فاشينيستا على طريقة البالة السوريّة

بعد انتقالي إلى بيروت رحت أسأل عن أماكن البالات، أدركت أن ولعي بها يتعلق بالعثور على قطعٍ فريدة تخصّني وحدي، فقطعة الثياب التي تجدها في البالة لن تجد سواكَ يرتديها.

في مكان ما من العالم تتابع النساء والفتيات بيوت الأزياء العالمية وآخر إصدارات الموضة. مواكبةُ الموضة هي أحد أكثر التفاصيل أهمية لكثيرات، لكن الأمر يبدو مختلفاً من حولي في سوريا، لا دور أزياء أو “براندات” مشهورة. الجودة ما زالت تهبط على عكس الأسعار، أمّا العلامات التجارية، إن وجدت، فتنتشر في الأحياء الفارهة، ثياب بأسعار قد تكلف رواتب أشهر، فحمالةُ صدر واحدة قد تساوي نصف راتبٍ شهريّ! على رغم هذا كله، ما زالت نساء وفتيات كثيرات يحاولن الحفاظ على أناقتهن وسط عالم يحرمهن أبسط حقوقهن. 

محمد “الستايلست” الخاص بي

أتابع كالكثير من الفتيات آخر إصدارات الموضة من خلف الشاشة، أحب تصاميم زهير مراد، أميل إلى الطراز القديم، وكلما رغبتُ بارتداء “ستايل” جديد توجهت إلى أحد محلات البالة في المنطقة الشعبية التي أقطنها. تعرفت إلى هذه البالة منذ انتقلت إلى منزلي الجديد، يبدو المحل من الخارج مكاناً اعتيادياً بخاصة مع موقعه الكائن في سوق للخضراوات، إلى جانبه اعتادت امرأة ريفية عرض منتجاتها الموسمية من الخضراوات والفواكه، إضافة إلى أجبانها وألبانها المنزلية التي تضعها داخل أوعية كبيرة في الهواء الطلق، يبدو المشهد ككل بعيداً تماماً من الموضة، لكن هنا بالتحديد أجد الموضة الخاصة بي، أجدها في أكثر الأماكن اعتيادية وعشوائية.

صاحب البالة يدعى محمد، شاب لطيف للغاية، علّمته السنوات الطويلة في التعامل مع الثياب المستعملة كيفية جذب الزبائن وفهم أذواقهم، مع الوقت بات محمد منسق الثياب الخاص بي، شاب في الثلاثينات من العمر، أسمر الوجه، يرتدي “شحاطة” في قدميه، ويضع حقيبة صغيرة حول خصره، يجمع داخلها ما يحصل عليه من مال خلال اليوم، أصابعه متسخة بغبار الثياب وحمالات الملابس، يساعده في العمل أخوه الصغير، صبي في الثانية عشرة، أخذ عن أخيه الدماثة وحسن المعاملة، عبودي كأخيه بات يفهم ذوقي في الثياب وكلما اخترت قطعة ثياب قال بفخر: “كنت عارف رح تاخديها”، حتى بات يحتفظ ببعض الثياب جانباً لحين قدومي أو مروري من أمام البالة.

تنانير “كاروهات”

 كلما بحثت عن طلبٍ محدد من الثياب ولم أجده في سوق الثياب الجديدة أو كان سعره مرتفعاً للغاية، ذهبت إلى محمد “منسق الثياب الخاص بي”، وطلبت منه ما أرغب فيه، محمد الذي صار يناديني لاحقاً صديقتي، وأظن أن الثياب المستعملة نجحت في جعلنا أصدقاء حقاً. محمد ليس بائعاً عادياً، لديه طبع لين وقدرة على مراضاة كل أنواع النساء، كأن التعامل الطويل مع الثياب البالية والممزقة وتلك التي لا تزال ورقتها عليها، جعلته يفهم النساء، والرجال أيضاً. أقف جانباً بينما تسأله امرأة ترتدي الخمار عن معطف طويل، يطلب منها العودة في الأسبوع المقبل. تمر امرأة أخرى، تسأله عن بالة الثياب الداخلية، يشير لها بالذهاب إلى محله الثاني وهو محل يقع على بعد أمتار من المحل الأول، يلتفت محمد إلي ويقول: “أمريني صديقتي”، أسأله عن تنانير تشبه تنانير عقود خلت، حيث قماش الخوخ والنقوش الكلاسيكية، يفكر قليلاً، ويقول: “أي أي طقيت بالة من يومين وطلع معي هيك شي بس بدهن كوي”، و”طق البالة” هو مصطلح يدل على فتح رزمة من الثياب المضغوطة والتي قد تزن مئات الكيلوغرامات والمضغوطة بشكل هائل لتصبح مساحتها أصغر قدر المستطاع خلال شحنها من دول العالم الأول. بحثت عن تلك التنانير في محلات الثياب الجديدة لكنني لم أجد أياً منها، وحده محمد قادر على إيجادها، محمد الرجل الذي يعرف ذوقي أكثر من كلّ الرجال الذين عرفتهم طوال حياتي، فهو يتذكر كلّ البالات التي “طقها”، وكل القطع التي كواها ورتبها، ويدرك على الفور ما أريده وكيف أخطط لارتدائه، إذاً يمكنني الآن ارتداء تنانير كما تلك التي في مسلسل anne with an e.

أعود في اليوم التالي وأجد التنانير بانتظاري، أنظر إليه من خلف أكوام الثياب وأقول: “أنت أعظم بائع بالة في العالم” فيضحك بخجل.

كم تتوقع سعر ما ارتديه؟

لا تصدق الصديقات أسعار الثياب التي أرتديها، فنظراً إلى الجودة العالية للقطع وتصاميمها الأنيقة والعصرية، يعتقدن أنها من الخارج أو محلات العلامات التجارية الشهيرة، استمتع بلعبة سؤالهن: “كم تتوقعن سعر ما ارتديه؟” ليجبن بأرقام عالية، فهنَّ لا يعرفن محمد ولا أسعاره الرخيصة، أحب رؤية الدهشة على وجوههن عندما أخبرهن أن سعر الفستان الذي أرتديه 4000 ليرة سورية أي نحو الدولار وبعض السينتات وحسب!

لا تصل بالات الأحذية والحقائب في الغالب إلى سوريا، أو يصل أقلّها جودة لذلك أعتمد على شرائها من المحال التجارية الجديدة، وبهذه الطريقة أخلق توازناً اقتصادياً في ما أنفقه على مظهري، وبالطبع لا أعتمد كلياً على شراء ثيابي من البالة إلا أنني اعتمدت عليها كثيراً حين كنت في سوريا. وبعد انتقالي إلى بيروت رحت أسأل عن أماكن البالات، أدركت أن ولعي بها يتعلق بالعثور على قطعٍ فريدة تخصّني وحدي، فقطعة الثياب التي تجدها في البالة لن تجد سواكَ يرتديها.

وبينما أستذكر كلّ تلك اللحظات العادية، أشعر بالامتنان للحظات الغرق في أكوام الثياب، تخيلها على جسدي، سؤال محمد كيف تبدو عليّ. محمد مرآة المناطق العشوائية والثياب المستعملة والناس العراة، محمد الذي يخجل من اللحاق بامرأة سرقت قطعة ثياب وخبأتها داخل حمالة صدرها، محمد صديقي الذي كاد يكون مصمم أزياء شهيراً لو أنه ولد في مكان آخر.

إقرأوا أيضاً:

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
هديل الروابدة- صحافية أردنية
هذا المشهد، يحتاج إلى جلوس مكونات” الدولة الرسمية والسيادية، على طاولة حوار وطني، لتحديد العلاقة بينها، وبلورة هوية الإصلاح المنشودة، اقتصادياً وسياسياً واجتماعياً، قبل الذهاب إلى تعديلات الدستور وقانوني الانتخاب والأحزاب”.
Play Video

0:46

Play Video

2:09

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني