسع لكتبنا وللكتب التي نحبّها… وهي مسألة لا تتعلّق ببقائنا على قيد الحياة في المفهوم الفيزيولوجي، إنها مسألة وجودية!

إقرأوا أيضاً:

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
نجلاء أبومرعي – كاتبة وإعلامية لبنانية
ما يبدو أكثر أهمية إلى حد كبير ويمكن البناء عليه بالفعل، هو الناخب الذي لم يستجب للدعوات التي أطلقتها المساجد للامتناع عن اختيار التغييريين، فرقعة الخوف من هاجس التحرر الفردي تنحسر شيئاً فشيئاً.
Play Video
فراس حمدان هو محامٍ لبناني نشط بالساحات خلال انتفاضة 17 تشرين وكان ثمن نضاله كبيراً. شرطة مجلس النواب أصابت فراس برصاصة من سلاحٍ محرم دولياً اخترقت قلبه بإحدى التظاهرات، وعلى رغم أن شظاية الرصاصة بقيت في قلبه، إلا أن فراس تحدّى وترشّح على الإنتخابات، وربح. ليعود إلى الساحة نفسها ولكن هذه المرة كنائب!

4:38

Play Video
“رح ننتخب أي حدا ضد المُعرقلين…”، 21 شهراً مرّ على انفجار مرفأ بيروت وأكثر من 4 أشهر على تجميد التحقيق. السلطة اللبنانية تُحاول عرقلة التحقيقات وطمس الجريمة، بل وتخوض الانتخابات بوجوه مُتّهمة بانفجار 4 آب، لكن أهالي الضحايا يصرّون على ثباتهم: العدالة تأتي بالتغيير.

2:49

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني