ما القصة من وراء تخلي نظام الأسد عن مفتيه وتعيين آخر ؟

فوجئنا، نحن السوريين، بصدور بيان عن المجلس الإسلامي يعلن عن انتخاب المفتي الجديد، من دون أن ندري كيف أجريت الانتخابات، وكيف تمّت المداولات، وهل كان هنالك مرشحون آخرون للمنصب، وكم عدد الأصوات التي فاز الشيخ الرفاعي بها.

طرَدَ بشّار الأسد مفتي الجمهورية من منصبه، كما يرمي منديلاً مستهلكاً، ثمّ رأى أن ذلك حسن، فألغى المنصب برمّته. وبدلاً من مفتٍ، عيّن مجلساً بقضّه وقضيضه ليتولّى المهمّة، وأضاف إليه ممثّلِين عن كلّ المذاهب، ثمّ طعّمه بخمس نساء عالمات. 

لست من عشّاق رجال الدين، والعلاقة بيننا في أحسن أحوالها باردة، فلا أنا أستسيغهم ولا هم يستسيغونني، على رغم أن بعضهم شرفني بصداقته، كالشيخ جودت سعيد والشيخ المغدور معشوق الغزنوي، كما شرفني بعضهم بالنصح والرأي السديد كالدكتور محمد حبش وزوجه السيدة أسماء كفتارو. 

ومع ذلك، فإن من واجبي كعلماني أن أدافع عن منصب مفتي البلاد. العلمانية في جوهرها فكرة تُحوّل النقاش من مركزية الله إلى مركزية الإنسان، وتُسيِّد مبدأ حيادية الدولة تجاه كلّ الأديان وتفصل بين مؤسسات الدين ومؤسسات الدولة، فلا تجعل للأولى دالّة على الثانية، ولا تترك للثانية سلطة على الأولى إلا حين تصل الأمور لتمسّ مبدأ سيادة القانون. وبالتالي فإن على العلمانيين أن يبرزوا الآن لتوضيح هذه النقطة المهمة من خلال حق المؤمنين في أن يكون لهم قادة دينيون.

ومن واجبي أيضاً بصفتي ديموقراطياً، أن أدين خطوة رئيس النظام. ذلك أن خطوة بهذا الحجم لا يمكن أن تتمّ من طريق مرسوم رئاسي، بل يجب أن يسبقها نقاش مجتمعي واسع، وأن يقرّها برلمان البلاد المنتخب. يسهل القول بالطبع: “الله يجعلها أكبر المصائب”، أو السؤال بسخرية “وقفت ع المفتي؟”، غير أن حقيقة أن هذا النظام المتسلّط في دمشق نظام فاشي وفاسد قتل وهجر وعذّب واعتقل نصف السوريين، ودمّر البيوت والمستشفيات والمدارس، وباع سيادة البلاد وأجّرها لداعميه، وأوصل السوريين إلى حافة المجاعة، لا تعني أن نغلق أعيننا عن انتهاك صارخ آخر لحقّ السوريين في تقرير ما يريدون وفعل ما يرتأون.  

لا ريب في أن الرجل الذي اختار لنفسه طواعية أن يكون “كركوز” النظام وممسحته، أحمد حسّون، يستحقّ بجدارة المصيرَ الذي آل إليه، بل يستحقّ في عالم مثالي أن يرسَل إلى المحكمة لتتمّ مساءلته عن جرائمه. غير أن هذا لا يقلل من أن الفعل الذي أتى به بشار الأسد لا يمكن إلا أن يكون مداناً باعتباره جريمة أخرى تقع على السوريين.

ولا يخفّف من هذه الجريمة اختيار مجلس علمي فقهي متعدّد المذاهب وفيه نساء، وهو أمر كان سيبدو حسناً لو كنا في عام 2011 أو قبله، عندما كنا نصارع رجال الدين في دمشق لدرء مشروع مغرق في المحافظة لتعديل قانون الأحوال الشخصية، وحين كان الأسد يقتسم البلاد مع الإسلاميين فترك لهم الثقافة والمجتمع لقاء أن يدعوا له الاقتصاد والسياسة والأمن. ولكن ما كان سيبدو خطوة إصلاحية قبل عقد من الآن، بات الآن مثار شكّ وريبة واستغراب. يشبه ذلك تعيين امرأة رئيسة لمجلس الشعب أو تعيين مسيحي بعدها في المنصب عينه، كان ذلك سيعتبر تقدماً حقيقياً قبل الثورة، ولكنه ينحدر الآن ليغدو محاولة يائسة أخرى لتصوير النظام على أنه علماني يؤازر المرأة ويحمي الأقليات.

ويبقى السؤال قائماً: لماذا تخلّى الأسد عن الحسّون الذي كان يغرّد وفق نوتاته الموسيقية ويلتزم بتوجيهات الأجهزة الأمنية من دون نقاش ولا تذمّر. يعتقد بعض النقّاد أن في ما حصل تهميش جديد للسنة السوريين لمصلحة الشيعة والعلويين، وقال آخرون إن غضبة الأسد كانت بسبب تفسير المفتي الغريب والمثير للدهشة للسورة 95. لا أتفق مع الرأيين، بل يحلو لي أن أتخيل أن الأسد ما كان سيجد شخصاً يضعف السنةّ السوريين أكثر من السنّي الحسّون الذي تربطه بإيران و”حزب الله”، صلات قوية لا تخفى على أحد. ولو طابت لي المبالغة لقلت إن الإطاحة بالحسّون ربما جاءت بسبب مغالاته في الولاء لإيران والأجهزة الأمنية المرتبطة بها. أما تفسيره المريض للسورة 95 (التين) فلا أحسب أن الأسد قد استاء من محاولة أخرى لتمجيد سوريا “المفيدة” التي يحكمها وبالتالي تمجيده شخصياً. 

إقرأوا أيضاً:

الفرصة الضائعة

ما إن أصدر الأسد قراره بإزالة منصب مفتي البلاد، حتى سارع إسلاميو المعارضة إلى انتهاز الفرصة في ما اعتقدوا أنه خطوة ذكية، بانتخاب رجل دين معروف بتشدّده ومحافظته وعدائه للمرأة، هو الشيخ أسامة الرفاعي. ليس سيئاً أن ينتهز معارضو الأسد خطوة غبية ارتكبها الأخير، ولكن كان يؤمل أن يأتوا بحلّ أفضل من حلّ الأسد نفسه. ولئن كان الحسّون عامل تفرقة بين السوريين وبوقاً للنظام ومنفذاً لرغبات الأجهزة، فلعل ما كان يحتاجه السوريون سُلطة تجمع بين السوريين ولا تخيف جماعات منهم. على أن تلك كانت فرصة ضائعة، كما وصفها الدكتور محمد حبش. 

لم تكد تمرّ أيامٌ أربعةٌ على إلغاء الأسد لمنصب المفتي، حتّى اجتمع المجلس الإسلامي السوري في إسطنبول وأعلن انتخاب الشيخ أسامة الرفاعي مفتياً عاماً “للجمهورية العربية السّورية”. وفوجئنا، نحن السوريين، بصدور بيان عن المجلس الإسلامي يعلن عن انتخاب المفتي الجديد، من دون أن ندري كيف أجريت الانتخابات، وكيف تمّت المداولات، وهل كان هنالك مرشحون آخرون للمنصب، وكم عدد الأصوات التي فاز الشيخ الرفاعي بها. 

اجتمع المجلس سرّاً، وناقش سرّاً وانتخب سرّاً، وكأنه جمعية باطنية سرية. حتى محافل الماسونية في العالم صارت مفتوحة إلى حدّ ما، فلماذا السرية وعدم الشفافية؟ قبل الأسد الابن، كان مفتي الجمهورية يتمّ اختياره بالانتخاب من قبل هيئة ناخبة تضمّ مفتي المحافظات والقضاة الشرعيين وأعضاء مجلس الإفتاء الأعلى ونقيب الأشراف. وأجريت آخر عملية انتخاب للمفتي في 1963، إثر تقاعد الشيخ أبو اليسر عابدين. يومها تنافس مفتي دمشق أحمد كفتارو، شيخ الطريقة النّقشبنديّة آنذاك، والشيخ المحافظ حسن حبنّكة الميداني. وفاز كفتارو بفارق صوتٍ واحد فحصل على 18 صوتاً مقابل 17 صوتاً لحبنّكة. وعاش كفتارو طويلاً، حتى نسيَ السوريون الاقتراع والانتخاب والديموقراطية والحرية، وألغى نور الدين الأتاسي منصب نقيب الأشراف في نيسان/ أبريل 1970، قبل أشهر فقط من إلغاء رفيقه حافظ الأسد إياه شخصياً، ومات الأتاسي ومات حبنّكة ومات حافظ الأسد، وحين مات الرجل أخيراً، أقدم الأسد الابن على الخطوة الأولى من إلغاء منصب المفتي، بأن عينه بمرسوم، ثم خفّض ذلك لاحقاً فصار يعيّن بقرار من وزير الأوقاف.

رد فعل من نوع الفعل ذاته

جاء ردّ فعل المعارضة من نوع فعل النظام ذاته، فتمّ تعيين المفتي في الظلام، وبينما كان الحسون مفتي النظام، غدا الشيخ أسامة الرفاعي مفتياً للمعارضة، فسيس المنصب. منصب المفتي ليس سياسياً، وبالتالي لا يمكن اختياره أو انتخابه من قبل رجال دين معارضين أو موالين، ولا يمكن انتخابه في دولة أجنبية، تحتل جزءاً من أراضي البلاد. 

منصب المفتي يحتاج إلى أرض محررة ولها مرجعية واحدة ومعترف بها، وهذا غير متحقق، فليس في سوريا أرض محرّرة ذات سيادة، ولا من مرجعية سياسية وإدارية واحدة تحكم تلك الأرض. ولئن استطاع الرفاعي أن يخطب في عفرين فلم يكون قادراً على أن يخطب في منبج ولا في إدلب، ناهيك بدمشق.

ثّم جاء اللقب الرسمي ليزيد من تشوّش السوريين. يدرك من انتخب المفتي أن قسماً كبيراً من السوريين لا يريد إدراج كلمة “العربية” (الجمهورية العربية السورية) في اسم البلاد، وهو أمر تتمّ مناقشته بين أطراف المعارضة في المؤتمرات وفي هيئة التفاوض وفي اللجنة الدستورية، فلماذا المسارعة إلى اعتماد اسم لا توافق عليه بين السوريين؟

وآخر القول إن شخصية أسامة الرفاعي شخصية جدلية، وجزء كبير من السوريين لا يوافقون عليه بسبب آرائه الراديكالية وموقفه السلبي من المرأة، ولا يزال صوته حاضراً وهو يخطب في المؤمنين قبل أشهر، متّهماً منظمات المجتمع المدني، واصفاً النساء اللواتي يعملن فيها بأنهن “مجنَّدات من الأمم المتحدة والغرب”، وقال: «هناك نساء من أبناء جلدتنا ويتكلمون بلغتنا، بل هم من أبناء بلدنا ومدننا. يأتون مجنَّدات من قبل الأمم المتحدة وغيرها”. 

جماع القول إن تعيين الرفاعي مفتياً على سوريا لن يكون ذا شأن حقيقي، سوى كونه سيقسّم السوريين المقسّمين أساساً، في وقت نحن أحوج ما نكون إلى التوافق وتقريب وجهات النظر. على أنك قد أسمعت لو ناديت حياً. 

إقرأوا أيضاً:

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
خولة بو كريم – صحافية تونسية
“حرية الصحافة مهددة، بخاصة أننا نعيش في حالة طوارئ، وزير الداخلية بإمكانه منع المنشورات عن الصدور وحتى منعنا من العمل بموجب قانون الطوارئ”.
Play Video
“العازة والفقر بيعملو هيك…”، بينما تُعتبر تجارة الكبتاغون أكثر القطاعات ربحية في سوريا، ازدهرت هذه التجارة في لبنان بعد تفاقم الأزمة الاقتصادية. تحقيق للقناة الرابعة البريطانية يكشف الخبايا.

2:03

Play Video
“كل ما أريده هو العودة إلى بلدي”… بعدما لم يعد البقاء في لبنان المنكوب خياراً بالنسبة للعاملات الأجنبيات، افترش بعضهن الأرض تحت مقرّ القنصلية الكينية مطالبةً بتسهيل أمورهن لمغادرة البلاد

2:45

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني