عبده ماهر صدّق شعارات تجديد الخطاب الديني فحُكم بالسجن!

كانت فرحة المشايخ والفقهاء والمتشددين دينياً والمنتمين للأزهر بسقوط عبده ماهر متهماً بازدراء الأديان، أكبر من فرحتهم بسقوط آخرين، فلم يكن مجرد سقوط لـ"أحد أعداء الإسلام" بالنسبة إليهم، إنما دلالة على توجهات النظام السياسي المصري القائم، الذي يتمايل راقصاً على جثث المفكرين والباحثين.

لم يعد في مصر متسع للرأي المغاير، والاختلاف مع رجال الدين، فمن يقول رأياً مخالفاً للأئمة والمشايخ يجد طريقه إلى السجن مفروشاً باتهامات ازدراء الأديان والأحكام المشدَّدة. أحدث المتضررين مما يعرف بتهمة “ازدراء الأديان” المنصوص عليه في قانون العقوبات المصري وطريقة توظيفها باعتبارها “الجريمة المطاطة” التي تطارد حرية الرأي والفكر، هو المفكر والمحامي المصري أحمد عبده ماهر.

وجد عبده ماهر نفسه متهماً بـ”ازدراء الأديان” ضمن قضية حرَّكها ضده المحامي سمير صبري، الشهير بآلاف الدعاوى القضائية والبلاغات التي يقدّمها لأجل الشهرة بحجة “حماية الأخلاق الحميدة“، بعد إصدار كتابه الجديد “إضلال الأمة بفقه الأئمة”، وقد صدر الحكم بالسجن 5 سنوات. 

كان عنوان الكتاب وحده كافياً لتحريك الدعوى القضائية؛ إذ إنه استفزّ شرائح واسعة من المنتمين للتيار الإسلامي والأئمة والمشايخ والأزهريين الذين يحملون ذكريات وانطباعات سيئة حول عبده ماهر، الذي قدم رؤى وأفكاراً خلال السنوات الماضية، تشكك في فتاوى رجال الدين وتضرب في صميم التراث الإسلامي ورواة الأحاديث.

المثير للدهشة، أن الحكم الصادر بحق عبده ماهر، البالغ 67 سنة، يكلل فترة حكم النظام المصري برئاسة عبد الفتاح السيسي، الذي دائماً ما يردّد آراء متفتحة في الدين الإسلامي، ويدعو إلى تجديد الخطاب الديني، ويبدي امتعاضه من رجعية مشيخة الأزهر، وتسلط شيخها الإمام الأكبر أحمد الطيب، ويعتبر بداية حكمه نهاية لحكم التيارات الإسلامية المتشدّدة في مصر، وإشارة بدء لمصر المنفتحة دينياً، خصوصاً أن النظام قام على أطلال نظام الإخوان المسلمين.

الحكم بحق المفكر أحمد عبده ماهر، جزاء لكتابه الجديد الذي ينتقد- في عنوانه ومتنه- فقه الأئمة، الذي يتفق كثيرون منذ القدم على ضلاله وإضلاله العوام. وكان سُجن الباحث إسلام بحيري قبل سنوات لاتهامه بإزدراء الأديان وإهانة الدين الإسلامي، نتيجة خلافه في مناظرات “تم بثها على الهواء” مع ممثلين عن الأزهر، أبرزهم عبد الله رشدي، المعروف بآرائه ومواقفه السلفية المتشددة، ما يدل على أن السيسي ليس جاداً في دعوات تجديد الخطاب الديني، بل إنه يجذب المحافظين – في صفقات سياسية – إلى صفه على حساب المفكرين والمجددين والمعنيين بالتنوير.

لا قداسة للصحابة وأغلقوا الأزهر 10 سنوات.. هكذا يرى ماهر الإسلام

قال ماهر، في بث مباشر قبل صدور الحكم، تعليقاً على محاكمته بـ”ازدراء الأديان”، إنه لا يزدري الإسلام، بل يعتز به ديناً، ولكن “هكذا أراد أهل الفقه”. واعترض على أحاديث واردة بالصِحاح، ومنها حديث منسوب للنبي محمد، ورد بصحيح الترمذي، يقول “شفاعتي لأهل الكبائر من أُمتي”. يعتبر ماهر هذا الحديث، وما يشبهه من أحاديث وأقوال وردت في كتب التراث الإسلامي، تمنح المسلمين رخصة ارتكاب “أي الآثام والذنوب دون خوفٍ من الحساب، فالرسول سيشفع لهم مهما فعلوا”، بحسب ماهر.

ومن المعروف عن ماهر انتقاده الشديد لمشيخة الأزهر، وبحثه في المناهج التي تدرّس بجامعتها ومعاهدها، فاتهمها بـ”الحض على التطرف”، ومن بين آرائه أن مناهج الأزهر هي “مانيفستو” تنظيم “داعش”: “الأزهر لا يستحي أن يدرس في كتبه ومناهجه دمويته وهدم الكنائس، وقتل المرتد، وقتل تارك الصلاة، وقتل الأسرى، وأخذ السبايا… الأزهر يدّرس وداعش يطبق”.

ويضيف، في مقدمة كتابه “إضلال الأمة بفقه الأئمة”: “وجدت اجتماع فقهاء التقليد على صناعة دين مواز للدين الذي أتى به سيدنا محمد لكنه لا يلتقي معه أبداً، ووجدتهم وقد تصدّروا بالسنة القولية أمر الدين بل أخضعوا القرآن لتخيلات وأوهام لا تصح، ولعدم معرفتهم بكينونة العلم أطلقوا على كل ما اختلفوا فيه لفظ (علم) وتنابزوا واختلفوا في كل شيء وزعموا بأن اختلافهم رحمة للأمة”.

أغضبت تلك الآراء جمهور الأزهر الكبير في مصر، إذ إنه يربط بين تنظيم دموي ومشيخة لها قداسة في نظر البعض، حتى إنه صرح بأن “داعش والأزهر صنوان لهدف واحد؛ ألا وهو تأصيل الفكر القديم التراثي: إقصاء وازدراء المخالف والكراهية والعنصرية ضد الأديان الأخرى وضد المرأة”، واستمر ماهر في نقد مناهج الأزهر حد وصف الكتب التي تدرسها المشيخة بـ”عار على الفكر الإنساني”.

يقع الأزهر دائماً في فخ مواقفه تجاه التنظيمات الإرهابية، ذات الخلفية الإسلامية، إذ إنه امتنع عن تكفير داعش بحجة “إيمانه بالله”. وهو الموقف الذي أُخذ عليه طويلاً، ومع الوقت بات يثير حساسية المنتمين له، فقد تحوَّل إلى حجة على المشيخة، كلما أراد أحد انتقادها أو التشكيك في توجهاتها الدينية، استعان بهذا الموقف، الذي تزامن مع قمة جبروت التنظيم الإرهابي، وبثه جرائمه من قطع الرؤوس إلى القتل إحراقاً وإغراق الأحياء، فهل الأزهر داعم للإرهاب حقاً؟

رأى ماهر أن المشيخة ككيان ليست كياناً إرهابياً، ويصل هنا إلى سر ثورة المشايخ ضده، يقترح إغلاق الأزهر لـ10 سنوات “حتى نصنع فاصلاً بين هذا الجيل المهلهل فقهياً وفكرياً، وبين الجيل الجديد الذي سيقدم الإسلام للعالم”.

“ليسقط كتاب البخاري وكل كتب الصحاح”

من الأساليب التي يستخدمها عبده ماهر، في كشف الإسلاميين هو التشكيك في روايتهم للتاريخ، إذ إنهم يحتكرون سرد التاريخ الإسلامي وربطه بمراحل نزول القرآن وتواتر الأحاديث، ليخلقوا له تفسيراً جديداً يخدم أهدافهم وسلطاتهم الدينية المتغولة على الحياة المصرية، وذلك لمنح أنفسهم نوعاً من القداسة عبر منحها لآخرين كالصحابة والتابعين وكل من رأى النبي وكل من ادّعى أنه موصول به، فمن وجهة نظره فقهاء الإسلام جعلوا الصحابة أصناماً تُعبد وهم لا يستحقون تلك الهالة، يقول: “لعل تاريخنا الإسلامي قد عجّ بالخرافات والخزعبلات والدسائس والكذب الذي تميزت بها معظم كتابات المؤرخين، وما ذلك إلا لأننا شعوب لا تمحص ولا تدقق حتى راجت تلك الخرافات والأكاذيب بيننا ومن بين تلك الأكاذيب أقصوصة هجرة أبو بكر مع الرسول من مكة للمدينة المنورة أبو بكر الصديق لم يكن مع الرسول بالغار ولم يهاجر معه”.

ويصل إلى التشكيك في “البخاري”: “وليسقط كتاب البخاري وكل كتب الصحاح في سبيل أن يبقى كتاب الله لا تمتد إليه روايات العبث المدونة بالبخاري وغيره”، وأيضاً استنكار فتاوى القتل لابن تيمية.

كانت فرحة المشايخ والفقهاء والمتشددين دينياً والمنتمين للأزهر بسقوط عبده ماهر متهماً بازدراء الأديان، أكبر من فرحتهم بسقوط آخرين، فلم يكن مجرد سقوط لـ”أحد أعداء الإسلام” بالنسبة إليهم، إنما دلالة على توجهات النظام السياسي المصري القائم، الذي يتمايل راقصاً على جثث المفكرين والباحثين ومجددي الدين وناقدي التيار الإسلامي والنابشين في أفكاره المسيطرة على المصريين منذ عشرات السنين، التي سيطر خلالها التيار السلفي المتشدّد وجماعة الإخوان على المساجد والزوايا في صفقة سياسية مع نظام الراحل حسني مبارك. تبدو ملامح صفقة جديدة بين نظام السيسي والمحافظين والمتشدّدين دينياً، لا أحد يعلم إن كانت “ضمنية” أم سرية. 

إقرأوا أيضاً:

صفقة خفية بين النظام المصري والأزهر والسلفيين؟

يترك النظام المصري براحاً للأزهر ولا يواجه أفكاره بعد فترات من الصدام بين السيسي وشيخ الأزهر لحسابات سياسية تتعلق بعلاقات مصر بدول عربية وإسلامية، أبرزها الإمارات، التي يعتبر الإمام أحمد الطيب محسوباً عليها فقد اختارته ليكونَ طرفاً في خطتها للتسامح المعروفة باسم “الأخوة الإنسانية“، ليكون رأساً برأس مع بابا الفاتيكان، كممثل للإسلام من جميع أنحاء العالم. 

وكذلك يترك النظام السياسي مساحة للوجوه المتشدّدة والسلفيين، الذين أخذوا صفه في معركته ضد الإخوان المسلمين، ليحافظ على كتلتهم الشعبية الكبيرة في القرى والأرياف المصرية، وكذلك كتلتهم السياسية المتمثلة في “حزب النور”، الذي يطلّ برأسه مراراً ليعلن مواقفه “المعادية للحرية والإبداع والفن وتجديد الخطاب الديني”، وكان أحدثها، تقديم أحد نواب “النور” طلب إحاطة بشأن تقديم مسرحية “المومس الفاضلة” لجان بول سارتر، على خشبة مسرح مصري من بطولة الفنانة إلهام شاهين، فقد أزعج عنوان المسرحية، الذي يخالف معايير وقيم ومصطلحات الإسلام المتحفّظ، شريحة واسعة من المحافظين في مصر، فتقدّم “حزب النور”، عبر أذرعه البرلمانية، بطلب لمنع المسرحية، أو تغيير عنوانها. 

وتتجلّى محاباة التيارات الإسلامية في مصر على حساب القوى العلمانية أو المنفتحة دينياً والباحثين والمفكرين، الذين يحافظون على المجتمع من تغول الإسلام المتشدّد والقوى الإرهابية وتغيير الهوية الثقافية لمصر، في محاكمة عبده ماهر وإسلام بحيري وغيرهم ممّن يحملون أفكاراً مخالفة، وترك النموذج الإسلامي “الأكثر فجاجة وتهديداً وتكفيراً للآخرين” عبد الله رشدي، مفتول العضلات، الذي اعتُبر رمزاً لـ”الأزهر الغاضب” الذي يجذب قطاعات واسعة من الشباب المحافظين والمتشددين دينياً ويغذي أفكارهم برفض الانفتاح وشكل المجتمع الحالي، عبر “يوتيوب” و”فايسبوك”، بينما لا تنجح دعوى قضائية واحدة في النيل منه، مهما تحرش بمتابعات “تحرشاً إسلامياً“، أو بالغ في إظهار فحولته، أو هاجم وقدم فتاوى دينية متشددة، أو أثار فتناً قد تفتك بوحدة المجتمع، على رغم أن آخرين لا يتحدثون في الدين، بل في أشياء أخرى، ويهيل أنصاره ومتابعوه بالتراب عليهم يومياً.

وأبرزهم أحمد الغندور، المعروف باسم “الدحيح”، الذي يقدم برنامجاً علمياً وتاريخياً على منصات التواصل الاجتماعي، والباحث الدكتور هشام سلام، أستاذ الجيولوجيا، إذ تتم ملاحقتهما وتشويههما بتهمتي الإلحاد وازدراء الأديان، حين يقدمان محتوى علمياً لا يرضي الإسلاميين، أو يخالف روايتهم “غير العلمية” للتاريخ الطبيعي ونشأة الكون. 

“القضايا التي تتم إحالتها والتهم التي يواجهها المتهمون على ذمتها تتطابق مع القضايا التي تقرر السلطات إخلاء سبيل آخرين على ذمتها، وهو ما يعني أنّ المعيار الحاكم هو موقف السلطة السياسية والأمنية مِن شخوص مَن يتم إخلاء سبيلهم أو إحالتهم إلى المحاكمة”.

حرية الفكر والتعبير في مصر… العجلة تدور إلى الخلف

تبدو صورة حرية الفكر والتعبير في مصر، في الفترة الراهنة، بعيداً من المعتقلين السياسيين، مشرقة، الرئيس المصري يدعو إلى تجديد الخطاب الديني والمزيد من الحرية في التعبير، ويقدم آراء دينية أكثر انفتاحاً مما يقوله أحمد عبده ماهر. من أبرز آراء السيسي، أن “النصوص الإسلامية المقدسة تعادي الدنيا والجنة ليست للمسلمين فقط”. 

لكن وراء هذه الآراء المنفتحة اضطهاد للمختلفين دينياً ووجه آخر تماماً، يبدأ بالقبض على الملحدين من مقاهي وسط القاهرة دون اتهام صريح بالإلحاد، ويصل إلى محاكمة 67 شخصاً أمام محاكم استثنائية خلال الربع الثالث من 2021، بحسب تقرير “مؤسسة حرية الفكر والتعبير”، وقد صدرت أحكام قاسية عليهم، ونهائية وباتة لا يجوز الطعن فيها أو استئنافها، وكان واحداً من هؤلاء أحمد عبده ماهر.

وتقول المؤسسة إن “القضايا التي تتم إحالتها والتهم التي يواجهها المتهمون على ذمتها تتطابق مع القضايا التي تقرر السلطات إخلاء سبيل آخرين على ذمتها، وهو ما يعني أنّ المعيار الحاكم هو موقف السلطة السياسية والأمنية مِن شخوص مَن يتم إخلاء سبيلهم أو إحالتهم إلى المحاكمة”. 

أعلن محامي المفكر أحمد عبده ماهر، أنه سيتقدم بالتماس إلى رئيس الجمهورية على الحكم ضد موكله، بهدف إلغائه أو حفظ القضية، وفقاً لصلاحيات الرئيس مع الأحكام الصادرة من محكمة أمن الدولة- طوارئ، وسيؤكد الموقف المتخذ تجاه الالتماس من مؤسسة الرئاسة المصرية، إن كانت محاباة الإسلاميين وإرضاؤهم على حساب القوى التنويرية منظماً ومقصوداً، أم أنه خطأ عابر في المنظومة…

لأدلة تشير إلى أنّ الأمر منظّم، وآلة قمع المفكرين والباحثين تعمل بكفاءة، ثم إن مقدرة الرئيس على إلغاء حكم قضائي، رغم عدم إلمامه بتفاصيل القضايا، تؤكد الفكرة، التي أشارت إليها مؤسسة حرية الفكر والتعبير، بشأن “موقف السلطة السياسية والأمنية” الذي يملك القرار النهائي بسجن المتهمين، أو إطلاق سراحهم.

لم يكن أحمد عبده ماهر، وهو يخط كتابه “إضلال الأمة بفقه الأئمة”، يعتقد أن الأمر سيجرّه إلى السجن، متهماً بازدراء الأديان، كان يعلم أن طيور الظلام ستلاحقه بالشتائم والويلات، لكنه من دون سجن.

 في صفحة متقدمة من الكتاب، وضع تلك النبوءة بقوله: “تتلمذت على أيدي بعض مدراء الوعظ وأساتذة الأزهر، ومع ذلك سأتعرض لويلات ونقد وسباب لا يستطيع منه بعض الفقهاء فكاكاً، فتلك عادتهم مع المخالف، أن يطعنوا في شخصيته، يكفروه، وألا يفندوا أطروحاته موضوعياً، فما رأيت منهم من يتخذ من الموضوعية منهاجاً إلا من رحم ربي، وهم قليل”.

إقرأوا أيضاً:

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
خولة بو كريم – صحافية تونسية
“حرية الصحافة مهددة، بخاصة أننا نعيش في حالة طوارئ، وزير الداخلية بإمكانه منع المنشورات عن الصدور وحتى منعنا من العمل بموجب قانون الطوارئ”.
Play Video
“العازة والفقر بيعملو هيك…”، بينما تُعتبر تجارة الكبتاغون أكثر القطاعات ربحية في سوريا، ازدهرت هذه التجارة في لبنان بعد تفاقم الأزمة الاقتصادية. تحقيق للقناة الرابعة البريطانية يكشف الخبايا.

2:03

Play Video
“كل ما أريده هو العودة إلى بلدي”… بعدما لم يعد البقاء في لبنان المنكوب خياراً بالنسبة للعاملات الأجنبيات، افترش بعضهن الأرض تحت مقرّ القنصلية الكينية مطالبةً بتسهيل أمورهن لمغادرة البلاد

2:45

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني