ماء إسرائيل مقابل كهرباء الأردن : صمت رسمي وغضب شعبي في المملكة

اتفاقية مياه وكهرباء جديدة بين اسرائيل والأردن برعاية إماراتية تطرح تساؤلات وتثير جدلاً...

قرر طلبة الانسحاب من ندوة في الجامعة الأردنية الثلاثاء 16 تشرين الثاني/ نوفمبر، مخصصة للتعريف ببرنامج منح دراسية من جامعة محمد بن زايد الإماراتية، بعد اكتشافهم مشاركة جامعة إسرائيلية فيه، واعتصموا احتجاجاً على أي خطوة تطبيعية بين الجامعات واسرائيل. في الأثناء، كانت وسائل إعلام عبرية تميط اللثام عن اتفاقية جديدة، “الماء مقابل الكهرباء”، بين الأردن وإسرائيل والإمارات.

وبحسب موقع “واللا” العبري ستوقع  إسرائيل والأردن والإمارات اتفاقية وصفها بأنها “غير مسبوقة”، في دبي لبناء محطة ضخمة للطاقة الشمسية في الصحراء الأردنية لتوليد الكهرباء لإسرائيل. في المقابل، سيتم بناء محطة تحلية مخصصة للأردن في إسرائيل على ساحل البحر الأبيض المتوسط بحسب ما نشرت مواقع اسرائيلية.

اتفاقية “الماء مقابل الكهرباء” هي الثانية بعد اتفاقية خط الغاز بين شركة الكهرباء الأردنية وإسرائيل عام 2016، لاستيراد الغاز لمدة 15 عاماً بقيمة 15 مليار دولار. بهذا المعنى بات أمن الأردن في ملفي الطاقة والمياه، تحت رحمة إسرائيل.

“شركة مبادلة”

استندت فكرة الاتفاقية، بحسب ما نقل “واللا”، إلى رؤية منظمة إيكوبيس الشرق الأوسط قبل عامين، وهي منظمة بيئية غير حكومية، على أن إسرائيل بحاجة إلى الكهرباء من الطاقة المتجددة ، لكنها لا تملك مساحة كافية لبناء مزرعة شمسية كبيرة، بعكس الأردن. 

في المقابل، الأردن بحاجة إلى المياه المحلاة ، لكن منفذه الوحيد إلى البحر (الأحمر) يقع في العقبة أقصى جنوب البلاد، بعيداً من المراكز السكانية، فيما تمتلك إسرائيل خطاً ساحلياً طويلاً مع مرافق تحلية المياه.

بموجب الاتفاقية التي نشر بعض تفاصيلها موقع “واللا”، ستشتري إسرائيل من مزرعة الطاقة الشمسية التي ستنفذها شركة “مصدر” التابعة  لشركة “مبادلة للاستثمار” المملوكة لحكومة أبو ظبي، في الأردن، 1.2 جيغا من الكهرباء، لتغطي 2 في المئة من إجمالي استهلاكها، مقابل نصف مليار شيكل في السنة مقسمة بين الحكومة الأردنية والشركة الإماراتية. كذلك ستحصل المملكة على 200 مليون متر مكعب من المياه المحلاة سنوياً من إسرائيل، وهي ضعف الكمية الحالية.

وزارة المياه والري رفضت التعليق على سؤال “درج” حول ما أورده “واللا” العبري، فيما قالت مصادر متصلة- فضلت التحفظ على هويتها- إن الاتفاقية مطروحة كفكرة لدراسة جدواها فقط، ولم يُبت بأمرها حالياً.

وزير أسبق، أسرّ لـ”درج” أن شخصيتين أردنيتين رسميتين فقط تعرفان تفاصيل الاتفاقية، مؤكداً أن وزير المياه محمد النجار إحداهما.

وفيما تصمت عمّان الرسمية عن التعليق، تصدّر منصات التواصل الاجتماعي وسم “التطبيع خيانة”. واستنكرت وسائل إعلام محلية ما وصفته بـ”استغفال الأردنيين وتجاهل وجودهم وإرادتهم”، نظراً للسرية الشديدة التي تتعامل بها عمان الرسمية تجاه اتفاقياتها مع إسرائيل والتي لا يعرف عنها الأردنيون إلا من الصحف العبرية والغربية.

إقرأوا أيضاً:

تحت رحمة إسرائيل

اتفاقية “الماء مقابل الكهرباء” هي الثانية بعد اتفاقية خط الغاز بين شركة الكهرباء الأردنية وإسرائيل عام 2016، لاستيراد الغاز لمدة 15 عاماً بقيمة 15 مليار دولار. بهذا المعنى بات أمن الأردن في ملفي الطاقة والمياه، تحت رحمة إسرائيل.

يحدث ذلك، في ظل خطاب ملكي وحكومي عنوانه “ثلاث لاءات“: كلا للتوطين، كلا للوطن البديل، والقدس خط أحمر. وكان وزير الاستخبارات الإسرائيلي السابق ايلي كوهين أطلق تصريحات مفادها “ان الاردن هي الدولة الفلسطينية، ودليل ذلك أن الغالبية في الأردن هم من الفلسطينيين”، ناسفاً بذلك كل الخطوط الحمر و”لاءات” الوطن البديل.

يعتبر النائب في البرلمان، نقيب المحامين الأسبق، صالح العرموطي، أن هذه الاتفاقية بمثابة هدية للجانب الإسرائيلي في وقت تشن فيه وسائل إعلامهم ما قال إنها “حرباً على الأردن”، وبرأيه أنها “تجاوزت مرحلة التطبيع” إلى حد دعم اسرائيل، عدا عن خطرها على السيادة الأردنية واستقلاليتها، وإضعاف موقفها السياسي.

وينبّه العرموطي إلى عدم دستورية “الماء مقابل الكهرباء”؛ إذ تتعارض مع الفقرة (2) من المادة (33) من الدستور الأردني والتي تنص على أن “المعاهدات والاتفاقيات التي يترتب عليها تحميل خزانة الدولة شيئاً من النفقات أو المساس بحقوق الأردنيين العامة أو الخاصة، لا تكون نافذة إلا إذا وافق عليها مجلس الأمة ولا يجوز في أي حال أن تكون الشروط السرية في معاهدة أو اتفاق ما مناقضة للشروط العلنية”.

يؤكد العرموطي أن البرلمان سيستخدم صلاحياته لرفض الاتفاقية، كما فعل في المرة الأولى حول اتفاقية خط الغاز الإسرائيلي، بدءاً بالسؤال ثم الاستجواب، وحتى طرح الثقة بالحكومة. ويرى أن الإعلان المفاجئ عن جفاف سدود المملكة ما هو إلا خطوة تمهيدية لتمرير الاتفاقية. 

كان اتحاد مزارعي وادي الأردن، أطلق تحذيره من كارثة تهدد المملكة، على وقع  جفاف 6 سدود مياه: الوالة، الموجب، وادي الكرك، التنور، وادي شعيب، وسد زقلاب، من أصل 17 سداً، فيما تعاني البلاد أصلاً من عجز مائي بنسبة تفوق 30 في المئة.

لكن، الخبير المائي، رئيس مجلس إدارة جمعية إدامة، وأحد أعضاء وفد التفاوض حول المياه في محادثات السلام الأردنية الإسرائيلية، دريد محاسنة، يرى أن التغيير المناخي سبب جفاف السدود، فضلاً عن نضوب 14 حوضاً جوفياً من أصل 16 حوضاً، ولا علاقة للاتفاقية بذلك.

ويعتقد محاسنة أن استكمال مشروع  ناقل البحرين، وهو مشروع بين الأردن وإسرائيل والسلطة الفلسطينية لتحلية مياه البحر الأحمر وضخ جزء منها إلى البحر الميت الذي يصارع للبقاء في ظل انحسار مياهه المستمر، سيوفر نحو 650 مليون متر مكعب، إضافة إلى المياه الجوفية في الحوضين الباقيين في شرق المملكة وجنوبها، والتي تقدر بـ200- 300 مليون متر مكعب.

لكن وزير المياه والري، محمد النجار، كان أعلن في حزيران/ يونيو الماضي، أن “ناقل البحرين أصبح في خبر كان، بسبب عدم اتفاق أطراف المشروع”،غير أن وزير المياه الأسبق، حازم الناصر اعتبر في تصريحات سابقة أن “إسرائيل هي التي عطلت مشروع ناقل البحرين فهي لا تريده ولا مصلحة أو فائدة لها فيه”، على رغم حصولها على ضعف الحصة المخصصة للأردن في المرحلة الأولى بخاصة منطقة وادي عربة والمستوطنات هناك.

إقرأوا أيضاً:

هل تتعظ عمّان؟

منذ اتفاقية وادي عربة عام 1994 التي حددت بنود ملاحقها حقوق كلا الطرفين بالمياه، استبدلت اسرائيل عام 1998 حق الأردن في المياه النقية من نهري اليرموك والأردن، بمياه ملوثة من بحيرة طبريا، أدت إلى أزمة مائية وبيئية أطاحت بالحكومة ومسؤولي وزارة المياه في ذلك الوقت.

عام 2009 أعادت إسرائيل ضخ 80 ألف متر مكعب من المياه الملوثة لنهر اليرموك الذي يغذي محطة معالجة المياه الرئيسية في البلاد والمسؤولة عن تزويد العاصمة عمان بنحو 35 في المئة من احتياجاتها من مياه الشرب.

في العام الماضي، رفض رئيس الوزراء الإسرائيلي السابق، بنيامين نتانياهو، تزويد الأردن بأي حصص مائية من بحيرة طبريا، كوسيلة للضغط على الأردن لتمرير “صفقة القرن”، واعتبر أن قبول رئيس الحكومة الإسرائيلية الجديد، نفتالي بينيت، في تموز/ يوليو الماضي، تزويد الأردن بالمياه، “كإعطاء النفط لإيران”.

وأخيراً، اجهضت إسرائيل مشروع “ناقل البحرين”، والذي كان سينقذ البحر الميت من الجفاف، لفرض أجندتها المتمثلة باتفاقية “الماء مقابل الكهرباء”، ما يعني زيادة هيمنتها وسيطرتها على المياه الأردنية!

بعد ذلك، تضع عمّان صلاحية تحلية مياهها في عهدة دولة لها تاريخ عريض في المماطلة والأذى والابتزاز!

إقرأوا أيضاً:

حلول “استقلالية”

في المقابل، لا يأخذ المسؤولون الأردنيون اقتراحات التفاوض حول حق الأردن من الحصة المائية في نهر اليرموك مع الجانب السوري، خصوصاً في ظل عودة العلاقات الرسمية بين البلدين، أو لزيادة الضخ من حوض الديسي مع الجانب السعودي، بعين الاهتمام والجدية، وفقاً لقول مهندس المياه والطاقة، النائب موسى هنطش.

يوضح الخبير المائي دريد محاسنة أن حصة الأردن من نهر اليرموك كانت قبل الحرب في سوريا عام 2011، ما يزيد على 400 مليون مكعب سنوياً. تضاءلت خلال الحرب لتصل إلى 50 مليون متر مكعب سنوياً كحد أقصى، فضلاً عن تجاوز الجانب السوري الحد المسموح به في إقامة السدود، وهي 28 سداً، بموجب اتفاقية  تقاسم المياه مع الأردن عام 1987، ليصل إلى أكثر من 40 سداً، ما يعني حصوله على كميات تفوق حصته، على حساب حصة الأردن.

ويتفق محاسنة، مع هنطش في جدوى التفاوض مع سوريا “للعودة إلى المسار الصحيح” للحصول على الحصة المائية الكاملة من نهر اليرموك، بموجب الاتفاقية.

يرى هنطش، أن الإدارة الجيدة لموارد المياه، وضبط الفاقد منها لمصلحة متنفذين في البلاد، قد يحوّلان شح المياه من كارثة، إلى مشكلة موقتة، خصوصاً مع استغلال نسب الهطول المرتفعة شمال المملكة، في إربد وعجلون وجرش، وترميم سدودها، لتغطي حاجة تلك المناطق.

ويشير لـ”درج” إلى حل بديل عرضه على رئيس الحكومة بشر الخصاونة، من خلال حفر آبار في محافظات الشمال، بعمق 400-500 متر، لكل كيلومتر، وإنشاء محطات تحلية، بتمويل ياباني، لتوفير نحو 60 مليون متر مكعب تغذي شمال المملكة، لكنه لم يلق عليه أي رد.

 تتوقع الحكومة الأردنية أن يبدأ مشروع “الناقل الوطني” الجديد لتحلية المياه من خليج العقبة ونقلها للمحافظات، بتزويد المملكة 300 مليون متر مكعب مطلع عام 2027، ستبقى هذه الحلول على تفاوت جدواها، أرحم من الارتهان لإسرائيل.

إقرأوا أيضاً:

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
هديل الروابدة- صحافية أردنية
هذا المشهد، يحتاج إلى جلوس مكونات” الدولة الرسمية والسيادية، على طاولة حوار وطني، لتحديد العلاقة بينها، وبلورة هوية الإصلاح المنشودة، اقتصادياً وسياسياً واجتماعياً، قبل الذهاب إلى تعديلات الدستور وقانوني الانتخاب والأحزاب”.
Play Video

0:46

Play Video

2:09

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني