“فضيحة” … بجلاجل

يوم جربت مريم ركوب دراجة ابن الجيران، صرخت بها أمها، "يا فضيحة مو ناقصنا مصايب"، وأجبرتها على ترك الدراجة وأدخلتها البيت لتنشر الغسيل...

“اسمي مريم، مطلقة، عمري 24 سنة، لدي طفلة في الخامسة”، تمزق مريم الورقة التي كتبتها تعريفاً بنفسها للتسجيل للحصول على سلة إعانة أو لتستفيد من إحدى خدمات الدعم المذكورة في تعريف الجمعية التي تعنى بشؤون النساء الوحيدات.

تحاول الهرب من عبارة مطلقة، عبارة تدفع ثمنها دوماً، تشكيك بسبب الطلاق، محاولات للتحرش، أو إغراقها بعروض زواج من رجال متزوجين أو كبار في السن، أو بلا وثائق تثبت الزواج، زيجات بالسر أو يشترط العريس المغرور سكن الزوجة الجديدة مع الزوجة الأولى أو بقية الزوجات، زيجة من أجل المتعة فقط والمقصود هنا إمتاع الزوج، بحيث تتحول الزيجة إلى  جدول مواعيد ثابتة للزيارات الزوجية، إما لأن الرجل لا يملك منزلاً، أو لأنه يخفي زواجه عن عائلته، أو هرباً من مسؤوليته تجاه منزل الزوجية ونفقات الزوجة وأطفالها لاحقاً…

ماذا سيحصل إن تجاهلت كلمة مطلقة؟ سيتجاهل الكومبيوتر طلبها كاملاً وكأنه لم يرد أبداً، لأنها ستصبح حينها خارج دائرة الطلبات المشمولة ببرامج الجمعية، فكرت قليلاً، تتنازعها رغبة عارمة بالتوقف عن تعبئة الاستمارات لكل هذه الجمعيات كثيرة العدد وقليلة الفائدة.

عن أي طلاق ستخبرهم؟ الأول؟ أم الثاني؟ أم الأخير؟ كل واقعات الطلاق تمت من بعد، آخرها كان عبر رسالة على الواتس، وأولها تبلغته عبر مختار المخيم، أما الثاني فقد علمت به عندما ذهبت لتسجل ابنتها في قوائم الرضع حديثي الولادة والمحتاجين لعلب حليب مجفف، بعد تعذر الرضاعة الطبيعية، يومها قال لها الموظف إن اسمها مشطوب من قائمة زوجها العائلية، وعليها إحضار أوراق جديدة للحصول على علبة حليب. 

بعد كل طلاق كانت أمها تبكي وتصرخ وتشتم ابنتها بدل مواساتها، “أنت فضيحة منذ يوم ولادتك”، يوم ولدتها أمها طافت المدينة بالمطر، في سيارة السوزوكي نقلوها إلى أقرب مستشفى حكومي، تحت الجسر المؤدي إلى هناك تعطلت السيارة وغرقت عشرات السيارات بالسيول، بسبب سوء رداءة مجاري الصرف الصحي. ولدتها أمها في صندوق السيارة، وهي تروي الحادثة بطريقة مختلفة وتقول: “ولادتك كانت فضيحة مجلجلة، كنت مكشوفة أمام عيون الناس الذين احتجزوا تحت الجسر في نفق يطوف بالمياه”، تدخلت ممرضة محتجزة مثلهم لمساعدتها بالولادة، ولفوا الطفلة  الصغيرة التي ولدت زرقاء من دون صرخة الخلاص، بـ”جاكيت” تبرعت به إحدى السيدات. لأن حقيبة ملابسها وغطاءها غرقا في المياه.

يوم جربت مريم ركوب دراجة ابن الجيران، صرخت بها أمها، “يا فضيحة مو ناقصنا مصايب”، وأجبرتها على ترك الدراجة وأدخلتها البيت لتنشر الغسيل، لازمها اسم “فضيحة”، لدرجة أيقنت معها وكأن أمها نسيت اسمها الحقيقي، ولازمتها الممنوعات المتزايدة يوماً فيوم.

 في زواجها الأول فرحت بخاتم الزوج والفستان الجديد، تزوجت رجلاً طلق زوجته لأنها لم تنجب، كان هاجسها الأساسي هو الإنجاب كي لا يطلقها زوجها وتستجلب فضيحة جديدة لأهلها وتعود إليهم مكسورة ذليلة.

سيطر عليها هاجس الحمل، وأرهقها الحمل المبكر إذ كانت في الخامسة عشرة، ولدت طفلتها ضئيلة الحجم بوزن لا يتجاوز كيلوغرامين، قالت لها أمها: “فضيحة وجابت فضيحة”، صمتت، بكت، ضمت طفلتها ووعدتها بأن تكون أماً حقيقية. عانت طويلاً من تبعات جسدها الهزيل، ومن احتياجات طفلة تعاني من نقص بالوزن ومن سوء التغذية ومن تهديد شديد بنقص في النمو، ستسجلها في المدرسة عندما تكبر، ستشتري لها دراجة، وتداعى سيل الأحلام الواخزة والمستحيلة…

قررت مريم أن تلعب لعبة وصفتها بالذكية، ستكتب في خانة الحالة العائلية: أرملة!

داهمها سيل من قصص الأرامل والتحرش بهن واستغلال أوضاعهن المادية والاجتماعية وحاجتهن مع أطفالهن للمأوى والغذاء والدواء، لكن أحداً لن يسألها عن سبب ترملها، الموت من عند الله، ولا علاقة للبشر به، لن يتهمها أحد بخيانة زوجها، أو أن بعلها طلقها لأنه يعوف جسدها، ولن يهمس أحدهم بأنها قليلة التربية، أو لا تتقن أعمال المنزل، أو أنها بشعة أو وسخة… والى آخره من الاتهامات الجاهزة، التي غالباً ما تكون مدخلاً للتحرش أو لاشتراط تقديم خدمات جنسية مقابل أي مساعدة…

لكنها وبدافع الخلاص من سجالات مرهقة ومهينة، كتبت في خانة الحالة العائلية: أرملة، وجاءها الرد صاعقاً: يرجى إرفاق وثيقة الوفاة، ادعت انها لا تملكها لتعذر الحصول على تقرير طبي يثبت الوفاة، اعتذروا منها، وأتبعوا الاعتذار بقرار طي اسمها من قائمة المستفيدات.

في الصباح وعلى صنبور المياه المركزي التقت بزوجة شاويش المخيم الجديدة، بروح باردة ولهجة ثقيلة قالت لها: “ما بتشبعي فضائح؟ اشكري ربك أن زوجي لم يعلمهم بحقيقة أنك مطلقة ثلاث مرات!”، وأكملت بزهو مبالغ به: “ما بتعرفي أنو زوجي عضو مقرر بلجنة قبول الطلبات؟”.

إقرأوا أيضاً:

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
خولة بو كريم – صحافية تونسية
“حرية الصحافة مهددة، بخاصة أننا نعيش في حالة طوارئ، وزير الداخلية بإمكانه منع المنشورات عن الصدور وحتى منعنا من العمل بموجب قانون الطوارئ”.
Play Video
“العازة والفقر بيعملو هيك…”، بينما تُعتبر تجارة الكبتاغون أكثر القطاعات ربحية في سوريا، ازدهرت هذه التجارة في لبنان بعد تفاقم الأزمة الاقتصادية. تحقيق للقناة الرابعة البريطانية يكشف الخبايا.

2:03

Play Video
“كل ما أريده هو العودة إلى بلدي”… بعدما لم يعد البقاء في لبنان المنكوب خياراً بالنسبة للعاملات الأجنبيات، افترش بعضهن الأرض تحت مقرّ القنصلية الكينية مطالبةً بتسهيل أمورهن لمغادرة البلاد

2:45

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني