فيروز و”درب الأعمار”: قبل الوقت وقبل الحب

همُّ الوقت لدى فيروز، من همِّ الحب. وكلاهما أيضاً في مطاردة، تشبه مطاردة الوقت والموت: "بيقولوا الوقت بيقتل الحب/ وبيقولوا الحب بيقتل الوقت/ يا حبيبي تعا تنروح، قبل الوقت وقبل الحب". للمعضلة حلّ إذاً، لكنه مستحيل.

نفخة خفيفة من شفتيها وتنطفئ الشمعة. لا ضرورة لأكثر من شمعة واحدة، تشعلها ريما، أو زياد، وتطفئها فيروز. لا داعي لست وثمانين شمعة. سيكون اطفاؤها منهكاً. ولا نريد للسيدة العظيمة ان تنهك نفسها في إطفاء الوقت. فهي لطالما عاشت، في أغنياتها، محاولة الإختباء من “درب الأعمار”. كان الوقت يلحّ عليها وعلى معظم من كتبوا لها كلاماً لتغنيه. وكانت تركض أمامه برشاقة غزال يهرب من أسد جائع. 

شمعة واحدة تكفي، لتلعن سيدة النور ظلام الوقت الهادر والمهدور، الذي فتح فمه الهائل وابتلع حياة فيروز، كما يأكل “التمساح الملعون” الشمس التي يحبها الأطفال. وكما يأكل حيوات الناس جميعاً. سرقها العمر، وهي تصرخ “يا سنيني اللي رحتي ارجعيلي”، راجية ان تردّها وتنساها “عا باب الطفولة/ تأركض بشمس الطرقات”. 

كُتب هذا الكلام لها، لأنه يشبهها، او لكي يشبهها، والأكيد أنه بات يشبهها. صار كلام أغنياتها بمثابة سيرة ذاتية ملحّنة،  تبدو فيروز فيها كأنها خلاصة الصراع الأزلي بين الوقت والموت: الوقت المستمرّ، الذي لا يموت، ولا يتوقف. ولا مجال لهزيمة الأسد الجائع إلا بالركض أسرع منه.

وفيروز تبدو قادرة، لا بالجسد، بل بالغناء الرشيق بما يمتلكه من طول البقاء من بعدنا جميعاً، على مسابقة الوقت والانتصار عليه، بصراخ الذئاب: “صرّخ عليهم بالشتي يا ديب بلكي بيرجعوا”. وهمُّ الوقت لدى فيروز، من همِّ الحب. وكلاهما أيضاً في مطاردة، تشبه مطاردة الوقت والموت: “بيقولوا الوقت بيقتل الحب/ وبيقولوا الحب بيقتل الوقت/ يا حبيبي تعا تنروح، قبل الوقت وقبل الحب”.

للمعضلة حلّ إذاً، لكنه مستحيل. وما هو إلا كاقتراح الهرب من “درب الأعمار”، عبثي، لكنه لا يأتي من عبث، بل يتمخّض من صراع داخلي مع الزمن والانتظار بلا جدوى: “نطرت مواعيد الأرض وما حدا نطرني”. وهذا الإنتظار، خلق محطة وقطاراً لا يأتي، فركب الركاب “عربيات الوقت وهربوا بالنسيان”، ودام انتظار فيروز “شي مية سنة”، أي أنه أبعد من مدى الأعمار الذي يتمناه الناس لمن ينفخ شمع عيد ميلاده كما تفعل فيروز في عيدها السادس والثمانين. فيروز انتظرت مئة سنة في الأغنية، قبل سنوات طويلة من بلوغها ما بلغته من عمر “أرضي”، لأن “اللي نادى الناس تيكبروا الناس راح و نسي ينادينا”.

وإذ كان “ما عاد في إلا هالنطرة والضجر”، كما تقول مناجية الطير، فلا شيء يمنعها إذاً، لكي تتسلى، من أن تلعب بالوقت وتلاعبه وتقارعه بالنسيان: “وسألونا وين كنتو وليش ما كبرتوا انتو منقلّن نسينا”. تقرع على باب الوقت، ويقرع على بابها بعد طول انتظار: “قرّب الموعد والشوق اكتمل/ ونضج بأيامنا الصيف/ وصار المطر عالشبابيك/ واللي ناطرينه رح يدق الباب”.

هكذا تبدو اللعبة مع الوقت مرتبكة. تنتظره ولا تريده ان يأتي. تريد للإنتظار ان يطول، ولكنها تضجر في الآن عينه. عينها على الأبواب(“شي غِرِب شي اصحاب”)، بين الرغبة بالرحيل، وبين الرغبة في البقاء والانتظار الثقيل، الممزوج بالضجر والحيرة والحسرة: “وشو قالوا يا عمر حلو وما دقتك…”.

عندما يسألها نصري شمس الدين في “ناطورة المفاتيح”: “شو بعد في غير الرحيل؟ مواسم الزرع منتّفة وأيامنا عم تنطفي…”، تجيبه فيروز: “أنا ما بفل من باب بيتي”. يعود نصري بإلحاح ليسألها: “رح يفلّوا الكل شو بتعملي وحدك؟”. فتجيبه فيروز بحزم: “أنا رح ضل”.

إقرأوا أيضاً:

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
علي كريم إذهيب – صحافي عراقي
كانت المياه الواردة من إيران إلى العراق تبلغ 7 مليارات متر مكعب يومياً فيما تبلغ اليوم صفراً. بعد قطع طهران مياه ثلاثة أنهار بشكل مفاجئ ودون الإدلاء بأي تصريح رسمي، وهي أنهار سيروان والكارون و الكرخة التي تمد مناطق شرق العراق بالمياه العذبة.
Play Video

1:36

Play Video

42:22

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني