فنجان قهوة خارج الشام

أصبحت القهوة العربية خياراً يصنعنها بحب ومزاج، لأنها ما يردنه لا لأنها كل ما أتيح. يجتمعن حولها ويتحدثن عن صعوبات الحياة وقد خبرنها حقاً لا شاهدنها من خلف شاشة في مسلسل. 

“عاد زوجي وهو يصرخ: 

بسرعة حطي عراسك الحجاب وخلينا نطلع! نطلع؟ نترك البيت؟ لوين؟ ليش؟ والولاد مين بده يخبرهم وين رحنا؟ كنت عم أسأله وأنا عم لملم اوراقنا… هوياتنا، أوراق البيت، جوازات السفر. صار يقللي المسلحين فاتوا المخيم، عم يشتبكوا مع النظام، بأي لحظة رح يقصفوا المخيم… يلا… اسرعي”.

خرجت السيدة ص.د. بالجزمة القديمة، لأن الركض فيها أسهل كما تقول، وحفاظاً على الجزمة الجديدة. لم تكن تتوقع حجم الكارثة، ولم يخطر في بالها أنها قد لا تعود أبداً. فكرت بأولادها وحاولت الاتصال بهم، وسط زحمة الراكضين في الحارة، فالجميع كانوا يركضون كما لو أنه يوم القيامة.  “لما وصلت أول المخيم انتبهت أنني بحمل غلاية القهوة بإيدي كل الطريق… كنت عم اغلي القهوة وقت طلعنا”.

السيدة ص. د. وصلت إلى السويد وهي في السادسة والستين من عمرها. أفكر بكلامها: لماذا غلاية القهوة؟ حقيبة اللاجئ تختزل ما يملكه، اختياره الأهم بكل ما حوله، فلماذا القهوة؟ لأنها ببساطة كل ما تملك. هي حديثها مع زوجها كل صباح، لقاء الجارات، اجتماعها مع أبنائها مساء. غلي القهوة يعني الآخرين، يعني تاريخها مع من أحبت. لذلك من دون أن تشعر كانت تتمسك بالقهوة لحظة هروبها. كانت تحاول تهريب الحياة التي تحبها. 

كلما التقيت بها سردت لي القصة ذاتها. ثم حدثتني عن جاراتها، حارتها القريبة من السوق، الصبحيات. وشددت على أنها ما عادت تستطعم القهوة هنا. تعلل ذلك بالماء تقول: “المي هي السبب، مية الشام ما في متلها مية”، تصمت، تفكر قليلاً ثم تضيف: “فش بعد سوريا”. 

تعيد علي ما أخبرها الطبيب به. “شفت الدكتور، قال بده إياني أطلع أمشي كل يوم الصبح قبل الغياب، أي غياب هذا؟ هي الشمس بتطلع بهالبلاد؟ قال المشي بيحارب الاكتئاب!”.

عام 2015 وصلت أعداد كبيرة من اللاجئين إلى أوروبا. شكلت النساء نسبة أقل من الرجال فيها. لتزيد بعد ذلك من خلال لم الشمل. نظام الحياة الاجتماعية في السويد مختلف تماماً عن النمط الأبوي الذي اعتدناه في بلادنا. هو نظام قائم على الفردية حيث يتساوى الرجال والنساء في الحقوق والواجبات، فالقانون هو السلطة لا المجتمع أو العادات. لا ينشأ الأطفال هنا على دروس قراءة مثل “بابا يقرأ، ماما تطبخ، باسم يرسم، رباب تساعد ماما”، يكبرون كأفراد متساوين بغض النظر عن جنسهم ذكوراً كانوا أم إناثاً. لكن للاجئين فقاعاتهم التي أنشأوها وحرصوا على الحفاظ على موروثهم فيها. خصوصاً لمن تجاوز سن الشباب منهم، فهؤلاء لا يدخلون المدارس مع المواطنين بل يبدأون بتعلم اللغة في مدارس خاصة بالاندماج للاجئين، أو مدارس مهنية معظم روادها من الأجانب. لذلك ينكمشون على أنفسهم في دوائرهم الخاصة ويحاولون ما استطاعوا الحفاظ على تقاليدهم. لم تنجُ هذه الفقاعات من انعكاسات المجتمع الجديدة، فحالات طلاق كثيرة حدثت بعد سنة أو اثنتين من الوصول إلى أوروبا. الأسباب التي أدت إلى ذلك كثيرة ومختلفة، لكن الجوهر فيها قائم على توفر الأمان الاقتصادي. وأصبح بإمكان المرأة أن تختار حياتها من دون خوف من العوز المادي. 

كثيرات في العالم العربي لا يملكن حياتهن، تولد الفتاة ابنة فلان، تعيش زوجة فلان ثم أم فلان، وإن حدث ولم تنجب سوى إناث تأخذ لقب زوجها المكنى به في الشارع ويكون، “أبو علي”، “أبو سليم”… يرتبط اسم المرأة دائماً بعلاقتها برجل من أسرتها، من دون أي اعتبار لحقها في الاستقلال ويتم التعامل معها كتابع أو ملكية. يساعد على ترسيخ هذا الواقع الوضع الاقتصادي. فمن الملاحظ أن الطلاق في الطبقات المكتفية مادياً أيسر منه في الطبقات الفقيرة، حيث لا تكمل معظم البنات دراستهن ويتم تزويجهن في سن مبكرة.

سرقت الحرب هؤلاء النسوة إلى الغربة بعمر متوسط من سردية فناجين القهوة المتوارثة. لذلك لم يكن من الصعب على الواحدة منهن شرب قهوة سريعة، تعدها على آلة في مكان العمل، أو فوق زاوية المجلى. نالت المرأة فرصتها بالحصول على التعليم، والعمل، والاستقلال المادي الذي يعد الدعامة الرئيسة للاستقلالية، ما أحدث شرخاً في هوية الذات الاجتماعية لديها، ومن يخرج من صندوق تكسّر سيُجرح لا بُد! لكن هذه الندوب ستزيد حجمه ولن يستطيع العودة إلى الصندوق مرة أخرى. تقول لي ج. ز، سيدة وصلت إلى السويد في الأربعين من عمرها: “زرت المعالجة النفسية للمرة الأولى في حياتي، سجلت اسمي في برنامج علاج تروما بعد الحرب. نقوم بأنشطة وحلقات حكي. سألتني ما السعادة بالنسبة إليك؟ أجبتها… أن يكون أهلي بصحة وعافية، وأن ينجح أولادي… المعالجة استغربت. قالت لي: وأنتِ ؟ انتبهت للمرة الأولى أنني غير موجودة. سعادتي مرتبطة دائماً بمن حولي”.

تغيرت وجهة البوصلة عند كثيرات. أدركن أن حب الذات شرط أساسي لحب الآخرين وتوقفن عن الانصهار في بوتقة العائلة. أصبحت القهوة العربية خياراً يصنعنها بحب ومزاج، لأنها ما يردنه لا لأنها كل ما أتيح. يجتمعن حولها ويتحدثن عن صعوبات الحياة وقد خبرنها حقاً لا شاهدنها من خلف شاشة في مسلسل. 

أما الصغيرات اللواتي غادرن البلاد قبل تذوق القهوة العربية قد لا يعرفنها أبداً. وإن فعلن فستكون لهن طريقتهن الخاصة في إعدادها. سيشربنها بفناجين ملونة تجمع الشرق مع الغرب. فالماضي لا يصبح ماضياً إلا حين يتوقف عن التكرّر. 

إقرأوا أيضاً:

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
هديل الروابدة- صحافية أردنية
هذا المشهد، يحتاج إلى جلوس مكونات” الدولة الرسمية والسيادية، على طاولة حوار وطني، لتحديد العلاقة بينها، وبلورة هوية الإصلاح المنشودة، اقتصادياً وسياسياً واجتماعياً، قبل الذهاب إلى تعديلات الدستور وقانوني الانتخاب والأحزاب”.
Play Video

0:46

Play Video

2:09

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني