عن والدة إسراء التي انتشلت طفلتها
من تحت تراب الذكورية

حكاية الطفلة إسراء تشبه مئات الحكايات التي تصادفنا في وحشة أيامنا، السيناريو نفسه، والآباء التجار أنفسهم، يبيعون فتياتهم بأثمان بخسة، مقابل مهر عال، أو منزل ضخم، وأحياناً، مقابل لا شيء، سوى التخلص من المسؤولية.

أقلّب وجه التلفزيون واستمع إلى صرخة محترقة تخرج منه: “جسدها غير مهيأ للزواج”، تصرخ الأم. كانت هذه العبارة الخارجة من روح أم مكلومة وموجوعة، كفيلة باختصار قصة تتكرر يومياً في العراق، وبسرد روتيني وإخراجٍ ممل كالعادة. لكنني ذهلت حين رأيت أم الطفلة تصرخ، وتبكي، وتناضل لإعادة طفلتها التي خطفها والدها. 

إسراء لا تتجاوز الثانية عشرة، والداها مطلقان، والحضانة لأمها، التي تمتلك أيضاً حق السفر من دون العودة إلى الأب. بدأت الحكاية حين اتجهت الفتاة لتمضية بضعة أيام مع والدها، لكنها لم تعد إلى أمها، كما لم تسجل حضورها في المدرسة الابتدائية التي حاولت الاستفسار عن سبب تغيب الطالبة من أمها، لتدرك نية الأب تزويج طفلته القاصر لمغتصبها، وهو شقيق زوجته، في محاولة لإخفاء الجريمة.

رغم منع القانون العراقي الزواج لمن هم دون الثامنة عشرة، إلا أن للعمائم رأياً آخر وهو القبول بسرقة طفلة من بين ألعابها ووضعها في فراش الزوجية! 

كيف تعيش القاصر في العراق؟ 

من حسن حظ الفتاة، أن أمها تساندها، لكن هذا الصوت الشجاع أشبه بصراخ في بريّة. وقد نشهد في حالات أخرى العكس تماماً، حيث ترغم أمهات بناتهن على الزواج، ويساعدن الآباء في ترويض الطفلة غير المقتنعة بلعبة الزواج. صديقتي دعاء هي إحدى ضحايا هذه الدوّامة المتخلّفة. فلم تمتلك أي سلطة أو قوة، تمكنها من إسكات “زن” أمها المؤيدة لفكرة الزواج من طاعن بالسن، يموت، لترث أملاكه وأمواله. لم تحلم دعاء بغير التخلص من المدرسة المتوسطة التي جاءت في فترة حرب السنتين الأهلية في العراق، لتأتي يومياً مع بقعة زرقاء جديدة في جسدها، كهدية من والدتها، لإرغامها على الزواج. كانت تقول: كلما شاهدت أمي وأبي في مكان واحد، أتمتم سوراً من القرآن، تحضيراً لما سأتلقاه من تهديدات ورفسات ولكمات، تردد ضاحكةً، بينما تتسلل الدموع إلى وجنتيها بلا هوادة.

أنهت دعاء عذابها، بضربة كبريت واحدة أحرقت نفسها وماتت.

لا إحصاء للألم 

لا أستطيع تخيل، كم من فتاة، تلقى مصير دعاء في هذه اللحظة التي اكتب فيها. منح العالم الافتراضي فرصة لتعبّر الناجيات والضحايا عمّا مررن به، إلا أنه لا يكفي لإنقاذ جميع النساء بطبيعة الحال، ففي بعض المجتمعات الريفية النائية لم تتمكن النساء للآن من الوصول إلى خدمة الإنترنت، ما يحرمهنّ منصات يروين فيها حكاياتهن. 

لا تملك الفتيات في تلك المناطق هواتف خليوية للاستنجاد بالعالم وسرد حكاياتهن. لا علاقات اجتماعية تشكل شبكة حماية لهن. لا صديقات ولا جارات، يشكين لهن، ولا أمهات شجاعات كأم إسراء. بهدوء وصمت وعزلة، يتم التعامل مع المرأة كأنها شخص غير مرئي، لا تُسأل عن رأيها، ولا يهتمّ أحداً لمشاعرها. يأمرونها: قومي بتجهيز نفسك، سيحضر “الخطابة”، تشاهدين عريسك يوم زفافك، وتتعرفين إليه بعدما تنجبي منه قبيلة، وستكون حياتك بمثابة قوقعة مغلقة على نفسها، ولو فكرت بمناقشة الأمر، أو حتى الايماءة برأسك، سنقتلك، ونقول: غسلنا عارها. 

والدة إسراء، في خضم بحثها عن صغيرتها ومطالبتها بعدم تزويجها لمغتصبها، قام المجتمع بمحاربتها بصور شخصية وتهديدها، بشرفها، لعلمهم، أن “الشرف” هو النقطة الحساسة والهشة التي يستطيعون تطويع النساء وترهيبهن من خلالها. 

إقرأوا أيضاً:

أنواع التجار 

ما الغاية من تزويج طفلة؟ التخلص من مسؤوليتها، التخلص من نفقتها؟ هل من أسباب أخرى؟ هو أشبه بتأجيل الوأد إلى وقت آخر. حكاية الطفلة إسراء تشبه مئات الحكايات التي تصادفنا في وحشة أيامنا، السيناريو نفسه، والآباء التجار أنفسهم، يبيعون فتياتهم بأثمان بخسة، مقابل مهر عال، أو منزل ضخم، وأحياناً، مقابل لا شيء، سوى التخلص من المسؤولية.

والد إسراء يقبع اليوم في السجن لمحاولته تزويج قاصر. يملك عقلية ذكورية شائعة في العراق، تجد دائماً من يبررها ويدعمها. لكننا لا نجد كل يوم في بلادنا والدة قوية كوالدة إسراء، قادرة على استعادة ابنتها من فم الوحش. فقد ضغطت السيدة بكل ما أوتيت من عزم وإصرار، وحرّكت الشارع ومنظمات المجتمع المدني معها، وأوصلت مناشدتها إلى رئيس الحكومة مصطفى الكاظمي، الذي أرسل قوة لتحرير ابنتها من خاطفيها، أهل زوجة الأب. 

حياة جديدة، وفرصة للحياة كُتبت لإسراء، بفضل الحاح أمها، وعدد من الناشطات والمنظمات، ولولا هذا الإلحاح، لبقيت إسراء دفينة الظلم الذكوري. لكن ما نحتاجه هو المزيد من الإلحاح دعماً لحقوق جميع العراقيات، أن يصل صوت الفتاة العراقية ولو كان مسجوناً في بئر، في صحراء، وأن يصنفها القانون ويعطيها حقها، وينتشلها من تحت تراب الوأد، فليس لكل المعنفات، والقاصرات المجبرات على الزواج، والدة، كوالدة إسراء. 

إقرأوا أيضاً:

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني

الأكثر قراءة

ميريام سويدان – صحافية لبنانية
لم يكن ليتخيّل أحد نهاية إجازته في بلدٍ ما بالسجن ثلاث أشهر بسبب حقيبة شبيهة بحقيبته، حملها من طريق الخطأ من على شريط الأحزمة في المطار. لكن ذلك قد يحصل في بلدٍ انهارت مؤسساته تدريجياً كقطع الدومينو. لقد حصل ذلك بالفعل في لبنان.
Play Video
قارب موت لبناني يودي بحياة عشرات الضحايا من السوريين واللبنانيين والفلسطينيين قبالة السواحل السورية، فقد انتشلت السلطات السورية جثامين عشرات الهاربين من عائلات كانوا على متن مركب هجرة غرق قبالة ساحل طرطوس، وتتواصل جهود البحث عن مفقودين بينهم نساء واطفال. المركب كان يحمل لبنانيين وسوريين وفلسطينيين. ما دلالات تلك المأساة التي تتفاقم في الأشهر الأخيرة. تعليق للصحافي حازم الأمين

4:10

Play Video
“خامنئي قاتل مهسا… إرحل”… بعد مقتل الشابة مهسا أميني على يد الشرطة بذريعة عدم التزامها بالحجاب القسري، توسّعت دائرة الاحتجاجات في مدن إيرانية وصدحت الأصوات المناهضة للنظام، إلا أن السلطات تُحاول قمعها عبر قطع الانترنت.

1:36

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني