“نواقيس روما” لجان دوست… رحلة في “بلاد الصلبان”

طالما الأديان واحدة، هدفها ومعبودها واحد، فلماذا إذاً ارتدّ عشيق، بكل ذلك الندم من دينه الثاني إلى دينه الأوّل؟

رواية “نواقيس روما” هي الثالثة في ترتيب ما صدر للكاتب والروائي الكردي جان دوست، من روايات باللغة العربيّة. ومعلوم أن جان دوست بدأ رحلته في عالم الرواية باللغة الكرديّة، ثم اتجه إلى كتابة الرواية باللغة العربيّة. ناهيكم بالكثير من كتبه الأخرى في الترجمة ودواوين الشعر. ما يجعله من الكتّاب والروائيين الكرد السوريين البارزين الذين يكتبون بالكرديّة والعربيّة، على حدّ سواء. 

فخّ العنوان

عنوان الرواية ذو دلالة دينيّة واضحة. إذ اختار الكاتب من روما نواقيسها، أي كنائسها وأديرتها وحواضرها المسيحيّة. ناهيكم بالحمولة التاريخيّة لروما؛ بوصفها عاصمة الكنيسة الكاثوليكيّة التي حكمت أوروبا في يوم من الأيّام. وعليه، العنوان جميل وجاذب للقارئ. وأتى المتن منسجماً معه، إذ خلقت النواقيس جوّاً من التناقض والتضاد في تكوين البطل. ففي البداية، أصوات النواقيس كانت باعثةً على النفور: “بلاد لا أرى فيها سوى الصلبان الكئيبة، ولا أسمع منها سوى قرع النواقيس البغيض؟” (ص50)، “كان قرع النواقيس يستفزّني أيّما استفزاز. كلّ رنّة كأنّها نصل مدية يمرره قصّاب خلف حنجرتي” (ص51). لكن، انقلبت الحال مع البطل وتآلف مع المكان ونواقيسه: “بعد أن مضى ما يقارب من عامين على قدومي إلى بلاد الصلبان، صرتُ أتعرّف على روما وحاراتها وأزقتها… وكنائسها الجميلة” (ص80)، “… ألِفت نفسي حتى رنين النواقيس واستطابت قرعها فصرت أشنّف الأذن حين يطنّ أحدها فأسمع فيه ألحاناً عذبة تبهج روحي الحائرة ويردد خيالي صداها بعد أن تهدأ النواقيس” (ص81).

“يغادر «عشيق» أنطاكية إلى روما لتعلم اللغات وأصول الترجمة. يقع هناك في حب فتاة مسيحية، ويتزوجها، ويبدّل دينه، ويصبح تاجر خمور… بعد أن يغدو شيخاً هرماً، يقرّر العودة إلى بلاده والبحث عن إستر، الفتاة اليهودية التي كانت حب طفولته، ولكن… بعد فوات الأوان”. 

بهذه الخلاصة التي لا تتجاوز الخمسين كلمة، يقدّم الناشر (دار الساقي) هذه الرواية المؤلّفة من 200 صفحة. هذه الخلاصة – التقديم، سواء أكان الروائي كتبها، أو الجهة الناشرة، فإنها تومئ إلى قصص الحبّ التي تكون أقوى من الفروق الدينيّة بالدرجة الأولى، ومنها حكاية “الشيخ الصنعاني” التي سردتها قصائد بعض الشعراء المتصوّفة. على سبيل الذكر لا الحصر؛ الشاعر الفارسي فريد الدين العطّار، في “منطق الطير”، والشاعر الكردي المُلا الجزري، في ديوانه “العقد الجوهري”. طبعاً، هناك اختلافٌ بين حكاية “عشيق” في “نواقيس روما”، وحكاية “الشيخ الصنعاني- (الصنعائي)” الواردة في المصادر الصوفيّة الشعريّة السالفة الذكر، لجهة مسار الرحلة، الوجهة، العودة…الخ، لكن المشترك بينهما، طبقاً للخلاصة الموجودة على الغلاف الخلفي للرواية، والموجودة على موقع “دار الساقي” أيضاً؛ أن هناك حكاية حبّ، كانت أقوى من الدين: “… يقع هناك في حب فتاة مسيحية، ويتزوجها، ويبدّل دينه”. 

لكن، سياق الأحداث في الرواية، مغاير لتسلسل الأحداث الواردة في كلمة الغلاف – (الخلاصة). إذ يغيّر عشيق دينه، قبل تعرّفه إلى الفتاة المسيحيّة، والوقوع في حبّها والتزوّج منها. ما يعني أن تغيير عشيق دينه لم يكن سببه حبّ الفتاة، والرغبة في الزواج منها، وامتثالاً لشروطها… كما هو حال الشيخ الصنعاني”. بدليل أنه يقول في الصفحة 106: “عصر ذلك اليوم أيقنتُ أنني لن أستطيع العيش في روما ما لم أصبح مسيحيّاً مثل قاطنيها وزائريها”. الصفحة 112 يروي حكاية عماده. أصلاً الفكرة الرئيسة لفقرة “ترجمة المحنة” من الفصل الرابع، هي مناقشة اعتناق المسيحيّة. أمّا تعرّف البطل إلى “آبيلينا – دونا”؛ تلك الفتاة المسيحيّة الإيطاليّة الآتية مع أسرتها من البندقيّة إلى روما، فجاء عقب تنصّرهِ، واستلامه وظيفته مدرّساً للغة العربيّة في معهد صغير للرهبان، وكان بيتها ملاصقاً له (ص118). 

زد على هذا وذاك، عودة عشيق إلى وطنه لم تكن لأنه أصبح “شيخاً هرماً” كما توحي الخلاصة على الغلاف الخلفي، بل بسبب موت زوجته، وطرد أقاربها له من منزلها الذي سكنهُ طيلة فترة زواجهما. فلو لم تمت الزوجة، لربّما بقي عشيق في روما! غادر روما، لأنه لم يبقَ له أحد فيها. غادرها بعد حديثه إلى الراهبة العجوز من جناوا. بدليل أنه قبل مغادرته روما، نزل من العربة، تحدّث إلى الراهبة وودّعها (ص178). وحين عاد، بدأ البحث عن خطّاط لتدوين سيرته، ولم يبحث عن حبيبته إستر اليهوديّة، كما ورد في الخلاصة. إضافة إلى أن حيثيات اتخاذ عشيق قرار العودة إلى وطنه لم يكن ضمنها أبداً؛ البحث عن إستر (ص 176). بالعكس من ذلك، هي التي انتظرته طيلة تلك السنوات، وبحثت عنه، وزارته في بيته، وعاتبته بشدّة على تخلّيه عنها. ما يعني أن تسلسل الأحداث في الخلاصة الموجودة على الغلاف الخلفي، غير منسجم تماماً مع سياق تسلسل الأحداث وتطوّرها، الوارد في الرواية. والسؤال: إذا كان الروائي هو من كتب تلك الخلاصة، فهذا خطأ فادح. وإن كانت دار النشر هي التي كتبتها ووضعتها على الغلاف، فهذا خطأ أكثر فداحة! والأكثر غرابة، ألا يقوم صاحب الرواية بتصويب تلك الخلاصة غير المنسجمة مع ما كتبهُ في روايته! لأنه، غالباً، اطلع على تصميم غلاف الرواية، قبل طباعتها وبعدها.

وتعويلاً على فقه اجتهادات التأويل، والتماس الأعذار والتبريرات “النقديّة”، يمكن اعتبار ذلك التقارب بين حكاية عشيق وحكاية الشيخ الصنعاني، لعبة متعمّدة، هدفها نصب فخّ للقارئ، بهدف جذبه وشدّه لنصّ مختلف، أو مشتقّ أو منشقّ من النصّ التراثي المتداول عن حكاية “الشيخ الصنعاني”. وإذا صحّ هذا التأويل، فإن الكاتب نجح في نصبّ فخّه. وتلك لعبةٌ قلّما يتقنها روائيون مهرة. لكن، من المسؤول عن كل ذلك الاختلاف الحاصل بين كلمة الغلاف ومتن الرواية؟!

الارتداد

إلى جانب نبذ التطرّف، والدعوة إلى التسامح، فإن فكرة عدم الاندماج، وارتداد المرء إلى الوطن الثقافة؛ الوطن – الدين، على رغم مضي ما يزيد على نصف قرن في الغربة، تظهر واضحة وجليّة في الرواية. إذ يبدو أن تلك العقود الخمس والنيّف لم تستطع أن تغلب نحو عقدٍ ونصف العقد، أمضاهما عشيق في وطنه الأم. حاول الكاتب إكساب تلك الردّة، لبوس التسامح، على أساس ألا فوارق بين الأديان، طالما معبودها واحد، في حالة تماهٍ مع ما قاله ابن عربي في أبياته ذائعة الصيت: (لقد كنتُ قبل اليومِ أنكرُ صاحبي… إذا لم يكن ديني إلى دينهِ دانِ/ وقد صار قلبي قابل كل صورةٍ… فمرعى لغزلانٍ وديراً لرهبانِ/ بيتٌ لأوثانٍ وكعبة طائف… وألواح توراةٍ ومصحفُ قرآنِ/ أدين بدين الحبّ أنّى توجّهت… ركائبه، فالحبّ ديني وإيماني). لكن أثناء رسو سفينة البطل من روما في ميناء الاسكندرون، يقول: “ألقيت يوحنا الأنطاكي في البحر (…) هناك، حيث مات يوحنا الانطاكي، ولد محمد عشيق من جديد. بل ولد قلب جديد في صدري يتّسع للمذبح والمحراب. ولدت من جديد، أنا الذي تمازجت في جسده روحا محمد عشيق ويوحنا الأنطاكي (اسمه حين اعتنق المسيحيّة)” (ص182). ولو كان منسجماً مع ابن عربي، لأبقى على يوحنا الأنطاكي في جسد ووعي محمد عشيق الأنطاكي، ولم يقتله ولم يرمِ به في البحر، وعقد تصالحاً أبديّاً بينهما. لكن راودته حالة ندم على اعتناقه المسيحيّة، وندم على ترجيحه الغربة على الوطن: “شعر بالندم على ما فعله من ترك دينه وقضاء حياته كلها في بلاد غريبة بعيدة” (ص130)، و”آلمه جداً أنه ترك دينه حين كان فتى غرّاً، لكنه لم يصبح مسيحيّاً نقيّاً أيضاً” (ص131)، وأن اعتناقه المسيحيّة كان نتيجة استغلال: “نجح القس لورونزو في إقناعي باعتناق المسيحيّة، مستغلاً وحدتي وحزني وكوني فتى غرّاً، بعيد عن وطني وأهلي” (ص135) ثم يعطف على ذلك بالقول: “لكن لم أندم على ذلك”. كيف لم يندم؟ ماذا نفعل بكل ما قاله الروائي في الصفحات (130-131-157-158-163) الطافح بالندم؟! كل ذلك، أفسد الخلطة التسامحيّة التي حاول الروائي تقديمها في روايته هذه، على لساني القس لوسيانو في بداية الرواية، والراهبة الجنويّة، قبل نهايتها. وعلى رغم أن الرواية تناهض التطرّف، إلاّ أن ذلك الندم حوّلها إلى ارتداد عن “الردّ” وفق المفهوم الديني. فطالما الأديان واحدة، هدفها ومعبودها واحد، فلماذا إذاً ارتدّ عشيق، بكل ذلك الندم من دينه الثاني إلى دينه الأوّل؟!

زد على هذا وذاك، عشيق المترجم، وهو في السبعين، (يفترض أنه وصل إلى مرحلة التسامح وتحاور الأديان وتداخلها)، إلاّ أنه عنون مذكّراته بـ”رحلة الفتيان في بلاد الصلبان”! ما يعني وكأنّه لم يرَ في روما غير الصلبان! ولخص تلك البلاد بأنها “بلاد الصلبان” وحسب، على رغم أنه يأتي على ذكر معالم المدينة في الصفحة 80 على سبيل المثال! ولو اتخذ عنوان “رحلة الفتيان في بلاد الطليان” عنواناً لمذكّرات عشيق، لكان أنسب وأكثر اتساقاً مع التنوّع، وبل أكثر انسجاماً وأريحيّة من حيث الإيقاع والسجع (الفتيان-الطليان) X (الفتيان-الصلبان)، إن كان ينوي حذو العناوين التراثيّة. والحال تلك؛ عشيق، في سن السبعين، عاد إلى نظرته الأولى لتلك البلاد على أنها أرض الصلبان وحسب، حين كان في السادسة عشرة من عمره، مع زوال منسوب الكراهية لديه. ما ألقى بظلال التشويش على الحمولة التسامحيّة التي طوى الروائي روايته عليها.

الخاتمة- المحاكمة

صحيح أن المصادفات لا منطق لها. ويمكن أن يرى المرء في إحدى أحلامه إشارات لما سيجري معه لاحقاً. هذا وارد في الواقع والروايات المتخيّلة. لكن أن يحلم يونس الخطّاط بفتاة رائعة الجمال، بوشاح أحمر، تدعوه إلى الحبّ، فينقاد لها مستمتعاً (ص140)، ويتحقق ذلك الحلم في ليلة اليوم الموالي، بأن تزوره الخادمة الجميلة زينب، (ذات الوشاح الأحمر) في حجرته، ويقضيان ليلة ليلاء، “وفوجئ أنها تشبه الفتاة التي رآها في الحلم” (ص161) فهذا ما يسترعي التوقّف والتأمّل! الأكثر غرابة أن يبقي الكاتب على إستر حيّة، وأن يختتم الرواية بمشهد يشبه المحاكمة التي تجريها العجوز إستر لعشيق، بزيارتها بيته، عقب سماعها خبر عودته من روما إلى قريته، كي تسرد عليه حكاية حبّها وانتظارها إياه، وعتابها الشديد عليه، إلى درجة أنها أخرسته وأبكته، ومطالبتها له بأن يسرد حكايته لها. فهذه الخاتمة أيضاً، يمكن وضعها بين قوسين، ومحاولة تأويلها، على أن الكاتب اجتهد في توليف نهاية منسجمة مع عبارة “سخرية الأقدار”؛ عبر اختلاق مصادفة يمكن تصديقها، في إطار المصادفات النادرة غير المعقولة، التي تقدّمها الحياة لأصحابها. على أن ابن التاجر الشركسي المسلم السني الملتزم دينيّاً، لو لم يهاجر إلى روما في السادسة عشرة، ربّما كان سيتزوج من الفتاة اليهوديّة الفقيرة، وابنة الصفّار الأرمني مُعدم الحال!

أيّاً يكن من أمر، رواية “نواقيس روما” هي خطوة سرديّة جميلة للروائي الكردي السوري المقيم في ألمانيا؛ جان دوست. رواية تستحق القراءة، إلاّ أنها تحتمل القراءة النقديّة من الجوانب الثقافيّة، والتحليليّة- النفسيّة والاجتماعيّة. ولا تقلل منها في شيء، محاولة مراجعتها وإعادة تحريرها أدبيّاً وتخليصها مما شابها من هفوات وحشو وتكرار وشروح ونتوءات لغويّة زائدة.

إقرأوا أيضاً:

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
علي كريم إذهيب – صحافي عراقي
كانت المياه الواردة من إيران إلى العراق تبلغ 7 مليارات متر مكعب يومياً فيما تبلغ اليوم صفراً. بعد قطع طهران مياه ثلاثة أنهار بشكل مفاجئ ودون الإدلاء بأي تصريح رسمي، وهي أنهار سيروان والكارون و الكرخة التي تمد مناطق شرق العراق بالمياه العذبة.
Play Video

1:36

Play Video

42:22

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني