المفاضلة بين زهير رمضان ودريد لحام

نموذج رمضان الملوث بالسياسة في أقصى آفاتها، لا يتفوق عليه في ذلك إلا نموذج آخر مثَّله ربيب آخر للنظام في سوريا، أي دريد لحام الذي أجاد دوره ببراعة قلَّ نظيرها، وفيما قارب رمضان السياسة بفجاجة، كان لحام يتوارى خلفها مخادعاً.

 قلة هم الفنانون الذين تماهوا مع الأنظمة الحاكمة في بلادهم، وزهير رمضان نموذج فاقع عن هؤلاء، فكيف والحال أن رمضان هو الوجه “الفني” لنظام الحكم في سوريا.

كُتب الكثير عن زهير رمضان من موقعه في “نقابة الفنانين السوريين”، وقد آل إليه المنصب منذ عام 2014، أي بعد 3 سنوات من انطلاق الحراك الثوري في سوريا ضد حكم بشار الأسد. ووصول شخصية مثل زهير رمضان إلى منصب النقيب لم يكن عبثاً في بلد لا يتحرك فيه شيء إلا على إيقاع النظام، وقد أتقن رمضان دوره في هذا السياق، أكثر بكثير من أدواره التمثيلية متفاوتة الجودة، والأرجح أن إتقانه هذا الدور قد مهد له الطريق لعضوية مجلس الشعب السوري عام 2016.

   زهير رمضان خاض انتخابات “نقابة الفنانين السوريين” متسلحاً بفيتو أسدي، هو أو لا أحد، وهو الأمر الذي تكرر عام 2020، أما من تنكب مشقة وصوله إلى المنصب ففعل ذلك تحت ظلال تلك المفاضلة الأسدية.

     وتقصي مواقف رمضان من الفنانين السوريين المعارضين لبشار الأسد، وهي بالمناسبة متوفرة بكثرة على “يوتيوب”، لا يترك مجالاً للشك من مآرب النظام من تبوؤ شخصية كرمضان منصب النقيب، وقد أوغل فيها الأخير تعسفاً يحاكي بالضرورة الوجه الاستئصالي للنظام، حيث لم يُجدِ ضخ كميات هائلة من المحسنات التمثيلية في شخصية رمضان، لحجب تبريره المقتلة السورية.

     عموماً، هذه النماذج من فناني الأنظمة، تشطر النفس الإنسانية بين حقدين، الأول مرهون لإنسانيتها المفقودة، فيما الحقد الثاني يؤوَل بين استلابها لنا بأدوارها التمثيلية، الجيدة قطعاً، ثم انتصابها أمامنا في اللحظة ذاتها إنما متواطئة مع الأنظمة، فكيف والحال أن الكثير من الأدوار التمثيلية لهذه النماذج تسربت إلى وعينا من موقع الضد- أنظمة، ورمضان في شهرته يدين بذلك لدورين تمثيليين صنعا له “مجداً” على الشاشة، عنيت السلطوي “أبو جودت” في باب الحارة، وهي شخصية اقتربت من الانشطار الأول، ثم شخصية “المختار البيسة” في ضيعة ضايعة، والتي اقتربت كثيراً من الانشطار النفسي الثاني.

    نموذج رمضان الملوث بالسياسة في أقصى آفاتها، لا يتفوق عليه في ذلك إلا نموذج آخر مثَّله ربيب آخر للنظام في سوريا، أي دريد لحام الذي أجاد دوره ببراعة قلَّ نظيرها، وفيما قارب رمضان السياسة بفجاجة، كان لحام يتوارى خلفها مخادعاً، والمرء إذ يرصد إنتاجه الفني في التلفزيون والسينما والمسرح بشكل خاص، يصعب عليه العثور إلا على “دريد” ضد النظام، وإذا ما أخذنا في الاعتبار أن معظم الأعمال الفنية ذات البعد السياسي للحام أتى في ظل حكم الأسد الأب، ثم بدرجة أقل في عهد وريثه، سنكتشف كم مثَل الرجل علينا قبل أن يُمَثِّل أمامنا، وهو على الأرجح أكبر العورات الفنية المستترة التي كشفتها الثورة السورية التي حاكت أدوار لحام التمثيلية ناسها، أقله في بداياتها، قبل أن يخرج من تقيته السياسية إلى البوح معلناً أنه وجه من وجوه النظام.

    ومن المصادفات ربما، أن كاتب هذه السطور قد شاهد مسلسل “الخربة” متأخراً بأعوام عن الصيت الفني الذائع له، ويُدين بواحد من أكثر المشاهد التي كثفت انطباعاً حاداً بالسلبية عن “أبو نمر”، هو مشهد خروجه من أحد فروع الأمن وقد ثُنِيَ شاربه الذي كان الدلالة الرمزية الأكثر محاكاة لرجولته في المسلسل، وهو بالمناسبة طقس “درزي” بدلالات المكان واللهجة، ثم في انكساره الداخلي العميق الذي لم يرتقه في محاولته خداع “توفيق” و”جميل”، وقد كان يخدع نفسه أمام “رزية” أمنية لطالما أتقنها النظام الذي حباه دريد لحام  تأييداً عاصفاً ضد من مثَّل قهرهم لأكثر من 50 عاماً.

    والحال، ها هو هادم زهير رمضان، الراحل إلى قدره يمنح نزعتي الكره والحب سعفة، يفقدانها غالباً لمصلحة الأخير عندما لا يتلوث الفنان بسياسة أنظمة القتل، لكنها ليست حالة رمضان، الذي عاش ومات رجلاً من رجال الأسد.

إقرأوا أيضاً:

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
علي كريم إذهيب – صحافي عراقي
كانت المياه الواردة من إيران إلى العراق تبلغ 7 مليارات متر مكعب يومياً فيما تبلغ اليوم صفراً. بعد قطع طهران مياه ثلاثة أنهار بشكل مفاجئ ودون الإدلاء بأي تصريح رسمي، وهي أنهار سيروان والكارون و الكرخة التي تمد مناطق شرق العراق بالمياه العذبة.
Play Video

1:36

Play Video

42:22

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني