في الرحلة إلى بيلاروسيا… لاجئون يموتون من الجوع والبرد والقسوة

للهرب من بلاد تعصف بها الأزمات الاقتصادية، وتنهشها الميليشيات الطائفية العابرة للحدود، توجهت عشرات العائلات السورية إلى المكاتب العقارية لتعرض بيوتها للبيع، من أجل جمع المبلغ المطلوب للسفر. النتيجة كانت مأساوية

شخص واحد يتعرض للتشريد كل ثانيتين، وأكثر من مليون طفل ولدوا لاجئين في العامين الفائتين، وقد وصل عدد اللاجئين حول العالم إلى أكثر من 26 مليوناً، كما بلغ عدد النازحين 82.4 مليون. ومع قسوة هذا المشهد، يأتي خطاب الكراهية والسياسات العنصرية والحروب والنزاعات السياسية، لتضيف عليه أنواعاً جديدة من القسوة، إذ يستمر استغلال اللاجئين بمختلف الأساليب لتحقيق مكاسب اقتصادية وسياسية حول العالم.

اتجار بالبشر 

“أسهل وأسرع وسيلة للوصول إلى أوروبا هي رحلة مباشرة إلى بيلاروسيا”، عبارة تصدرت الإعلانات الممولة على مواقع التواصل الاجتماعي في الأشهر القليلة الفائتة، تتضمن هذه الإعلانات شرحاً مفصلاً عن تأمين السفر من سوريا على طيران أجنحة الشام، الى مطار مينسك، بتكلفة تصل الى أربعة آلاف دولار للشخص الواحد أي ما يقارب 24 مليون ليرة سورية، وإعلانات أخرى مشابهة تستهدف السوريين المقيمين في لبنان وتركيا والإمارات العربية أيضاً.

عملياً لا تتجاوز تكلفة التأشيرة إلى روسيا البيضاء 300 دولار، إذ يتوجب على الشخص الراغب بالتقديم للحصول على الفيزا دفع 60 يورو ثمن التأشيرة، إضافة إلى 120 يورو هي تأمين صحي لمدة شهر، كما أن سعر تذكرة الطيران لا يتجاوز 200 دولار، فيما تتراوح تكلفة الإقامة في فندق 4 نجوم بين 100 دولار و150 دولاراً لليوم الواحد، أي أن الإقامة في العاصمة مينسك لمدة أسبوع واحد تكلف ألف دولار، ليصبح مجموع التكاليف 1500 دولار، وهو أقل من نصف الرقم المطلوب لتأمين السفر.

وفي تحقيق نشرته صحيفة الغارديان بعنوان “التأشيرات السياحية والرحلات الجوية من سوريا، الطريق إلى أوروبا عبر بيلاروسيا”، تؤكد أن ما يقدر بـ3000 إلى 4000 سوري تقدموا بطلبات في لبنان، بمساعدة السفارة السورية في بيروت من أجل الحصول على تأشيرة إلى بيلاروسيا.

وقال مسؤول كبير في حكومة إقليم كردستان للصحيفة “نحن نبحث عن وكلاء سفر متورطين في ما يبدو أنه لعبة سياسية خطيرة من جانب بيلاروسيا التي تنكرت على أنها إصدار روتيني لتأشيرات سياحية، إنه أمر مباشر للاتجار بالبشر، باستخدام الأسر الضعيفة كوقود للمدافع لتقوية يد بيلاروسيا في نزاع أوروبي ضروس”.

أظهرت بيانات مطار مينسك، أن بيلاروسيا ستستقبل أسبوعياً نحو 40 رحلة من دمشق وإسطنبول ودبي، فيما لم يتجاوز عدد الرحلات العام الماضي 17 رحلة من مطارات دمشق وإسطنبول ودبي وغيرها في الشرق الأوسط المتجهة إلى مينسك.

وأكدت صحيفة ” Welt am Sonntag” الألمانية، أن حوالى 800 إلى ألف مهاجر يصلون يومياً إلى بيلاروسيا، ما دفع الأخيرة للحديث عن تحويل خمسة مطارات محلية إلى دولية، من بينها مطار يقع على بعد 20 كيلومتراً فقط من الحدود البولندية.

سأل مهاجرون في حديث لصحيفة “الغارديان”، “كيف جمعت القوات البيلاروسية مجموعات تصل إلى 50 شخصاً ثم قطعت الأسلاك الشائكة بالمقص للسماح لهم بالعبور؟، بينما تم نشر حوالى 20 ألف عنصر من شرطة الحدود البولندية، محاطين بالجيش، في عرض للقوة لم تشهده البلاد منذ نهاية الحرب الباردة، ثم تم دفع مئات الأشخاص بعنف إلى بيلاروسيا، وحاول بعضهم العبور عشرات المرات. إنها مسألة حظ، إذا تمكنوا في نهاية المطاف من المرور بأمان”.

تغير ديموغرافي وتهجير قسري

للهرب من بلاد تعصف بها الأزمات الاقتصادية، وتنهشها الميليشيات الطائفية العابرة للحدود، ويحكمها الفساد ورجال المخابرات، توجهت عشرات العائلات السورية إلى المكاتب العقارية لتعرض بيوتها للبيع، وتبيع ما يمكن بيعه من أثاث وأدوات منزلية قيمة وحتى ملابس، من أجل جمع المبلغ المطلوب للسفر.

وفي حال توفرت الإمكانيات المادية، لا شيء يعوق عملية السفر، فقد سهلت حكومة نظام الأسد استخراج الأوراق المطلوبة خاصة في المحافظات التي قاومت محاولات التهجير القسري على مدار عقد من الزمن، حيث عممت في 17 حزيران/ يونيو، على شُعَب التجنيد في مدينتي درعا والقنيطرة، جنوب سوريا، منح إذن سفر للمؤجلين عاماً كاملاً عن الخدمة العسكرية. وجاء في التعميم طيّ الكتاب السابق، الموجه لشُعب التجنيد، في 23 أيار/ مايو الماضي، القاضي بمنع الحصول على موافقات السفر إلى خارج الأراضي السورية. كما أصدرت إدارة الهجرة والجوازات تعميماً يطلب استنفار جميع العناصر المسؤولة عن تجهيز معاملات جواز السفر، لإنهاء طلبات الجوازات المتراكمة لشهري تموز/ يوليو وآب/ أغسطس الماضيين.

وليست هذه المرة الأولى التي تعمل فيها حكومة رئيس النظام السوري بشار الأسد على تسهيل خروج السوريين من البلاد، فلا أحد يمكن أن ينسى طوابير الشبان ينتظرون الحافلات التابعة لطيران أجنحة الشام من أجل نقلهم الى مطار بيروت لنقلهم الى تركيا ومنها إلى أوروبا في أكبر موجة لجوء عام 2015.

صراعات سياسية

يبدو أن الرئيس البيلاروسي يحاول أن يضغط على دول الاتحاد الأوروبي من أجل الاعتراف به كرئيس والتحدث معه وإنهاء العقوبات التي فرضها الاتحاد على بلاده بعد فوزه في الانتخابات الرئاسية التي تم التشكيك بصدقيتها العام الماضي، بخاصة بعدما عمد الى إخراس المعارضة من طريق قمع الاحتجاجات واعتقال السياسيين المعارضين له.

واتهم مسؤولون في الاتحاد الأوروبي بيلاروسيا بإثارة الأزمة لتقويض أمن التكتل، وحذروا من أن الاتحاد الأوروبي يخطط لمجموعة جديدة من العقوبات قد تشمل مطار العاصمة مينسك، في محاولة لمنع شركات الطيران الدولية التي تنقل المهاجرين من الهبوط هناك، كما أفادت تقارير بأن الاتحاد الأوروبي يدرس فرض عقوبات على شركة الطيران الروسية الحكومية “إيروفلوت” لنقلها مهاجرين إلى بيلاروسيا.

رئيس بيلاروسيا هدد بقطع إمدادات الغاز عن أوروبا، إذا فرضت عقوبات على بلاده بسبب أزمة المهاجرين المتصاعدة بين الجانبين.

كما حذرت بولندا من تصعيد “مسلح” محتمل على حدودها مع بيلاروسيا، ونشرت قوات إضافية بعدما حاولت حشود اللاجئين قطع سياج الأسلاك الشائكة الحدودي، فيما اتهمت وزارة الدفاع في بيلاروسيا وارسو بانتهاك الاتفاقيات بتعبئة الآلاف من الجنود على الحدود.

ليست المرة الأولى 

في شباط/ فبراير من العام الفائت، أعلنت تركيا أنها لن توقف اللاجئين الذين يحاولون عبور حدودها إلى أوروبا، وبعد ثلاثة أيام من هذا الإعلان وصل حوالى 1200 شخص إلى جزر ليسبوس وخيوس وساموس، ورصدت منظمة الهجرة الدولية ما لا يقل عن 13 ألف شخص يتجمعون على الحدود الرسمية بين بازاركوليه على الجانب التركي، وإبسالا على الجانب اليوناني وغيرهما من المعابر غير الرسمية، وضمت المجموعات المهاجرة مواطنين سوريين وأفغانيين وإيرانيين وسودانيين وغيرهم، بما في ذلك نساء وأطفال وعائلات بأكملها.

لم يتوقف الأمر على اللاجئين المقيمين في تركيا، إذ إن لاجئين أتوا بأعداد كبيرة إلى تركيا من دول المغرب العربي وإيران ومصر وأفغانستان والسودان فور سماعهم بخبر فتح الحدود.

واجهت اليونان موجات اللاجئين في ذاك الوقت بالغاز المسيل للدموع والرصاص المطاطي والأسلاك الشائكة، كما قامت القوات اليونانية بالاعتداء على اللاجئين وضربهم وأخذ نقودهم وهواتفهم وأوراقهم الرسمية واعادتهم الى الحدود التركية، كما أوقفت قبول طلبات اللجوء الجديدة مدة شهر، وأعلنت عن ترحيل كل من يصل إليها بطريقة غير شرعية من دون فحص طلباتهم.

تعامل لا إنساني

في خيمة صغيرة والقليل من الطعام وفي ظل درجة حرارة دون الصفر، يعيش آلاف اللاجئين العالقين على حدود بيلاروسيا محاصرين بين القوات البيلاروسية من جهة والقوات البولندية من جهة أخرى.

نشر فريق الاستجابة السريعة للأزمات الإنسانية في بولندا على “تويتر”، إنه تلقى معلومات تفيد بأن شخصاً واحداً على الأقل موجود في الغابة يحتاج إلى رعاية طبية. وعندما توجه إلى هناك تبين وجود ثلاثة أشخاص سوريين مصابين. كانوا عالقين في الغابة لمدة شهر ونصف الشهر. 

كان الشاب يعاني من آلام شديدة في البطن بسبب الجوع والجفاف، وكان مصاباً بجرح ممزق في ذراعه، وكانت المرأة مصابة بطعنة في أسفل ساقها. وقالت المرأة إن طفلهما البالغ من العمر سنة واحدة مات في الغابة قبل شهر.

وخلال الأسبوع الأخير، سيدة فلسطينية وشاب عراقي وآخر سوري وسبعة لاجئين آخرين فارقوا الحياة بسبب انخفاض درجات الحرارة، ونقص وسائل التدفئة والطعام والقسوة التي يواجهونها من القوات البولندية عند اجتياز الحدود، وربما من خيبات الأمل المستمرة. وأكد فريق الاستجابة أنه لا ينبغي لأحد أن يخيم في العراء، وان المأوى أمر بالغ الاهمية للحفاظ على حياة هؤلاء الأشخاص. 

مما لا شك فيه، أن على بولندا والاتحاد الأوروبي والأمم المتحدة تحمل مسؤولية مشتركة مع بيلاروسيا، لحماية هؤلاء اللاجئين وإخراجهم من دائرة الصراع السياسي، وتأمين الاحتياجات اللازمة للحفاظ على حياتهم ريثما يتم التوصل لحل يعترف بحقهم بالبحث عن حياة أفضل، حياة أكثر أماناً واستقراراً، لا سيما أنهم من مناطق تعيش أزمات سياسية وعسكرية ذات أبعاد دولية.

إذا كان معظم اللاجئين العالقين على الحدود تأكدوا من أنه تم استخدامهم من قبل جهات متعددة كأداة صراع سياسي، غير أن هذه المعلومة لن تغير شيئاً في واقعهم، لأنهم لا يملكون خيارات كثيرة، والسؤال الذي يراود معظمهم اليوم أنه في حال أجبروا على العودة، الى أين سوف يعودون وكيف سيعيشون؟ لذلك لن تكون الحلول سهلة بخاصة بالنسبة إلى السوريين الذين لن يرسل لهم أحد طائرات لنقلهم إلى أي مكان.

إقرأوا أيضاً:

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
علي كريم إذهيب – صحافي عراقي
كانت المياه الواردة من إيران إلى العراق تبلغ 7 مليارات متر مكعب يومياً فيما تبلغ اليوم صفراً. بعد قطع طهران مياه ثلاثة أنهار بشكل مفاجئ ودون الإدلاء بأي تصريح رسمي، وهي أنهار سيروان والكارون و الكرخة التي تمد مناطق شرق العراق بالمياه العذبة.
Play Video

1:36

Play Video

42:22

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني