“بي الكل”:
هوس السلطة حين تثقله ضريبة العمر

"بي الكل"، هو اللقب الذي حاول ميشال عون أسر وجدان اللبنانيين به ، لكنه وهو يسلك بنا مساراً سياسياً واجتماعياً شديد البؤس لم ينجح في استدراج وجداننا إلى أسره إلا حين انتبهنا للحظة كم أن الرجل مُثقَل بضريبة العمر.

في الرئيس اللبناني ما يُعسِر على واو العطف استدراجها كرابط بينه وبين عاطفتنا، وميشال عون هو من صنع بنفسه هذا العسر.

ومع ذلك، نجح ميشال عون مرتين باستدراج عاطفتنا نحوه، وقد سلبنا الأخيرة حين رفعنا حاجباً بيننا وبين السياسي الذي فيه، والتي فعلها معظمنا على الأرجح.

فبين حديثه الأخير إلى قناة “الجزيرة”، وقبلها وقوعه على وجهه في مؤتمر القمة العربية الثامن والعشرين في الأردن عام 2017، يسكن ميشال عون خارج وجدان أغلب اللبنانيين. لكن مشقة العمر ومآلاته، أتاحت للرجل فينا مساحة وجدانية بفعل النزعة الإنسانية لأي فرد يكابد في مواراتها، وكما لو أننا في حضرة الموت.

في حديثه إلى قناة”الجزيرة”، ظهر ميشال عون أسيراً لصمت العاجز مرةً، ولتثاقله في الرد حيناً، وتائهاً بين تواريخ مفصلية من عهده الرئاسي أحياناً، وكنا نشاطره الصمت والتيه من موقع ملتبس بين العاطفة والسياسة، فيما محاوره كان غالباً أكثرنا استشعاراً بمعاناة الرجل في اجتراح الأجوبة التائهة، وأغلب الظن أن مقابلة كهذه ستبقى في ذاكرته كنموذج عن هزيمة السياسة أمام اللحظة الوجدانية التي تقفينا أثرها في وجه المحاور، بقدر ما تقفينا وجه رئيس مُثقل بالعمر.

لكن المفارقة أن الحديث المتلفز الذي وضعنا أمام المشهد المرئي والعصيب لعون، أتى بعد أسبوع قال فيه الأخير كلاماً وشى بعدم مغادرته القصر الرئاسي بعد انتهاء ولايته الدستورية، ثم حاول تدارك وقعه السيئ على اللبنانيبن باشتراط التمديد له في مجلس النواب.

والحديثان عن الفراغ والتمديد، واللذين يراكمان في عون نزعته السلطوية، يراكمان أيضاً وجداناً سلبياً هائلاً نحوه، لكن مشهدية “الجزيرة” تكفلت بالضربة القاضية لأوهام الرجل، بقدر ما منحته لحظةً وجدانية استدُرِجنا إليها مرغمين، وتحت وطأة السياسة.

أربعة أعوام إذاً، تفصل بين وجدان تشظى للحظتين نحو عون بين الأردن وقطر، ومن موقع الخصومة، لكن اللحظتين ليستا على سوية واحدة. كان “التعثر” الأردني أكثر جذباً لوجدان جمعي فرضته بالضرورة أبوة متخيلة عن قضاء الأعمار في كهولة آبائنا، لكنه بالمقابل كان تعثراً يُفضي إلى دلالة وازنة عن أرجحية أننا كنا خلال خمسة أعوام محكومين برئيس ظل آلت إليه السلطة بالمصاهرة، وأن الكثير من المواقف السياسية التي تصدر عن عون، هي صنيعة جبران باسيل، ثم يأتي مشهد”الجزيرة” كرافد لتلك الدلالة التي كونت هذا الالتباس بين عون المرئي، وعون الذي يتحدث من خلف جدران القصر، ناهيك بتهفيت كل بلاغة رئاسية حين لا يتسع المشهد المرئي لوزير العدل السابق ومستشار الرئيس سليم جريصاتي.

عموماً، ليست اللحظة الوجدانية الراهنة قدراً، وهي ستصير وراءنا عاجلاً كسابقتها الأكثر وطأةً على الوجدان، لأن فعل السياسة هو ما سيكون أمامنا. إننا في عهد رئيس جمهورية مسكون بهوس سلطوي يحجب عنه تلك الاعتلالات الجسدية التي طبعت عهده منذ البدايات، وأتاحت للبنانيين مشاهدة آخر فصولها بمسحة وجدانية آنية لا تغفر خطايا السياسة.

“بي الكل”، هو اللقب الذي حاول ميشال عون أسر وجدان اللبنانيين به ، لكنه وهو يسلك بنا مساراً سياسياً واجتماعياً شديد البؤس لم ينجح في استدراج وجداننا إلى أسره إلا حين انتبهنا للحظة كم أن الرجل مُثقَل بضريبة العمر.

إقرأوا أيضاً:

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
“درج”
بالمقارنة مع جرائم النظام الأخرى، قد يبدو تزوير شهادات جامعية مسألة بسيطة، لكنها ليست كذلك. لأنها تقتل مستقبل التعليم في سوريا، وتحيل أجيالاً إلى الاتكالية والفشل وتصنع نظاماً تعليمياً قائماً على التزوير والفساد.
Play Video
باستخدام أدوات تكنولوجية مختلفة، كالقصص التفاعلية وتقارير 360 درجة ومقاطع فيديو ورسوم متحركة، استطاعت منصة Tiny Hand تغطية المعاناة والأثر الذي تتركه الحرب على الأطفال وايصالهما الى العالم.

4:41

Play Video
الكاتبة في قضايا الجندر والجنسانية والناشطة اللبنانية غوى أبي حيدر والناشط السياسي الكويري ضومط قزي الدريبي ضيفا هذه الحلقة من بودكاست “نون” للحديث عن المثلية الجنسية وتصاعد الحملات المعادية لها في الآونة الاخيرة. المحزن ان ملاحقة العلم او الراية بات يشبه حملات مطاردة الساحرات في منطقتنا. تكثر الاخبار من حولنا عن سحب رواية، منع فيلم، مطاردة شعار، ومصادرة ألعاب أطفال لأنها تحمل ألوان قوس قزح، فضلا عن خطابات التحريض والكراهية والملاحقات القانونية والوصم الاجتماعي، وهو ما تكرر في أكثر من دولة بذرائع أخلاقية ودينية. غوى أبي حيدر وهي ناشطة وكاتبة في قضايا الجندر والجنسانية. كتبت سلسلة مقالات عن انتحار الناشطة المصرية سارة حجازي قبل عامين بعد ان سجنت بسبب رفعها علم قوس قزح/ شعار مجتمع الميم وتم اضطهادها ونفيها بسببه الى ان انتحرت. اما الناشط السياسي ضومط قزي الدريبي، فقد شارك في كثير من نشاطات الحراك الاعتراضي السياسي في لبنان في السنوات الاخيرة، لكنه واجه حملات ضده مستغلين هويته الجنسية.

51:48

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني