جائزة جديدة لتحقيقات “بيغاسوس”…
والمخابرات الفرنسيّة متأهّبة!

إحدى أضخم القصص في تسريبات "بيغاسوس" هي حقيقة محاولة اختراق هاتف الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون من قبل مشغّل تابع للمغرب، إضافة إلى هواتف 15 عضواً في الحكومة. فالمغرب حاول استهداف ما يزيد عن 10 آلاف رقم، 10 في المئة منها كان في الأراضي الفرنسيّة.

جائزة جديدة تضاف إلى رصيد مشروع “بيغاسوس” الاستقصائي وهي جائزة التأثير Impact Award، من منظّمة “مراسلون بلا حدود” (Reporters Without Borders)، باعتبار المشروع “أكبر فضيحة تجسّس إلكتروني منذ تسريبات إدوارد سنودن قبل 10 سنوات”.

منحت المنظّمة هذه الجائزة لمنظّمة القصص المحظورة (Forbidden Stories) التي قادت المشروع.  و”مشروع بيغاسوس” هو تحقيق استقصائي عالمي مبني على تسريبات حصلت عليها مؤسسة Forbidden Stories وشاركتها مع “درج” و16 مؤسسة إعلاميّة أخرى شارك فيه أكثر من 80 صحافياً في 10 دول حول العالم، وبمساعدة تقنيّة من Amnesty International’s Security Lab. كشف المشروع استغلال أنظمة قمعيّة عدّة تقنيّة “بيغاسوس” التجسّسيّة لاستهداف أكثر من 50 ألف رقم، 200 منها تعود لصحافيين، إضافة إلى مدافعين عن حقوق الإنسان وزعماء دينيين وسياسيين وعسكريين. 

وهذا ليس الإنجاز الأوّل للمشروع، ففازت منظّمة “القصص المحظورة” Forbidden Stories في 14 تشرين الأوّل/ أكتوبر 2021 أيضاً بجائزة “دافني كاروانا غاليزيا للصحافة”  التابعة لبرلمان الاتحاد الأوروبي لعام 2021.

أمّا الإنجاز الأضخم للمشروع، فتحقّق بعد نحو أربعة أشهر من نشر التحقيقات وتمثّل بإصدار  مكتب الصناعة والأمن (BIS) التابع لوزارة التجارة الأميركية قراراً صادماً بإضافة أربع شركات أجنبية إلى “قائمة الكيانات” المشاركة في “أنشطة إلكترونيّة خبيثة”، تتعارض مع مصالح الأمن القومي أو السياسة الخارجية للولايات المتحدة ومن بينها كانت شركة “NSO” الإسرائيليّة التي أصبحت على القائمة السوداء الأميركيّة والتي تتلقّى ضربات قاسية متتالية منذ نشر تحقيقات مشروع “بيغاسوس”. 

ما زالت التحقيقات تتوالى وتكشف عن تجاوزات وخروقات باستخدام تقنيّة “بيغاسوس” التجسّسيّة، فأخيراً كشف تحقيق أنّ الحكومة الاسرائيلية استخدمت لاختراق هواتف نشطاء حقوقيين فلسطينيين وأقدمت بعدها على تصنيف جمعياتهم بأنها إرهابية وحلّها، “المذهل في الكشف الصحافي الجديد هو أن NSO ومن ورائها الحكومة الإسرائيلية، كانت وعدت في أعقاب نشر التحقيقات في شهر تموز/ يوليو الفائت بـ”تنظيف” أنشطتها ومعالجة ما يشوبها من ارتكابات، وإذ بها تواصل مهمتها، على رغم الفضيحة المدوية، ضاربة عرض الحائط بحقائق من وزن استعمال “بيغاسوس” للتنصت على الرئيس الفرنسي ايمانويل ماكرون، ولتعقب الصحافي السعودي جمال خاشقجي قبل قتله!”، وفقاً للتحقيق، الّا أنّ التحقيقات والضغوطات مستمرّة لوقف انتهاكات الشركة وعملائها للحريّات وما يتبع ذلك من مخاطر على حياة الصحافيين وعملهم.  

جائزة جديدة تضاف إلى رصيد مشروع “بيغاسوس” الاستقصائي وهي جائزة التأثير Impact Award، من منظّمة “مراسلون بلا حدود” (Reporters Without Borders)، باعتبار المشروع “أكبر فضيحة تجسّس إلكتروني منذ تسريبات إدوارد سنودن قبل 10 سنوات”.

التجاوزات الإماراتيّة

لا شكّ أنّ الإمارات العربيّة المتّحدة هي إحدى أكثر الدول استغلالاً لهذه التقنية الخبيثة، الّا أنّ الإمارات لم تستخدم التقنية بشكلٍ موحّد، بل كشف تحقيق لصحيفة “هآرتس“، أنّ كلّاً من الأمير محمد بن زايد، حاكم إمارة أبو ظبي، والأمير محمد بن راشد آل مكتوم، حاكم إمارة دبي، له مشغّله الخاص واستخداماته المختلفة للتقنية. وكشف التحقيق أنّ “المبلغ الذي يدفعه كل من هؤلاء العملاء بالدولار هو رقم مكون من سبعة إلى ثمانية أرقام”، ما يسلّط الضوء على المبالغ الماليّة الضخمة التي تدفعها الإمارات مقابل استخدام التقنية.

ولا بدّ هنا من التذكير بأنّ القضاء البريطانيّ خلص في 6 تشرين الأوّل 2021 إلى أنّ حاكم دبي ورئيس وزراء الإمارات الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم كان بالفعل يستخدم تقنيّة “بيغاسوس” التجسّسيّة التابعة لشركة NSO الإسرائيليّة، لاختراق هاتف الأميرة “هيا” وخمسة من المرتبطين بها (محامين ومرافقين)، ما اعتبره القضاء البريطاني إساءة استخدام السلطة بشكل غير قانوني. وعقب التحقيق القضائي، أعلنت شركة NSO الإسرائيليّة إنهاء عقدها مع الإمارات العربيّة المتّحدة وذلك لإساءة استخدام الأخيرة تقنيّة “بيغاسوس”، “التي يفترض أن تستخدم لجمع البيانات من الأجهزة المحمولة لمجرمين أو إرهابيين معينين مشتبه بهم”، بحسب الشركة.

التحقيقات الفرنسيّة

أما إحدى أضخم القصص في تسريبات “بيغاسوس” فهي حقيقة محاولة اختراق هاتف الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون من قبل مشغّل تابع للمغرب، إضافة إلى هواتف 15 عضواً في الحكومة. فالمغرب حاول استهداف ما يزيد عن 10 آلاف رقم، 10 في المئة منها كان في الأراضي الفرنسيّة.

على رغم الإعلان الفرنسي المتكرّر الذي جاء على ألسنة السياسيّين: “إذا كانت الحقائق صحيحة، فمن الواضح أنها خطيرة للغاية”، والذي لا يتضمّن أي ردّ فعل، الّا أنّ خلف الكواليس كانت المخابرات الفرنسيّة تعمل بشكل مكثّف لكشف ملابسات القضيّة 

مؤخّراً، كشف تحقيق لزميلين صحافيين فرنسيين أنّه منذ نشر التحقيقات في مشروع “تسريبات بيغاسوس” وما تضمّنه ذلك من الكشف عن اختراق هواتف شخصيّات فرنسيّة رسميّة، والمخابرات الفرنسيّة تسعى لمعرفة حجم الضرر والاستهداف الناتج عن استخدام تقنيّة “بيغاسوس” التي  تنتجها شركة NSO الإسرائيليّة. 

فبحسب التحقيق، تمّ تنظيم اجتماعات أسبوعيّة رفيعة المستوى لمدة ثلاثة أشهر، وذلك لتحديد ما إذا كانت قد حدثت عمليات اختراق هاتفية أخرى داخل الإدارة العليا أو الجهاز التنفيذي. وقامت المخابرات الفرنسيّة بحملة تقنيّة “لفحص الهواتف المحمولة للأشخاص المقرّبين من السلطة، الذين يعملون بشكل خاص على إعداد الملفات الحساسة، حول مجلس الدفاع”.

إقرأوا أيضاً:

وتبيّن من خلال هذه الفحوصات أنّ أسماءً إضافية، لم تكن موجودة في التسريبات، تمّ أيضاً إختراق هواتفها، والمفاجئ أنّ هؤلاء الأشخاص ليسوا ضمن الدائرة الداخلية للسلطة، بل هم مسؤولون كبار غير معروفين لعامة الناس ويعملون في قضايا حساسة تتم دراستها في مجلس الدفاع، وفقاً للتحقيق، ما يظهر الاستهدافات الاستراتيجيّة والخطيرة التي أتاحتها شركة NSO الإسرائيليّة عبر برنامجها التجسّسي.

اللافت أنّ تحقيقات “بيغاسوس” أحدثت وستحدث تغييرات جذريّة في خدمات مكافحة التجسّس،  فتاريخيّاً ركزت دول كفرنسا وغيرها على قدرات المراقبة الإلكترونية للدول الكبيرة الأخرى، ولكن لم يكن هذا التركيز على التقنيات المبتكرة في القطاع الخاص ولم تتوقّع فرنسا أن تتمكّن هذه التقنيات من أن تشكل تهديداً مباشراً للمصالح الفرنسية، وفقاً للتحقيق الأخير الذي يتوقّع أنّ تواجه فرنسا صعوبة في الحصول على المساعدة من نظيراتها الأوروبية في هذا الخصوص، إذ إنّ الكثير من دول الاتحاد هم عملاء لمجموعة  NSO، وفرنسا قد تكون هي الاستثناء في أوروبا. 

الّا أنّ فرنسا تتعامل مع الموضوع بجديّة قصوى، فتركّز نقاش ماكرون مع رئيس الوزراء الإسرائيلي نفتالي بينيت  عند لقائهما في COP26 في غلاسكو في 11 تشرين الثاني/ نوفمبر 2021 على موضوع “بيغاسوس” و”اتفقا على ضرورة الاستمرار في التعامل مع هذه القضية بطريقة سرية ومهنية ولصالح الشفافية بين الطرفين”. هذا فضلاً عن أنّ التحقيقات القضائيّة الفرنسيّة المتعلّقة بمحاولة اختراق الصحافيين لا تزال مستمرّة.

وهذا ما قد يشير إلى أنّ الكثير من التحقيقات والتطوّرات تحصل خلف الأضواء، محليّاً داخل الدول من جهة، وبينها وبين دول أخرى، من جهة ثانية، وذلك بعيداً من الإعلام والرأي العام. 

ومن المتوقّع أنّ قضيّة “بيغاسوس” وشركة NSO لن تتوقّف عند هذا الحدّ فحسب بل ستستمر ستستمر وتتوسّع لتشمل أيضاً شركات أخرى وبرامج مماثلة تستخدمها الأجهزة القمعية والدول الاستبداديّة، إمّا للابتزاز والضغط على الصحافيين والنشطاء أو للتجسّس على الديبلوماسيين والسياسيّين والأمنيين.

إقرأوا أيضاً:

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
هديل الروابدة- صحافية أردنية
هذا المشهد، يحتاج إلى جلوس مكونات” الدولة الرسمية والسيادية، على طاولة حوار وطني، لتحديد العلاقة بينها، وبلورة هوية الإصلاح المنشودة، اقتصادياً وسياسياً واجتماعياً، قبل الذهاب إلى تعديلات الدستور وقانوني الانتخاب والأحزاب”.
Play Video

0:46

Play Video

2:09

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني