“إذا ما أخد الحبة بيموت”… رفع الدعم عن الدواء يرمي بفقراء لبنان نحو المجهول

ترك اللبنانيون لأمراضهم من دون أي سبيل للنجاة، فبعد رفع الدعم عن المازوت والبنزين تكافئ الدولة المواطن على صموده بإنجاز جديد...

“ابرة اوبديفو للمناعة لمرضى السرطان كانت بـ68 ألف ليرة، هلق صارت بمليون و600 يعني راتبي الشهري”. مهى (21 سنة) المصابة بسرطان الثدي لم تعد قادرة على توفير ما تحتاجه من أدوية وحقن إضافة إلى جلسات العلاج الكيميائي، في ظل الوضع الاقتصادي المتردي في لبنان والأزمة الممتدة إلى انقطاع الأدوية وغلاء أسعارها. تقول مهى “دقات قلبي عم تركض في دوا لازم اخده مقطوع بدي جيبه من تركيا بس غالي بالدولار قلت عمره ما يكون هالعلاج”، وتضيف أنها لم تعد قادرة على تأمين الجزء الأكبر من تكلفة العلاج، على رغم دعم تتلقاه من إحدى الجمعيات.

“الموت للفقراء” يبدو أنه شعار المرحلة الذي رفعته السلطة اللبنانية بذريعة أن لا حلول أخرى لعجز الخزينة عن الاستمرار بسياسة الدعم. فعلت السلطة ذلك دون حلول بديلة من نوع تأمين أدوية محلية أو تقديم دعم للفئات المسحوقة اجتماعياً بفعل الأزمة. ترك اللبنانيون لأمراضهم من دون أي سبيل للنجاة، فبعد رفع الدعم عن المازوت والبنزين تكافئ الدولة المواطن على صموده بإنجاز جديد، ربما يمكننا العيش بلا كهرباء وبلا سيارات، ربما لا نبصر النور إلا في النهار ولكن أيعقل أن يمرض المرء ويمنع عنه العلاج؟ 

يعيش لبنان اليوم أزمة تعتبر من أسوأ الأزمات في العالم بحيث يعاني ثلاثة أرباع السكان حالياً من الفقر بحسب الأمم المتحدة. ويشكل رفع الدعم خطراً كبيراً على المواطن اللبناني والحكومة اللبنانية باتخاذها هذا القرار ستهدد حياة شريحة كبيرة  من المواطنين. 

سؤال يطرحه القرار الذي اتخذه وزير الصحة فراس الابيض برفع الدعم بشكل جزئي عن أدوية الأمراض المزمنة، وإبقائه كاملاً على الأمراض السرطانية المستعصية والعقلية والنفسية، والتي تستخدم في المستشفيات، إضافة إلى غسيل الكلى. لكن هذه الأدوية يعاني محتاجوها من أزمة أخرى تتمثل في انقطاعها أو ندرتها، ومحاولة البعض احتكارها إلى حين رفع الدعم عنها.

حال محدودي الدخل أصبح معدوماً اليوم وسط تهديد فعلي على حياتهم، فالأدوية التي كان سعرها مثلاً 80 ألف ليرة، تناطح الـ600 ألف في الوقت الحالي، إذ وصلت أسعار أدوية كثيرة إلى 6 أضعاف ما كانت عليه. 

“بعد عندي ظرفين دوا، اذا بوقف علاج حرفياً بتدمر. جربت اشتري الدوا البديل من سوريا بس ما ناسب جسمي أقل دوا سعرو مية وشوي”، تعاني دارين ابنة (19 سنة) من اضطراب الشخصية الحدية، وبعد ارتفاع أسعار الأدوية لم تعد قادرة على متابعة علاجها، “دوا الاكزاليبرو صار بـ514 ألف ليرة، ومعاينة الطبيب كانت بـ50 ألفاً، حالياً أصبحت كلفتها خيالية”. تحتاج دارين إلى 3 علب من الدواء لتستمر، وإذ كانت تجد صعوبة في تأمينها في ظل شح الدواء، فاليوم بعد رفع الدعم عنها لن تعود قادرة على تأمينها أبداً. واحد من أربعة أشخاص في لبنان يعانون من أمراض نفسية، فبحسب نقيب الصيادلة غسان الأمين، استهلاك أدوية الأعصاب في لبنان ازداد في السنة الأخيرة إذ ارتفعت فاتورة الأدوية النفسية من مهدئات ومنومات إلى 2.15 مليار ليرة. من جهة أخرى، وبحسب وزارة الصحة، استورد لبنان منذ عام 2020 أكثر من مليون ونصف المليون علبة من الأدوية النفسية بزيادة ربع مليون علبة عن عام 2019.

إقرأوا أيضاً:

يحتاج زوج هالة (66 سنة) إلى 6 أدوية دائمة، بسبب معاناته من مرض القلب والكوليسترول، في السابق كان ذلك طبيعياً أي قبل عامين لكن اليوم لا تعرف هالة كيف ستؤمن الأدوية قبل نفاد ما تبقى في العلب، فراتب زوجها لا يتعدى المليون و600 ألف ليرة لبنانية ولا يستطيع أولادها المساعدة في تأمين مجمل المبلغ. “الوضع  يسير نحو الأصعب، فحتى البديل من الدواء، سعره مرتفع”، وتضيف: “زوجي أو بياخد دوا أو بيموت”، موضحةً أن “سعر دواء الكولسترول كان بين 30 و40 ألف ليرة لبنانية أما اليوم فوصل إلى 214 ألفاً”. 

يعيش لبنان اليوم أزمة تعتبر من أسوأ الأزمات في العالم بحيث يعاني ثلاثة أرباع السكان حالياً من الفقر بحسب الأمم المتحدة. ويشكل رفع الدعم خطراً كبيراً على المواطن اللبناني والحكومة اللبنانية باتخاذها هذا القرار ستهدد حياة شريحة كبيرة  من المواطنين. 

“رفع الدعم سيأخذنا الى مزيد من الفقر، فاليوم مستوى الفقر مع رفع الدعم على البنزين والمازوت صار بحدود 40 في المئة، لكننا على هذه الحال سنصل إلى 50 في المئة. التقارير تشير إلى أن الفقر طاول 50 في المئة من الشعب اللبناني”، يقول الخبير الاقتصادي محمود جباعي، موضحاً لـ”درج” أننا على شفير انفجار كبير وأن الأخطر في هذا  كله أن الدولة ترفع الدعم عن كل شيء من دون أن توفر البديل، فالبطاقة التمويلية لم تصل حتى الآن ولا يحصل المحتاجون على أي مساعدات. ويلفت إلى أن “كارتيلات الأدوية من شركات محتكرة تستورد الأدوية من الخارج وتبيعها بهوامش ربح خيالية في غياب الرقابة، والمواطن مضطر لشرائها في ظل غياب المنافسة، حتى لا يموت”. يقول جباعي. 

رفع الدعم  لم يشمل الأدوية وحسب، فقد طاول أيضاً حليب الأطفال الرضع (5 أشهر – سنة)، إذ اتخذ القرار برفع سعرها من 12500 ليرة إلى ما بين 93 ألفاً و104 آلاف ليرة، في ظل غياب الرقابة على الصيدليات حيث تتفاوت الأسعار وتتخطى السعر المعقول. “الحليب الذي كان يشربه ابني صار بـ300 ألف فاضطررت إلى تغييره”. تحتاج بتول إلى 4 علب حليب شهرياً لطفلها الذي لم يتجاوز سنته الأولى، أي ما يقارب 400 ألف ليرة لشراء البديل، واليوم اذا ارتفع سعر البديل أكثر، ستضطر إلى تقليل الكمية “يعني بشربه مرة وحدة باليوم اذا اضطريت” تقول بتول.

إقرأوا أيضاً:

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
هديل الروابدة- صحافية أردنية
هذا المشهد، يحتاج إلى جلوس مكونات” الدولة الرسمية والسيادية، على طاولة حوار وطني، لتحديد العلاقة بينها، وبلورة هوية الإصلاح المنشودة، اقتصادياً وسياسياً واجتماعياً، قبل الذهاب إلى تعديلات الدستور وقانوني الانتخاب والأحزاب”.
Play Video

0:46

Play Video

2:09

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني