مهندس نفق “الحرية” محمود العارضة…
30 عاماً في الأسر ألا تبدو كافية؟

"محمود، قائد ومثقف ورياضي وعنيد، ولكنه إنسان له قلب يحلم كأي شاب بالحرية والزواج وأن تكون له أسرة ويعيش بسلام، لذلك وجب على كل المسؤولين التحرك للإفراج عنه؛ 30 عاماً في الأسر تبدو كافية"

“حاولت المجيء لأعانقك يا أمي قبل أن تغادري الدنيا؛ لكن قدر الله لنا غير ذلك، أنت في القلب والوجدان، وأبشرك بأنني أكلت التين من طول البلاد، والصبر والرمان وأكلت المعروف والسماق والزعتر البري، وأكلت الجوافة بعد حرمان 25 عاماً، وكانت في جعبتي علبة عسل هدية لك”، كانت هذه الكلمات بمثابة إعلان للعالم عن طعم الحرية الذي اشتهاه مهندس نفق الحرية محمود العارضة (46 سنة)، الذي يمضي حكماً مؤبداً و15 عاماً، في أول رسالة له، بعد إعادة اعتقاله في 11 أيلول/ سبتمبر الماضي.

“تنسمت الحرية، ورأينا أن الدنيا قد تغيرت، وصعدت جبال فلسطين لساعات، ومررنا بالسهول الواسعة، وعلمت أن سهل عرابة بلدي، قطعة صغيرة من سهول بيسان والناصرة”، يقول محمود.

محمود العارضة

ويضيف: “سلامي إلى كل الأهل والأصدقاء… وأنا هربت من السجن مشان أشوفكم وأنتم قلتم لي في الفيديو المصور مع أسينات أهرب يا خالي، وأنا عملت مثل ما بدكم”، كانت هذه الكلمات رسالة الأسير محمود الأخيرة إلى عائلته. ومحمود نسبت له قيادة عملية “الهروب الكبير”، من سجن جلبوع الإسرائيلي شديد التحصين الصيف الماضي، والتي أصابت إسرائيل بصدمة كبيرة.

ونجح العارضة، برفقة 5 معتقلين آخرين، جميعهم من سكان محافظة جنين شمال الضفة الغربية، بالفرار من السجن قبل أن يعاد اعتقالهم. العارضة ورفاقه استخدموا نفقاً، حفروه من داخل زنزانتهم للخروج من السجن.

“جرابات” أسينات وقميص محمود

تخبرنا هدى شقيقة الأسير محمود، وهي أيضاً أسيرة محررة، قصة “جرابات” أسينات وقميص محمود: “محمود، شديد التعلق بالأطفال، كان يقف عند باب السجن ويستقبل أولاد أخوتي بالأحضان والقبلات قبل أن تمنع السلطات الإسرائيلية عام 2000، اصطحاب الأطفال، إلا إذا كانوا أبناء الأسير، ومحمود غير متزوج”.

وتضيف بشغف: “طلب مني في إحدى المرات، أن أرسل له بلوزة ابني محمود، واشترط علي أن يلبسها ويلعب بها وتكون رائحة عرقه عليها”، تضحك ضحكة المنتصر، وتمضى في روايتها: “بالفعل، أدخلت البلوزة إلى محمود، على رغم منع دخول ملابس الأطفال والنساء إلى سجن الرجال، كما يمنع على الأسيرات إدخال ملابس رجال”.

“خلال فترة اعتقالي التي امتدت ثلاث سنوات ونصف السنة، سمح لمحمود بزيارتي لمرة واحدة في سجن تلموند، كان يطير من الفرحة، كان يلبس ساعة في يده، انتزعها بسرعة من يده وألبسني إياها، قبل أن يرانا الجنود، وأحضر لي عطراً وأقلاماً وألواناً”، لكن تم منعها، تتوقف للحظات، وتقول: “كادت الدمعة تسقط من عينيه لشدة قهره وقتها”.

“لكن مذ تزوجت في غزة عام 2011، لم أتمكن من زيارته، كانت هناك محاولة يتيمة عام 2019، وكان متلهفاً للزيارة، لم يتوقف عن السؤال طوال الطريق، أين وصلت؟ لكن الجنود عند حاجز في مدينة طولكرم، قاموا بإرجاعي، وحالوا دون لقائنا” بحسرة تقول هدى.

قبل الهروب بيومين… هل من أخبار عن صفقة؟

“محمود توأم روحي، ومخزن أسراره، فأنا أكبره بعام واحد، تجمعنا ذكريات النضال والمشاركة في التظاهرات في الانتفاضة الأولى عام 1987، قبل أن يعتقل للمرة الأولى وكان يبلغ 15 سنة، ليفرج عنه في إفراجات أوسلو عام 1996؛ ولكن لم تمض على حريته ستة أشهر؛ حتى أعيد اعتقاله، حتى انتزع حريته لأربعة أيام ثم أعيد اعتقاله حتى اليوم”.

“أتحدث مع محمود يومياً عبر الجوال، وآخر مكالمة كانت قبل هروبه من سجن جلبوع بيومين، كانت ضحكاتنا عاليةً جداً، أحاول أن أتذكر ما الذي كان يضحكنا؛ لكن من دون جدوى؛ لكنه سألني هل من أخبار عن صفقة؟ أخبرته أن هناك مفاوضات” تقول هدى.

 يوضح طارق عز الدين، وهو أسير محرر في صفقة شاليط عام 2011، ومدير إذاعة الأسرى في غزة، أن الأسرى يفكرون بالبحث عن حريتهم بكل الطرق والوسائل؛ لأن أملهم بإطلاق سراحهم ضئيل”.

ويقول عز الدين الذى التقى بالعارضة خلال سنوات سجنه التي امتدت أكثر من 10 سنوات، لـ”درج”، “محمود تربى على يد مجموعة من المطارين، عرفوا بالفهد الأسود، الذين كانت لهم صولات وجولات خلال الانتفاضة الأولى”.

وأضاف: “تشبع منهم الانتماء والحس الأمني العالي؛ لذلك أصبح على درجة عالية جداً في العمل الأمني والعسكري وامتلك إمكانات فذة، تقوده إلى عمليات جريئة؛ كالهروب من سجن جلبوع”. 

وأردف: ” لذلك عندما خرج محمود ورفاقه من باطن الأرض؛ لم يختبئ بكهف… إنما خرجوا لإصرارهم على نيل الحرية، فهذه المحاولة الثالثة للهروب لمحمود وثلاثة من رفاقه”.

543 أسيراً فلسطينياً… سجن مؤبد 

“يقبع في السجون الإسرائيلية حوالى 7400 أسير يتوزعون على 22 سجناً ومركز تحقيق إسرائيلي، منهم 543 أسيراً محكوماً بالسجن المؤبد لمرة واحدة على الأقل من بينهم 104 أسرى معتقلين بشكل متواصل لأكثر من 20 عاماً، وهناك 550 أسيراً مريضاً، و530 معتقلاً إدارياً (بلا تهمة، يتجدد الاعتقال كل 6 شهور)، و38 أسيرة و180 طفلاً قاصراً دون الـ18″، يقول حسن عبد ربه، المستشار الإعلامي لهيئة شؤون الأسرى والمحررين في السلطة الفلسطينية.

ويضيف، عبد ربه، لـ”درج”: “هناك 227 ضحية من الحركة الأسيرة، من بينهم 72 سقطوا بسبب سياسة الإهمال الطبي، ولا تزال جثامين 8 منهم محتجزة، أقدمها يعود  للأسير أنيس دولة من مدينة قلقيلية في الضفة الغربية منذ عام 1980”.

وأوضح أن هناك 253 شخصاً سقطوا بنيران إسرائيلية، ما زالت جثامينهم محتجزة في ما يُسمى بمقابر الأرقام، وما زال هناك 90 جثماناً محتجزاً منذ عام 2016، بعد انتفاضة الأفراد عام 2015، وذلك بقرار سياسي من الحكومة الإسرائيلية.

تقول الأرقام إن حوالى مليون فلسطيني، خاضوا تجربة الاعتقال، في جميع الأراضي الفلسطينية، منذ الاحتلال الإسرائيلي لفلسطين عام 1948.

من هو الضابط ساعر؟

“تخيلت الضابط المناوب ساعر، في زنزانة، فور سماعي بخبر فرار ستة أسرى من سجن جلبوع، لما عرف عنه من توحش في معاملة الأسرى، فهوايته كانت العبث في القوانين التي انتزعها الأسرى بإضراباتهم عن الطعام ونضالاتهم المستمرة”، هكذا وصف الأسير المحرر، هاني لحلوح من مدينة جنين (كان أسيراً لمدة 18 سنة في السجون الاسرائيلية)، الذي تم الإفراج عنه، مشاعره قبل معرفته بهروب الأسرى الستة.

ويوضح لحلوح لـ”درج”: “مستحيل أن يمر يوم في سجن جلبوع من دون حدث؛ يترتب عليه تنكيل وإهانة وإذلال للأسرى، فهذا الضابط المدعو ساعر، إذا تخلف أحد من الأسرى أثناء فترة العد الصباحية؛ لسبب طارئ كذهابه إلى الحمام، يقيم الدنيا ولا يقعدها، ناهيك بالتفتيش الليلي الذي يبدأ من السابعة مساءً حتى الثانية عشرة والنصف صباحاً”.

ويردف: “خلال عمليات التفتيش الليلي للقسم يتم إخلاء 8 غرف، ويتم تفتيش اثنتين فقط، وتقلب الغرف رأساً على عقب، إضافة إلى إزعاج الأسرى النائمين في منتصف الليل بتسليط الأضواء على وجوههم، وإهانتهم خلال زيارات الأهالي التي حرم منها الأسرى لستة أشهر قبل عملية الهروب، وسحب المكتسبات التي حققناها خلال الإضراب عام 2017”.

لكنه استدرك بالقول: “التوترات الداخلية ليست السبب الرئيس وراء هروب الأسرى الستة؛ لكن الهروب وتنسم الحرية، حلم يراود كل أسير، فمحمود لم تلمس قدماه التراب منذ 25 عاماً ويعقوب منذ 18 عاماً وأيهم منذ 16 عاماً”.

إقرأوا أيضاً:

ممنوع من الضوء

رسلان محاجنة، محامي الأسير محمود العارضة  يقول لـ”درج”، “بعد عملية الهروب تشكلت محاكمة داخلية في السجن؛ لفرض عقوبات مشددة على الأسرى الستة الذين هربوا وخمسة أسرى آخرين بتهمة مساعدتهم في الهروب، لافتاً إلى أن العقوبات شديدة جداً ولا يتحمّلها الإنسان العادي”.

“الأسير محمود، موجود حالياً في زنزانة انفرادية تحت الأرض في عزل أيالون في سجن الرملة، مساحتها تبلغ مترين في ثلاثة أمتار، والمرحاض داخلها وتتسع لفرشة رقيقة وحسب، وما من سرير، وهناك ثلاث بطانيات مُتسخة، لا يستطيع الأسير استخدامها في التدفئة؛ لقذارتها، ويمنع استخدام الأجهزة الكهربائية، والأكل سيئ جداً”، يصف محاجنة ظروف اعتقال محمود ورفاقه الـ11 الموزعين على سجون إسرائيلية من شمال البلاد إلى جنوبها على حد قوله.

وشدد على أن السلطات الإسرائيلية، تمنع محمود من “الكنتينة” أي الدكان الذي يشتري منه الأسير احتياجاته، بعد أن يدفع أهله ثمنها؛ لأنُ أكل السجن سيئ للغاية، ويبقى الأسير محروماً من زيارة أهله شهرين.

“ممنوع من وجود أي قلم أو ورقة أو كتاب أو راديو، وأي وسيلة للتواصل مع العالم الخارجي، يسمح له باقتناء مصحف وحسب. وعند خروجه ( للفورة) المشي، يخرج لوحده في ساحة ضيقة لا تدخلها الشمس، كما أن زنزانته بلا نوافذ ولا تدخلها الشمس ورائحتها نتنة”، يضيف محاجنة.

وللمفارقة، قال محمود للمحقق، عندما سأله عن طول النفق، “حفرنا حتى رأينا الشمس بلا قضبان”، واليوم إسرائيل تعاقبهم بمنعهم من رؤية الشمس.

وأكد أن الأسرى الفلسطينيين الـ11، يحاكمون بحسب القانون الإسرائيلي الذي يمنع الهروب ويعطي إدارة السجون حق معاقبتهم، ويمنح المحاكم المدنية حق تقديم لوائح اتهام بحقهم أيضاً، لافتاً إلى أن الأسرى الـ11 عوقبوا مرتين، مرةً من المحاكم المدنية، محكمة الصلح في الناصرة، ومرةً من دائرة السجون بتشكيل محاكم طاعة داخلية.

وتوقع أن تتراوح مدة محكوميتهم على تهمة الهروب من سنة إلى سنتين، مع العلم أن معظم الأسرى يمضون أحكاماً بالسجن المؤبد.

سلاح العزل… الإيمان والإرادة

هدى، شقيقة الأسير محمود، التي عايشت تجربة العزل الانفرادي، تؤكد “الأسير يحاول خلق أجواء تضفي جواً جميلاً على الزنزانة المعتمة كريهة الرائحة، باستغلال أي شيء، فعندما يتم إدخال ورق التواليت زهري اللون مع الأكل، حبة بندورة وشوكة بلاستك وعلبة لبن، كنت أقوم بتنسيق ورق التواليت على شكل وردة وأضع حبة البندورة وفوقها الشوكة” تروي هدى.

“نتحدث مع كل كائن في الغرفة، يمكن أن نتعايش من الفئران والصراصير والذباب ونحدثها، فالأسير يمضي شهوراً لا يرى خلالها بشراً”.

العمل الوظيفي يؤخر قضية الأسرى

طارق عز الدين، يقول: “أعادت عملية جلبوع، قضية الأسرى إلى سلم الصدارة؛ خصوصاً الأسرى المحكومين بالأحكام المؤبدة الذين يبحثون عن الحياة بكل السُبل؛ إنما هناك ضعف في التفاعل مع قضيتهم”.

وشدد على أن هناك فرقاً بين العمل الوظيفي في المؤسسات التي تعنى بقضيتهم، وبين من يحمل قضيتهم في قلبه ويخدمها بكل الأساليب على مدار الساعة.

ودعا إلى ضرورة وضع آليات تليق بمستوى تضحياتهم؛ لأن نضالاتهم داخل السجون لعشرات السنين، كانت السبب وراء وجود السلطة أو الفصائل الفلسطينية، وشدد على ضرورة تبني استراتيجيات خلاقة في تناول قضيتهم عبر مخاطبة العالم بلغات عدة، ليس للدفاع عن الأسرى وحسب، بل لفضح إسرائيل وممارساتها اللاإنسانية. 

تقول هدى: “محمود، قائد ومثقف ورياضي وعنيد، ولكنه إنسان له قلب يحلم كأي شاب بالحرية والزواج وأن تكون له أسرة ويعيش بسلام، لذلك وجب على كل المسؤولين التحرك للإفراج عنه؛ 30 عاماً في الأسر تبدو كافية”.

إقرأوا أيضاً:

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
“درج”
بالمقارنة مع جرائم النظام الأخرى، قد يبدو تزوير شهادات جامعية مسألة بسيطة، لكنها ليست كذلك. لأنها تقتل مستقبل التعليم في سوريا، وتحيل أجيالاً إلى الاتكالية والفشل وتصنع نظاماً تعليمياً قائماً على التزوير والفساد.
Play Video
باستخدام أدوات تكنولوجية مختلفة، كالقصص التفاعلية وتقارير 360 درجة ومقاطع فيديو ورسوم متحركة، استطاعت منصة Tiny Hand تغطية المعاناة والأثر الذي تتركه الحرب على الأطفال وايصالهما الى العالم.

4:41

Play Video
الكاتبة في قضايا الجندر والجنسانية والناشطة اللبنانية غوى أبي حيدر والناشط السياسي الكويري ضومط قزي الدريبي ضيفا هذه الحلقة من بودكاست “نون” للحديث عن المثلية الجنسية وتصاعد الحملات المعادية لها في الآونة الاخيرة. المحزن ان ملاحقة العلم او الراية بات يشبه حملات مطاردة الساحرات في منطقتنا. تكثر الاخبار من حولنا عن سحب رواية، منع فيلم، مطاردة شعار، ومصادرة ألعاب أطفال لأنها تحمل ألوان قوس قزح، فضلا عن خطابات التحريض والكراهية والملاحقات القانونية والوصم الاجتماعي، وهو ما تكرر في أكثر من دولة بذرائع أخلاقية ودينية. غوى أبي حيدر وهي ناشطة وكاتبة في قضايا الجندر والجنسانية. كتبت سلسلة مقالات عن انتحار الناشطة المصرية سارة حجازي قبل عامين بعد ان سجنت بسبب رفعها علم قوس قزح/ شعار مجتمع الميم وتم اضطهادها ونفيها بسببه الى ان انتحرت. اما الناشط السياسي ضومط قزي الدريبي، فقد شارك في كثير من نشاطات الحراك الاعتراضي السياسي في لبنان في السنوات الاخيرة، لكنه واجه حملات ضده مستغلين هويته الجنسية.

51:48

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني