ذكرى “مجزرة جسر الزيتون” واقتحام “الحبوبي”:
القَتَلَة يُفلتون من العقاب

مجزرة جسر الزيتون خلفت حزناً كبيراً، إذ اتشحت معظم شوارع المدينة بالسواد وأقيمت مجالس العزاء في عدد من مساجدها وإغلاق أسواقها وإغلاق جسر الزيتون لعام كامل دون مرور المركبات عليه.

في مسيرات راجلة يغلب عليها طابع الحزن، استعاد عراقيون ذكرى قتلى احتجاجات تشرين الأول/ أكتوبر 2019 الذين سقطوا في “مجزرة جسر الزيتون” في الناصرية والتي راح ضحيتها عشرات القتلى ومئات الجرحى. المشاركون في المسيرات، وبينهم ذوي الضحايا، حملوا الشموع وساروا في الشوارع حاملين أعلام العراق وصور الضحايا، ولافتات كتب عليها “السلام على دولة الطرف الثالث والرصاص المجهول!”، استذكروا أيضاً، بالتزامن، هجوم أنصار التيار الصدري في تشرين الثاني/ نوفمبر 2020 على ساحة الحبوبي وإحراق خيم المحتجين، وسقوط قتلى وجرحى.

جسر الزيتون، هو جسر رئيسي يربط شمال مدينة الناصرية بجنوبها، قطعه المحتجون في 25 تشرين الثاني 2019 بعوارض بلاستيكية وخشبية، ونصبوا خيامهم في وسطه، في خطوة تصعيدية للضغط على الحكومة لتعطيل الدوائر الحكومية عن العمل، مطالبين بتنفيذ مطالبهم بإصلاحات اقتصادية وسياسية.

لم يمر الأمر على خير. تعرّض المحتجّون بعد أيام لاقتحام عسكري من قبل قوة امنية قتالية فجر 28 تشرين الثاني لغرض انهاء الاحتجاجات بعدما شكلت تظاهرات الناصرية خطراً واضحاً على الحكومة وتحوّلها إلى ملهمة لساحات التظاهر الأخرى.

القوات العسكرية التي كانت تأتمر بأمرة قائد عسكري برتبة رفيعة فريق ركن جميل الشمري تم تكليفه من قبل رئيس الوزراء السابق عادل عبد المهدي للإشراف على جميع القوى الموجودة في المحافظة.

القوة العسكرية بدأت بإطلاق النار بشكل مباشر على صدور المحتجين حتى سقط يومها 25 قتيلاً ومئات الجرحى وتراجعت أمام سيل المحتجين الذين اندفعوا من جميع أزقة المدينة لمواجهة هذه القوة العسكرية الشرسة، وأجبروها بالقوة إلى التمركز في الجزء الجنوبي من المدينة داخل مديرية الشرطة واستمرت المواجهة بين المتظاهرين العزّل والقوات المدججة بالسلاح، حتى تجاوز عدد القتلى الخمسين قتيلاً.

مجزرة جسر الزيتون خلفت حزناً كبيراً، إذ اتشحت معظم شوارع المدينة بالسواد وأقيمت مجالس العزاء في عدد من مساجدها وإغلاق أسواقها وإغلاق جسر الزيتون لعام كامل دون مرور المركبات عليه.

أين “ضاع” الشمّري؟

مستشار محافظ ذي قار علي مهدي ويعد أحد ابرز النشطاء في ساحة الحبوبي آنذاك، كشف عن أكثر من 300 دعوى قضائية تم تقديمها إلى القضاء ضد رئيس الوزراء السابق عادل عبد المهدي ومثيلها ضد القائد العسكري جميل الشمري، فضلاً عن الدعاوى ضد بعض القيادات الأخرى إلا أنه لم تتم محاكمتهم حتى الآن على رغم صدور أمر إلقاء قبض بحق الشمري.

وكشفت وثائق مسربة أن اللجنة التحقيقية التي شكلتها الحكومة العراقية لم تقم بإدانة الشمري بل تمت تبرئته بحسب الوثائق بحجة أنه لم يصدر أوامر بإطلاق النار باتجاه المتظاهرين بل كان اجتهاداً من بعض القيادات التي كانت موجودة في موقع الحدث. المشاركون في إحياء الذكرى الثانية للمجزرة هتفوا في الشوارع: “وين ضاع الشمري وأخباره/ مدلل بجال الحكومة مداره/ يا قضاء وما دارينا/ ويانا انت لو علينا/ نموت والمجرم يبات بداره”.

الشمري اختفى من الساحة الإعلامية والعسكرية بشكل لافت ولم يصدر أي بيان توضيحي عن دوره أو محاولة للدفاع عن نفسه، وبعد مرور قرابة العامين، ظهر من خلال إحدى وسائل الاعلام العراقية في 5 تشرين الثاني/ نوفمبر 2021 كاشفاً عن المتسبب بقتل المتظاهرين عند جسر الزيتون، وهو بحسب الشمري، أحد الضباط المسؤولين عن قوة الرد العسكري التي تم استقدامها بحسب قوله إلى المدينة قبيل استلامه مهمات الإشراف على القوات، التي لم تتلق، بحسب زعمه، أوامره بإطلاق النار.

محافظ ذي قار احمد غني الخفاجي وضع إكليلاً من الزهور على جسر الزيتون، وطالب “رئيس الوزراء مصطفى الكاظمي بتكليف الفريق اول احمد ابو رغيف لإجراء تحقيق عادل في حادثة جسر الزيتون والكشف عن قتلة المتظاهرين وتقديمهم للقضاء”، بحسب بيان صادر عنه، مؤكداً أن “دماء ضحايا جسر الزيتون لم تذهب هباًء، وأن التاريخ يُخلد ذكراهم فهم لا ذنب لهم سوى أنهم كانوا يطالبون بحقوقهم المشروعة”.

إقرأوا أيضاً:

أنصار الصدر أفلتوا من العقاب

بعد عام كامل على حادثة جسر الزيتون وفيما كان متظاهرو الناصرية يستعدون لإحياء الذكرى في ساحة الحبوبي، قام انصار الصدر بالتجمع قرب الساحة نفسها بعد دعوة مقتدى الصدر لأنصاره في عموم مدن العراق بالتجمع في ساحات التظاهر لدعم الانتخابات المبكرة، وما هي الا ساعات حتى بدأ أنصاره باقتحام ساحة تظاهر الناصرية بالسلاح والرصاص والنار التي أتت على الخيام على مرأى ومسمع من القوات الأمنية، وقتل في هجوم الصدر على متظاهري الناصرية 8 متظاهرين وجرح أكثر من 90 متظاهراً.

حادثة هجوم انصار الصدر لاقت تنديدا واسعا من قبل منظمات دولية ومحلية، إلا أنها لم تشهد أي محاولة حكومية لمحاسبتهم أو اعتقال المتسبب بذلك بل اكتفت بتشكيل لجنة تحقيق، لم تتوصل إلى أي نتيجة.

محمد، أحد نشطاء ساحة الحبوبي، فضّل عدم ذكر اسمه كاملاً خشية من أنصار الصدر، لا يتوقع أن تكون هناك محاسبة قانونية لمرتكبي مقتلة ساحة الحبوبي، على رغم الدماء التي سالت فيها، فهناك قوة مسلحة تحميهم والآن باتوا يمتلكون غطاءً برلمانياً تشريعياً يظلّلهم. 

المتظاهر محمد هاشم لم يسمع او يشاهد بعد عام كامل على حادثة الاقتحام أي جهة حكومية سواء أكانت في السلطة التنفيذية أو التشريعية، تتبنى المطالبة بدماء القتلى الذين سقطوا على أيدي أنصار الصدر، الذين أفلتوا من العقاب، كما يبدو. 

الكاتب احمد الحداد يرى أن ملف ساحة الحبوبي وقبله جسر الزيتون سيضيعان في أحد أدراج اللجان التحقيقية، التي في العادة يتم تشكيلها من دون الكشف عن نتائج تحقيقاتها، لا سيما أن الكتلة الصدرية حققت فوزاً كبير في الانتخابات وتطالب بحكومة اغلبية سياسية، بمعنى أن “أي ملف تتم إدانتها فيه سيتم اغلاقه ويكون أنصارها بمأمن من الملاحقة القانونية”.

إقرأوا أيضاً:

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
خولة بو كريم – صحافية تونسية
“حرية الصحافة مهددة، بخاصة أننا نعيش في حالة طوارئ، وزير الداخلية بإمكانه منع المنشورات عن الصدور وحتى منعنا من العمل بموجب قانون الطوارئ”.
Play Video
“العازة والفقر بيعملو هيك…”، بينما تُعتبر تجارة الكبتاغون أكثر القطاعات ربحية في سوريا، ازدهرت هذه التجارة في لبنان بعد تفاقم الأزمة الاقتصادية. تحقيق للقناة الرابعة البريطانية يكشف الخبايا.

2:03

Play Video
“كل ما أريده هو العودة إلى بلدي”… بعدما لم يعد البقاء في لبنان المنكوب خياراً بالنسبة للعاملات الأجنبيات، افترش بعضهن الأرض تحت مقرّ القنصلية الكينية مطالبةً بتسهيل أمورهن لمغادرة البلاد

2:45

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني