البقاء للأجمل:
مظهرنا الحسن سلعة لمن يملك ثمنها

أشاهد فيديو نجيم مراراً ويدهشني عدد الإعجابات وأفكر بالنساء والرجال الذين يمنعهم وضعهم الاقتصادي من تحمل عبء تكاليف جلسات الشد والشفط واللايزر. مثلما يعجز وضعهم النفسي عن تحمل ثقل التوقعات.

انتشر في الفترة الأخيرة فيديو على مواقع التواصل الاجتماعي عن رد الممثلة اللبنانية نادين نجيم على سؤال يتطرق إلى “سر جمالها”، فحسمت نجيم الموضوع “مش رح قلكن اشربوا مي واعملوا ورياضة اعملوا بوتوكس وفيلر… وخلصنا!” داعية النساء إلى تدليل أنفسهن ليبدين “أجمل”. 

لاقى الفيديو مديحاً لما اعتبره كثيرون عفوية وشفافية من نجيم، في عالم يجلد النساء من جهة إذا ظهرت على محياهن ملامح الكبر، ويؤنبهن، من جهة أخرى، إذا خضعن لعمليات تجميل مادحاً الجمال الطبيعي “الذي يدوم إلى الأبد”. 

اعتراف نادين بجميل البوتوكس والفيلر أمر بدهي فالتغيير بملامح وجهها واضح. كما أصبح واضحاً ميل المشاهير نساء ورجالاً للتصريح بعمليات التجميل التي يقومون بها بعدما كان معظمهم ينكرها، لتمجيد المجتمع الجمال الطبيعي، فأمسى الاعتراف بنظر الجمهور عفوية وصراحة ونصحاً محبذاً، بعدما كان كرهاً للذات وحباً لتسوية منتحَل بمنتحِل. 

كان يعز على المجتمع الاعتراف بتبنيه مقاييس الجمال التي تروجها وسائل الإعلام وشركات الموضة والمستحضرات التجميلية عالمياً، منادياً بجمال الروح والأخلاق. أما الآن، فلم نعد بحاجة إلى حجج بالية لتبرير لجوئنا إلى أطباء التجميل بما أن الكثير من المشاهير، أخيراً، كسروا سطوتي التأنيب والتعييب واقتران جمالهم بالزيف عبر جرأة الاعتراف بإجرائهم عمليات تجميل. مثلت هذه الخطوة كسراً لحاجز تبرير الإقدام على عمليات التجميل التي دائماً ما ترافقت مع عمليات تجرى لأسباب صحية، قبل أن تطبع تغييرات أحدثتها إبرة أو مشرط. 

 لكن هل يعد التحرر من التعييب المرفق بعمليات التجميل كافياً لجعل من يتأثر بالمشاهير راضياً عن شكله بعد خضوعه لتعديلات تجميلية؟ بالطبع لا. في الحقيقة، مواجهة ازدواجية النظرة العامة التي تمجد مقاييس الجمال المحصّلة عبر عمليات التجميل حصراً، ثم تتغنى بالجمال الطبيعي، تمثل حاجة جوهرية. 

لكن هذه المواجهة لا تكون عبر الاعتراف بإجراء عمليات التجميل وحسب بل تكمن بالتحرر من تنميط الجمال وجعله قالباً واحداً، يجمع أفراد المجتمع على اختلافاتهم وتغيراتهم. ليضع علامة لكل منا تقييماً لجمالنا بحسب تطابق اشكالنا مع شكل القالب الموحد، ناسياً تنوع الأشكال والاختلاف البيولوجي، ما يضع الجسد البشري أمام خيارين: 

الخيار الأول هو أن ينجح باختبار الجمال الموحد ما سيسمح لمن يمتلكه بالتطور في مهنته (بخاصة الفنية منها) لتتاح له فرص أكثر تفوق المهنة لتشكل نظرة إيجابية للمجتمع تجاهه. كما تمكنت الممثلة السورية شكران مرتجى من الحصول على أدوار تفوق دور الأم والشريرة والخالة، التي تعد أدواراً ثانوية لم تستطع تخطيها سابقاً، لتحصل على أدوار البطولة و”تترقى” لدور الحبيبة بعد “تطورها لا تغيرها”، بحسب تعبيرها، بفضل عمليات التجميل. وكذلك دُفع الإعلامي اللبناني طوني خليفة للخضوع لإبر البوتوكس ليخفي التجاعيد ويضمن مكانه على الشاشة وسط الجيل الجديد من الإعلاميين الذين لم تجعّد المهنة بشرتهم بعد.

أما الخيار الثاني، فهو أن يسقط القالب في امتحان الجمال بسبب الضيق الاقتصادي أو الخيار الفردي فيجبر صاحبه على تحمل “خذلان شكله لطموحاته” فيُستخدم شكله والتطور السريع للطب ضده، إذ يخسر تأهيله للعب دور البطولة الذي غالباً يعتمد على جمالي الموهبة والشكل بدرجات طفيفة التفاوت. كما قد تخسر إحدى الفتيات حقها بأن تتصالح مع جسدها من دون تعديله أو، بأبسط الحالات، أن تشاهد التلفزيون وتعجزعن الشعور بأن بطلة المسلسل تمثلها وأنها، مثل البطلة بالضبط، تستحق الحب لعفوية جمالها مهما اختلفتا شكلاً، فالاختلاف يخسر معناه الأساسي ليصير مرادفاً للفوقية الجمالية إذ يرتبط معنى الجمال بطبقة اجتماعية أعلى تمكن النساء والرجال سواسية من دفع ثمن الجمال. 

هذه الامتيازات، التي لا يحظى بها أغلب أفراد مجتمعاتنا إن لم نقل العالم، هي نتيجة حتمية لتقسيم النساء والرجال بحسب درجة جمالهم وتكون الغلبة للأجمل فيُخلق صراع على الجمال، لربط قيمتهم بمعيار جمالهم، بيد أن مهنهم واختياراتهم قد لا تتطلب الجمال، الذي يظل العامل الأقوى والأكثر تأثيراً على ديناميات الانتقاء. إذاً، تطرح علينا بقوة معادلة مفادها أن البقاء للأجمل. البقاء في علاقات غرامية صحية والبقاء في صداقات داعمة، كما أن البقاء في الوسط الفني يُبنى دائماً على أساس الجمال. وبذلك يستحق الجميل، أي من يمتلك المعايير الجمالية السائدة، التضحية والتعاطف والوفاء لتسقط أحقية هذه القيم عن الأقل جمالاً، وفق المعايير السائدة. 

أشاهد فيديو نجيم مراراً ويدهشني عدد الإعجابات وأفكر بالنساء والرجال الذين يمنعهم وضعهم الاقتصادي من تحمل عبء تكاليف جلسات الشد والشفط واللايزر. مثلما يعجز وضعهم النفسي عن تحمل ثقل التوقعات فينهكون بمحاولات سد الفجوة بين المدخول المحدود والمتطلبات اللانهائية التي يخلقها الإعلام يومياً ويكرسها المجتمع عبر أدوات عدة، تشمل مشاهير شقوا طريقهم إلى الشهرة عبر مسابقات ملكات الجمال، ليجعل منهم “أشخاصاً مثيرين”، أو في أسوأ الأحوال، جميلين وحسب. أما الذين لا يملكون ما يكفي من المال ليكونوا في مجموعة “المثيرين” أو حتى مجموعة “الجميلين وحسب” فيعلقون في براثن شفقة المجتمع المتمثلة بعبارات رثة يتبادلها الناس على هواتف محمولة.

تعميم مقاييس الجمال أعلن انتهاء زمن نسبية المظهر الحسن ليحدد برموز وأشخاص لن يكونوا جميلين إلا وفق معدّل يشق طريق النساء والرجال، لكنه يطاول النساء بشكل أكبر، نحو ثقافة استهلاكية تقتضي احتكار الجمال لدى الطبقات الاجتماعية العالية التي تملك ثمن الجمال بذريعة “إن جعلتك عمليات التجميل ترضى عن نفسك، فاخضع لها”. وبذلك تختصر نظرة النساء والرجال الى أنفسهم بإبرة تكبر الشفاه أو تشد الوجه فتزيد الرضا عن النفس. هذه النظرة إلى الجسد البشري لكلا الجنسين لا تكتفي بتحقيق الربح عبر تلقين الناس كره الذات والاعتقاد بأنهم بحاجة ملحة للتحسين، بل أيضاً تخلق اقتصادات تقتات على انعدام الثقة بالنفس مولدة مختصين بالجمال والتغذية واللياقة بدنية، مغذية سياحات طبية يقوم بها كثيرون بغية القيام بـ”تعديلات طفيفة”. 

تتخطى مقاييس الجمال الربح المادي لتشكل جندراً أنثوياً قائماً على الجمال كصفة تلصق بالنساء وغالباً ما تترافق مع صفات أخرى “جمالية” كالنعومة والأناقة و”الشياكة”، التي تتحقق باستهلاك آخر في الأسواق أو المتاجر الإلكترونية.

نجدنا نُجبر على الاستهلاك للمحافظة على أنوثة رثة خلقتها ثقافة استهلاك لم نخترها قط بل تلقّنا بها بسيرورة اجتماعية حددت ألعابنا الوردية ولغة جسدنا الخجولة وهواياتنا التي غالباً ما تتضمن الاعتناء بأنفسنا لنكون جديرين بلقب “امرأة”، مؤكدين مقولة سيمون دو بوفوار “لا نولد نساء بل نصبح نساء”. 

تكتسب من تملك رفاهية الأنوثة اللقب المترافق مع جميع امتيازاته. بينما يسقط عن أخريات يجبرن على العمل والتضحية بجمالهن الذي ولدن فيه فيكنّ أقل أنوثة وجمالاً. يتمركز الاهتمام بظل العقلية الاستهلاكية للأنوثة لدى قلة من النساء بينما يبقى للأخريات بيت شعر يردده المجتمع عن الجمال الذي لا يكون بأثواب تزيننا بل بالعلم والأدب. 

كما تشكل جندراً ذكورياً قائماً على نقيض الجندر الأول فيتمثل بالقوة والشجاعة والبسالة التي غالباً ما تقترن بعضلات مفتولة وأناقة “رجولية” وسلطة، يؤمنها المال غالباً ويضمن القوة الجسدية المتمثلة بالعضلات، ويؤمن الأناقة المتمثلة بالرفاهية. ذلك ما يفرغ الرجولة من معنى مستقل عن سطوة المال لتحصره عند أقلية، مسلعة هويات كثيرين الجندرية عبر قواعد موحدة تلغي الفروقات، مؤكدة أن السطوة الاقتصادية تجمع الجمال للجنسين رغماً عن الاختلافات، وغيابها يعني عدم استحقاق صفة الجمال وما يرافقها من امتيازات.

إقرأوا أيضاً:

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
“درج”
بالمقارنة مع جرائم النظام الأخرى، قد يبدو تزوير شهادات جامعية مسألة بسيطة، لكنها ليست كذلك. لأنها تقتل مستقبل التعليم في سوريا، وتحيل أجيالاً إلى الاتكالية والفشل وتصنع نظاماً تعليمياً قائماً على التزوير والفساد.
Play Video
باستخدام أدوات تكنولوجية مختلفة، كالقصص التفاعلية وتقارير 360 درجة ومقاطع فيديو ورسوم متحركة، استطاعت منصة Tiny Hand تغطية المعاناة والأثر الذي تتركه الحرب على الأطفال وايصالهما الى العالم.

4:41

Play Video
الكاتبة في قضايا الجندر والجنسانية والناشطة اللبنانية غوى أبي حيدر والناشط السياسي الكويري ضومط قزي الدريبي ضيفا هذه الحلقة من بودكاست “نون” للحديث عن المثلية الجنسية وتصاعد الحملات المعادية لها في الآونة الاخيرة. المحزن ان ملاحقة العلم او الراية بات يشبه حملات مطاردة الساحرات في منطقتنا. تكثر الاخبار من حولنا عن سحب رواية، منع فيلم، مطاردة شعار، ومصادرة ألعاب أطفال لأنها تحمل ألوان قوس قزح، فضلا عن خطابات التحريض والكراهية والملاحقات القانونية والوصم الاجتماعي، وهو ما تكرر في أكثر من دولة بذرائع أخلاقية ودينية. غوى أبي حيدر وهي ناشطة وكاتبة في قضايا الجندر والجنسانية. كتبت سلسلة مقالات عن انتحار الناشطة المصرية سارة حجازي قبل عامين بعد ان سجنت بسبب رفعها علم قوس قزح/ شعار مجتمع الميم وتم اضطهادها ونفيها بسببه الى ان انتحرت. اما الناشط السياسي ضومط قزي الدريبي، فقد شارك في كثير من نشاطات الحراك الاعتراضي السياسي في لبنان في السنوات الاخيرة، لكنه واجه حملات ضده مستغلين هويته الجنسية.

51:48

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني