سلامة يتحدّى علم الاقتصاد:
من يحدد سعر الدولار؟

كل ما يحصل اليوم على مستوى توجيه أصابع الاتهام إلى خفايا السوق الموازية والتطبيقات الإلكترونيّة، لا يعكس سوى تهرّب حاكم مصرف لبنان من مسؤوليّته تجاه الأزمة وفوضى أسعار الصرف.

عاد الدولار الأميركي ليسجّل قفزات سريعة وقاسية في قيمته مقابل الليرة اللبنانيّة في السوق الموازية، ليتجاوز سعر صرف الدولار حدود الـ25 ألف ليرة، وهو أدنى مستوى تسجّله الليرة اللبنانيّة في تاريخها. في ذلك اليوم بالتحديد، أصدر مصرف لبنان بيانه الأخير، الذي اعتبر أن سعر الصرف الواقعي الوحيد الذي يحدد قيمة الليرة هو السعر المعلن عنه عبر منصة “صيرفة”، فيما ذهب إلى وصف التطبيقات الإلكترونيّة المستخدمة لتبادل الدولارات أو نشر قيمتها بالمشبوهة وغير القانونيّة، كونها “لا تعبّر عن واقع السوق وحجمه الحقيقي”. وفي مكان آخر، لجأ المصرف المركزي إلى نظريّة المؤامرة لتفسير عمل هذه التطبيقات، معتبراً أن خلفها “مصالح منها سياسيّة ومنها تجاريّة”.

وبما يشبه تعامل الأنظمة المستبدة مع الرأي الآخر، ذكَر مصرف لبنان المساعي التي قام بها لإلغاء هذا النوع من التطبيقات عن الشبكة العنكبوتيّة عبر مراسلة شركات الانترنت، محمّلاً شركات مثل “غوغل” و”فايسبوك” وغيرهما مسؤوليّة بقائها لما لها من ضرر على لبنان. أما المطلوب، فهو حصر ما تنشره هذه الشركات بسعر الصرف الرسمي (أي الـ1507.5 ليرة للدولار) وسعر منصّة صيرفة!

من الناحية العمليّة، كان بيان مصرف لبنان بعيداً كل البعد من الواقعيّة في استهدافه قمع السوق الموازية، عبر إقفال الوسائط الإلكترونيّة التي يستخدمها الأفراد لتبادل الدولارات أو الاطلاع على سعر الصرف. كما جاء بعيداً من الحقيقة في طريقة تعريفه سعر الصرف “الحقيقي والواقعي”، وفي لجوئه إلى نظريّة المؤامرة لتفسير وجود أسعار الصرف الأخرى “التي تقود السوق” من خارج لبنان. وبذلك، كان البيان أبعد ما يكون من مؤسسة يُفترض أن تمتلك الحكمة والمعرفة الكافيتين لإدارة شأن حسّاس بحجم السياسات النقديّة والماليّة، في ظل أزمة كتلك التي يعيشها لبنان.

منصّة مصرف لبنان: سعر صرف غير واقعي

منصّة مصرف لبنان، التي أشار إليها البيان، تم إطلاقها في شهر أيّار/ مايو الماضي، وكان يفترض بحسب خطة حاكم المصرف المركزي أن تتحوّل إلى الوسيط الأساسي للتداول بالدولار الأميركي في السوق بيعاً وشراء، أو بمعنى أوضح: أن تحل مكان السوق الموازية وتؤدّي الدور الذي تقوم به، وأن يكون سعر الصرف الذي تحدده هو سعر الدولار الفعلي في السوق. 

وكان من الواضح في ذلك الوقت أن مصرف لبنان يحاول من خلال هذه المنصّة استباق مرحلة رفع الدعم عن المحروقات التي لم تكن قد بدأت بعد، من خلال تحضير وسيط قادر على تأمين الدولارات للمستوردين، بدل الدولارات التي كان يؤمّنها لهم مصرف لبنان بسعر مدعوم من احتياطاته. وليكمّل مصرف لبنان خطته من جميع الجوانب، ربط المنصّة بحسابات الدولار الطازجة في المصارف، أي الدولارات التي يتم إيداعها نقداً أو تلك التي ترد من الخارج، ليصبح بإمكان عملاء المصارف بيع هذه الدولارات عبر المنصّة، بينما سيكون بإمكان المستوردين شراء هذه الدولارات لعملياتهم التجاريّة. 

كل هذه الخطط  ظلّت حبراً على ورق. فعمليّات بيع الدولار ظلّت تذهب إلى السوق الموازية، لكون سعر صرف الدولار يزيد هناك بنحو 20 في المئة عن سعر صرف المنصّة، وهو ما جعل المنصّة عاجزة عن التحوّل إلى وسيط لتداول العملة الصعبة، أو إلى أداة قادرة على استيعاب جميع عمليّات السوق الموازية. ومع فشلها في استقطاب دولارات السوق، لم تكن قادرة على تأمين الدولارات للمستوردين، الذين ظلّ معظمهم يلجأ إلى السوق الموازية لشراء الدولارات المطلوبة للاستيراد. 

أما الدور الوحيد الذي تلعبه المنصّة اليوم، فهو بيع الدولارات بسعر يقل عن سعر السوق الموازية لمستوردي البنزين والأدوية وبعض السلع الحيويّة الأخرى، وبعمليات ملتبسة وغير شفّافة من ناحية هويّة التجّار المستفيدين من سعر الصرف المدعوم نسبياً. وبما أنّ المنصّة لا تلعب دور الوسيط الفعلي في الأسواق، فالغالبيّة الساحقة من الدولارات المباعة عبرها يتم تمويلها من احتياطات مصرف لبنان، فيما تقوم بعض المؤسسات القليلة جداً- ولأسباب قانونيّة- ببيع  المصرف المركزي دولاراتها الطازجة بسعر الصرف المنخفض. 

باختصار، سعر صرف المنصّة لا يمثّل بأي شكل من الأشكال سعر صرف فعلي أو واقعي للدولار، بل يمثّل أحد أسعار الصرف المدعومة ولو ضمن هامش ضيّق جدّاً (بلغ سعر صرف المنصّة نحو 21 ألف ليرة للدولار يوم السبت 27 تشرين الثاني/ نوفمبر، مقابل 24860 ليرة للدولار في تداولات السوق الموازية). فتسعيرة المنصّة لا تنتج عن آليات عرض وطلب الدولار في السوق، بل عن عمليّات بيع الدولار التي يموّلها مصرف لبنان من احتياطاته، وبآليّة ملتبسة من ناحية طريقة تسعير الدولار يوميّاً. وسعر المنصّة غير متاح بشكل حر لمن يريد شراء الدولار، بل يمثّل سعراً محصوراً ببعض عمليات الاستيراد التي يوافق عليها مصرف لبنان، وبشكل استنسابي وغير شفّاف أبداً. 

أمّا أهم ما في الموضوع، فهو أن حجم عمليّات المنصّة ظلت تتراوح عند حدود الأربعة ملايين دولار كمتوسّط يومي، وهو ما لا يمثّل إلا نسبة ضئيلة للغاية من مجمل تداولات السوق.

إقرأوا أيضاً:

ما هو سعر الصرف الفعلي والواقعي؟

ببساطة، سعر الصرف الواقعي والفعلي هو السعر الذي يسمح لأي فرد بشراء الدولار بشكل حر، لأي سبب تجاري أو شخصي أو حتّى للادخار، وفي أي مكان أو وقت، وبحسب التسعيرة التي تحددها آليّات العرض والطلب. بهذا المعنى بالتحديد، سعر الصرف الحقيقي والحر هو سعر السوق الموازية، الذي يحكم يوميّاً تداولات الأفراد والمؤسسات، والذي يمكّن أي شخص من الحصول على الدولار النقدي بمعزل عن السبب. وبهذا المعنى أيضاً، لا تمثّل أي من أسعار الصرف الرسميّة أو المدعومة سعر صرف واقعياً أو فعلياً، لكونها حتّى إشعار آخر لا تتيح للغالبيّة الساحقة من الأفراد والشركات الحصول على الدولار عبرها. وهذه الحقيقة مرتبطة بواقع فشل جميع محاولات استيعاب عمليات السوق الموازية حتّى اللحظة من قبل مصرف لبنان، على رغم محاولته مرّتين إطلاق منصّات تستهدف هذه الغاية.

في واقع الأمر، بإمكان سعر الصرف الفعلي في السوق الموازية أن يتأثّر ببعض عمليّات المضاربة عبر وسائط التواصل الاجتماعي، كما يمكنه أن يتأثّر بعوامل الحرب النفسيّة والتطوّرات السياسيّة، لكنّ ذلك لا ينفي حقيقة أن تسعيرة هذه السوق هي، حتّى اللحظة، التسعيرة الواقعيّة والفعليّة التي تعتمدها الأسواق لإتمام صفقات بيع الدولار وشرائه. وبذلك، لا يرتبط السؤال هنا بواقعيّة سعر الصرف هذا أو حقيقته، بل بسبب انفلاته خارج النظام المالي الرسمي الذي يتيح للمصرف المركزي، كمعظم المصارف المركزيّة في العالم، التدخّل لضبط سوق القطع، ومنع المضاربات أو التذبذبات السريعة في أسعار الصرف، أو السيطرة على سعر الصرف ضمن هامش معيّن. 

قمع السوق الموازية: الحلم المستحيل

منذ بداية الأزمة، تكرّر إلقاء اللوم على خفايا السوق الموازية ومضارباتها بخصوص تدهور سعر صرف الليرة، وتحديداً من قبل حاكم مصرف لبنان. وفي فترة من الفترات، لجأ الحاكم إلى الضغط على الحكومة لتحريك الأجهزة الأمنيّة، لمحاولة قمع تداول الصرّافين في هذه السوق، وحصر العمليّات بالأسعار التي يحددها حاكم مصرف لبنان. واليوم، عاد الحاكم إلى هذه النغمة من زاوية التصويب على التطبيقات الإلكترونيّة، وعلى دورها في تحديد أسعار صرف لا تتناسب مع سعر صرف منصّته “الواقعيّة والفعليّة”. 

من الناحية العمليّة، لم تتمكّن أي دولة في العالم من قمع تداولات السوق الموازية خلال الأزمات التي شهدت أسعار صرف متعدّدة. بل وحتّى في جمهوريّات الاتحاد السوفياتي سابقاً، وفي سائر الدول التي اعتمدت أنظمة اقتصاديّة موجّهة وتدابير أمنيّة حديديّة، لم يكن متاحاً القضاء على سعر الصرف الخارج عن سيطرة الأنظمة الماليّة الرسميّة والشرعيّة. ولهذا السبب، لا يوجد أي واقعيّة في توقّع إمكانيّة قمع السوق الموازية في الحالة اللبنانيّة بالأساليب الأمنيّة، بما فيها تلك التي تنشط على مجموعات “واتساب” و”فايسبوك” وسائر وسائل التواصل الاجتماعي. 

فخلال الوقت الراهن، ثمّة عدد لا يُحصى من الأسباب التي تدفع الأفراد والشركات إلى طلب الدولارات من السوق، والغالبيّة الساحقة من هذه الأسباب غير مشمولة بالحالات التي يوافق مصرف لبنان على تمويلها من المنصّة. ولهذا السبب، نشأت وسائط كثيرة لربط عمليات بيع الدولار وشرائه، بما فيها مجموعات “واتساب” و”فايسبوك” التي يسهل إنشاؤها ويصعب تتبّع عمليّاتها يوميّاً، إضافة إلى الصرّافين الذين اتجهوا إلى ممارسة عمليّات القطع في السوق السوداء بشكل شبه علني في جميع الأسواق اللبنانيّة تقريباً. ومن الناحية الاقتصاديّة، عدم الاعتراف بوجود السوق الموازية وأسعارها، ومحاولة قمعها مقابل الاعتراف بالمنصّة كوسيط شرعي وحيد، سيعني محاولة خنق مصدر الدولار الحر الوحيد المتوفّر للأفراد والمؤسسات، وهي مسألة غير ممكنة نظريّاً أو عمليّاً.

القمع التقني

القمع التقني، وفقاً لتقرير نشرته منظمة “سميكس”، ممكن بالنسبة إلى المواقع الإلكترونيّة والتطبيقات الهاتفيّة، وهو إجراء بدأت به أساساً مؤسسة “أوجيرو” منذ أشهر، بناءً على توجيهات الحكومة اللبنانيّة. أمّا بالنسبة إلى صفحات ومجموعات “فايسبوك” التي ذكرها بيان مصرف لبنان أيضاً، فهذا الأمر مستحيل من دون حظر موقع “فايسبوك” كليّاً، وهذه مسألة مستبعدة في الوقت الراهن. مع الإشارة إلى أن “فايسبوك” لم يسجّل حتّى اللحظة أي تجاوب مع طلبات سابقة وجهها مصرف لبنان بخصوص التعامل مع هذه المجموعات. وفي كل الحالات، وبمعزل عن مجموعات “فايسبوك”، لا توجد حتّى اللحظة وسيلة واحدة للتعامل مع مجموعات “واتساب” الموجودة كوسيط لتسهيل عمليات بيع الدولار وشرائه بشكل مباشر، وهذه المجموعات تمثّل اليوم الوسيلة الأكثر شعبيّة من بين وسائط التداول الإلكترونيّة بالدولار. 

كل ما يحصل اليوم على مستوى توجيه أصابع الاتهام إلى خفايا السوق الموازية والتطبيقات الإلكترونيّة، لا يعكس سوى تهرّب حاكم مصرف لبنان من مسؤوليّته تجاه الأزمة وفوضى أسعار الصرف. فدخول سعر صرف السوق الموازية في مساره التصاعدي منذ شهر أيلول/ سبتمبر لم يكن إلا نتيجة لدخول عمليّة رفع الدعم عن المحروقات بشكل فوضوي وغير مدروس، وإحالة الطلب على الدولار لاستيراد المازوت إلى السوق الموازية بشكل مفاجئ. وفوضويّة رفع الدعم، تتصل بعدم وجود أي خطّة مدروسة لتوحيد أسعار الصرف وتعويم السعر الموحّد بشكل منظّم، وهي خطّة كان يفترض أن يعمل على أساسها مصرف لبنان بالتوازي مع خطّة الحكومة للتعافي المالي. وفي هذه الأثناء، يذهب حاكم مصرف لبنان المسؤول عن هذا الجنون في سوق القطع إلى تحدّي قوانين الاقتصاد، إما بمحاولة قمع السوق الموازية، أو بمحاولة تحميلها مسؤولية فوضى سوق القطع.

إقرأوا أيضاً:

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
خولة بو كريم – صحافية تونسية
“حرية الصحافة مهددة، بخاصة أننا نعيش في حالة طوارئ، وزير الداخلية بإمكانه منع المنشورات عن الصدور وحتى منعنا من العمل بموجب قانون الطوارئ”.
Play Video
“العازة والفقر بيعملو هيك…”، بينما تُعتبر تجارة الكبتاغون أكثر القطاعات ربحية في سوريا، ازدهرت هذه التجارة في لبنان بعد تفاقم الأزمة الاقتصادية. تحقيق للقناة الرابعة البريطانية يكشف الخبايا.

2:03

Play Video
“كل ما أريده هو العودة إلى بلدي”… بعدما لم يعد البقاء في لبنان المنكوب خياراً بالنسبة للعاملات الأجنبيات، افترش بعضهن الأرض تحت مقرّ القنصلية الكينية مطالبةً بتسهيل أمورهن لمغادرة البلاد

2:45

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني