21 تشرين الثاني… يوم تجرد حمدوك من شعبيته

لم تتوقف محاولات جنرالات المؤسسة العسكرية التسلل من النوافذ لاستلام السلطة وتقويض الانتقال الديموقراطي في السودان.

آخر تلك الفصول كان الإعلان السياسي الصادر في 21 تشرين الثاني/ نوفمبر، والذي تم بموجبه إطلاق سراح عبد الله حمدوك من الإقامة الجبرية وإعادته رئيساً للوزراء. لكن محاولتهم هذه المرة، عادت لتصطدم بصمود الشارع في مواجهتهم وعرقلة مخططاتهم. الانقلابيون اعتمدوا على فرضية أن الشعب سيقف بجانبهم ويتقبل الواقع الجديد بعد عودة حمدوك، ظناً منهم أن الشارع خرج لأجله، متناسين أن على رأس أولويات المحتجين تنحي المؤسسة العسكرية من المشهد السياسي. فخابت توقعاتهم، وأخطأ سهمهم، فوجدوا أنفسهم في متاهة أشد تعقيداً. 

مرحلة انتقالية ثالثة، بدأت عند ظهور عبد الله حمدوك موقعاً على اتفاق جديد مع المؤسسة العسكرية، معلناً فوز الجيش بهذه الجولة بعدما ضم إلى صفه رئيس الوزراء المفرج عنه. كان ذلك اليوم حدثاً غير عادي في روزنامة الثورة، لم يعد حمدوك الشخص المتفق عليه من قوى التغيير، فالرجل في لحظة فاصلة، لم يلبِّ تطلعات مناصريه الذين توقعوا منه الاصرار على موقفه بعودة حكومة قبل 25 تشرين الأول/ أكتوبر الماضي، والالتزام بالإعلان الدستوري. نتيجة لخيبة الأمل هذه، انهالت الاستقالات من الوزراء بعدما فقدوا الأمل في رئيسهم، أما حاضنته السياسية، فأكدت رفضها أي شراكة مع العسكر. هكذا، بين ليلة وضحاها، أصبح “المؤسس” وحيداً وبلا شعبية.

دعوني أنقل لكم المشهد قبل ساعات من الاتفاق بين رئيسي مجلس السيادة عبد الفتاح البرهان والوزراء عبد الله حمدوك. في صبيحة 21 تشرين الثاني، انتشرت في القنوات الإخبارية ومواقع التواصل الاجتماعي الأنباء عن رفع الجيش السوداني الإقامة الجبرية عن المعزول عبد الله حمدوك، وأن شراكة جديدة في طريقها للإعلان، أهم ملامحها عودة رئيس الوزراء مع حكومة تكنوقراط. انتظر الجميع أن يخرج بيان من مكتب حمدوك ليكذب هذه الإشاعات ويدافع عن عملية الانتقال الديموقراطي. وانهالت دعوات مؤيديه بالتريث مؤكدين أن هذه الأخبار مفبركة وتهدف إلى تشتيتهم وشغلهم عن الموكب الذي كان مخططاً له في اليوم ذاته، بل ذهب بعضهم إلى أبعد من ذلك، وطالبوا بأن يتحول مسار الموكب إلى مكان اعتقال حمدوك للهتاف بأنه ليس لوحده في مواجهة الانقلابيين. ولكن أتت الرياح بما لا تشتهي تطلعات الشارع، بعد ساعات، ظهر حمدوك على شاشات التلفزيون وقوفاً بالقرب من قائد الجيش، عندها وقعت الصدمة على مؤيديه، بات في حكم اليقين اكتمال أركان الانقلاب ونجاح العسكر في خلق شرعية ترضي المجتمع الدولي الذي يصر على واجهة مدنية. أكاد أجزم أن معظم من خاب ظنهم لم يلقوا بالاً لبنود الاتفاق السياسي وانصب تركيزهم على خيانة من نصبوه قائداً.

بعد ذلك، وكعادته، تحدث حمدوك عن الثورة وعظمتها وأبدى أسفه على سقوط الضحايا الذين احتجوا اعتراضاً على اعتقاله في 25 تشرين الأول/ أكتوبر الماضي! ما خطب هذا الرجل! وكأن الأمر لا يهمه! لم يكن المقام مقام ترديد شعارات حفظها الشارع من كثرة ما كررها، ظهر في المنصة يرتدي ثوب القائد ولم يستوعب وقتها أنه اسقط ورقة التوت التي تداري فشله. حمدوك لم يعط مناصريه حتى منفعة الشك، صار أمامهم شريكاً في النكبات التي توالت على السودان، وأصبح في نظر غالبية الشعب خائناً لثورة كانون الأول/ ديسمبر أو خاضعاً ومسيراً من الجنرالات، وفي الحالتين فقد شعبيته.

في قراءة سريعة للوضع، لا تحمل المؤشرات تفاؤلاً على الإطلاق، لجان المقاومة بدأت استعادة توازنها سريعاً بعد هول الصدمة، وانتقلت بسرعة من مربع المفاجأة إلى  العمل على اسقاط النظام، وأعلنت استمرارها في التصعيد الثوري حتى إسقاط الانقلاب. هذا ما يدعو إلى القلق، لأن خروج هذه المواكب تصاحبه  أعمال عنف مفرط من القوات الأمنية، آخرها موكب 21 تشرين الثاني الذي سقط فيه ضحايا، ومن السخرية أن هذه الخسارة في الأرواح حدثت في اليوم الذي برر فيه حمدوك عودته حقناً للدماء! 

إذاً، لا مجال للثقة في هؤلاء، بخاصة أن الضغط الثوري السلمي أثبت قوته التي جعلت العسكر يترنح في أحيان كثيرة، لذلك من المتوقع استمرار الانتهاكات وحملات الاعتقالات وكبت الحريات بحجة حفظ الأمن. 

من يتابع ما يحصل في السودان يدرك أنه بعد انقلاب 25 تشرين الأول، اعتادت القوات الأمنية على تخطي الخطوط الحمر ضاربة بحق المتظاهرين السلميين في حرية التعبير عرض الحائط. 

ما حدث في الأيام الماضية ما هو إلا جولة جديدة من جولات الثورة، كانت كافية لسقوط رموز من كرتون وإعادة ترتيب الصفوف. ومع أن الصدمة كانت قاسية، إلا أنها أثبتت وعي الشباب الذين بدأوا تجاوزها للاستمرار في المطالبة، عبر المقاومة السلمية، بأهداف الثورة، هذا ما ينجحون فيه، النضال السلمي. فمتابع تحركات شباب الثورة يدرك أنهم أدرى بشعاب ثورتهم، نجحوا في إسقاط ديكتاتورية عسكرية والآن معركتهم مستمرة مع الدولة العميقة المتمثلة في جنرالات الجيش وحليفه الجديد، وبموقف حمدوك، خسروا معركة لكنهم لم يخسروا الحرب.

إقرأوا أيضاً:

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
علي كريم إذهيب – صحافي عراقي
كانت المياه الواردة من إيران إلى العراق تبلغ 7 مليارات متر مكعب يومياً فيما تبلغ اليوم صفراً. بعد قطع طهران مياه ثلاثة أنهار بشكل مفاجئ ودون الإدلاء بأي تصريح رسمي، وهي أنهار سيروان والكارون و الكرخة التي تمد مناطق شرق العراق بالمياه العذبة.
Play Video

1:36

Play Video

42:22

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني