“الجنسانية الإسلامية” و”فطرة التعدد”:
عن مزاعم خبراء الجنس ومغالطاتهم

نوفمبر 19, 2021
التصريحات التي تتكرر عن غريزة المرأة في قبول خيانة الرجل هي ظلال موروثات ثقافية ودينية تتعارض مع رسالة الباحثين والاختصاصيين التي يفترض أن تنتصر للعلم على حساب القناعات الشخصية.

“الراجل ميقدرش يعيش مع زوجته لو عرف إنها بتخونه لكن الست ممكن”،

يصعب ذكر الثقافة الجنسية في مصر من دون استذكار اسم الدكتورة هبة قطب، والتي تعرف نفسها على موقعها الرسمي كرائدة في في علم الجنس والاستشارات الزوجية.

تقع هبة قطب وهي المتحدثة الأبرز عن الصحة الجنسية على الشاشات المصرية في الكثير من المغالطات، آخرها ما قالته مع الإعلامي عمرو أديب في برنامج الحكاية، على قناة “أم بي سي مصر”، وهو ما ذكرناه أعلاه. وزادت قطب على ذلك بأن هذه قاعدة تنطبق على المرأة المصرية والأميركية والألمانية… 

هكذا ببساطة عممت خبيرة العلاقات الجنسية ما اعتبرته تساهل نساء مصر مع الخيانة الزوجية بلا مبررات أو أسس علمية، وأكدت خلال الحلقة نفسها أن طبيعة المرأة تميل عاطفياً إلى رجل واحد، بينما يميل الرجل إلى التعددية. 

الكلام الشعبوي يغلب العلمي

الحديث عن فطرة المرأة في إقامة علاقة مع رجل واحد وتعميم فكرة تسامح النساء مع الخيانة الزوجية، لا يختلفان عما يتم ترويجه شعبوياً بخصوص فطرة المرأة في الإنجاب، غريزة الأمومة، الحياء طبيعة الأنثى؛ وغيرها من العبارات المستهلكة التي ينسفها العلم، ويضعها في طور الخرافة.

كثيرات لا يرغبن في دور الأمومة، وهناك مصريات دفعن أعمارهن لتحقيق دور رسمه لهن المجتمع مسبقاً.

مفهوم “فطرة التعدد” الذي تحدثت عنه قطب والذي يروج له كثر من الشخصيات العامة باسم الدين تارة وباسم العلم أو الاجتماع تارة أخرى، تنفيه رحلة التطور البشري الخاصة بالتكيفات النفسية في العلاقة بين الجنسين مثل الغيرة الجنسية من وجود طرف آخر.

 أظهرت الأبحاث الأنثروبولوجية النسوية أن هذه التفضيلات لا تُفَسر باستمرار في مصلحة الذكور كونهم أكثر استعداداً لإقامة علاقات مع أكثر من زوجة واحدة، وأظهر البحث الذي أجرته سارة هيردي أن إناث القردة تسعى إلى إقامة علاقات جنسية مع أكثر من ذكر لتجميع المزيد من الموارد منها واستثمارها، بالتالي، فإن قبول فكرة جمع الذكر بين امرأتين، لا يجب فصله عن النظر إلى وجود اتجاهات متعارضة لذلك، وعدم تعميم الأمر وكأن لا جدال فيه.

التصريحات التي تتكرر عن غريزة المرأة في قبول خيانة الرجل هي ظلال موروثات ثقافية ودينية تتعارض مع رسالة الباحثين والاختصاصيين التي يفترض أن تنتصر للعلم على حساب القناعات الشخصية، هذا هو الشرف المهني الذي يفصل بين المهنة والقناعات الفردية المسبقة، ولا يجعلها ستاراً أو بوابة لإظهار مفاهيم شخصية على حساب ما توصلت إليه العلوم الحديثة.

الموروث الثقافي/ الديني في تعاليم هبة قطب

هبة قطب تعلن انتماءها للتفسيرات الدينية صراحة من خلال تقديم نفسها على صفحتها الرسمية باللغة الإنكليزية، تقول إنها تبني أساليبها على تعاليم القرآن، والتي تقول إنها تشجع الحياة الزوجية القوية بما في ذلك العلاقات الجنسية الصحية بين الزوج والزوجة.

تظهر العلاقة بين خبيرة العلاقات الزوجية- المحتكرة للبرامج والقنوات ولا ينافسها أحد حتى الآن في هذا التخصص- وبين الدين والموروث الثقافي الشعبي، بوضوح في الكثير من آرائها التي أثارت موجات من الجدل عن طبيعة دورها بالتحديد، هل هي ناقلة لما يقوله العامة من الناس، أم متحدثة جادة عن العلم؟

 أحد آرائها التي أثارت ضدها عاصفة من الانتقادات، كان عن ختان الإناث، وقولها بعدم تأثيره على المتعة الجنسية عند المرأة، قالت هذا جنباً إلى جنب مع وصفها ختان الإناث كجريمة، تماماً كما يراوغ من يدعون إلى تشويه الأعضاء التناسلية، فكأنها تحاول إرضاء الفريقين، غير أن المختصين انتقدوا خطابها الذي لم يشفع له وصف الأمر بالجريمة.

المشكلة لا تكمن في خطابات كهذه، لكن الأزمة هي محاولة إلباسها ثوباً علمياً، مثل موقفها أيضاً من المثلية الجنسية، فهي ترفض كل الأبحاث العلمية التي تفيد بوجود أساس عضوي طبيعي للمثلية، ولا تكترث بحذف “منظمة الصحة العالمية” المثلية من قائمة الأمراض النفسية، وترى أن استبعاد المؤسسات الطبية الغربية للمثلية الجنسية من قائمة الانحرافات أو الاضطرابات النفسية هي عمل سياسي، رافضة كونه قراراً علمياً، من دون أن تقدم دليلاً علمياً أو أبحاثاً تؤيد بصدق روايتها.

إقرأوا أيضاً:

مبادرات سابقة تهدف إلى تدريس الثقافة الجنسية 

ازدادت الفجوة بين الجنسين والأزمات المتعلقة بالمساواة، وقضايا الصحة الإنجابية في مصر، وانتشرت عمليات الختان على رغم تغليظ عقوباتها، علاوة على تفشي جرائم التحرش الجنسي سواء في الأماكن العامة والشوارع، أو في أماكن العمل، إذ أفادت هيئة الأمم المتحدة بأن 99 في المئة من النساء في مصر تعرضن للتحرش مرة واحدة على الأقل، هذا بجانب العنف القائم على النوع الاجتماعي الموجه ضد النساء، والمعدلات المرتفعة من نسب حالات زواج القاصرات، لا سيما في القرى والأماكن الأكثر فقراً، حيث 17 في المئة من الفتيات يتزوجن دون 18 سنة.

هذه الأزمات كلها تجعل الدراسة المتعمقة في الصحة الجنسية واجباً، لا مجرد رفاهية، أو احتياج ثانوي، إذ أظهرت دراسات أجرتها وزارة الصحة والسكان عام 2015، إلى افتقار الشباب/ الفتيات لمعرفة المعلومات الخاصة بالتطور البشري، والبلوغ، ووظائف الأعضاء الجنسية. 

عام 2015 طالبت هيئات حقوقية لقانونية في مصر بضرورة جعل الجنس مادة رسمية في المدارس بداية من المراحل الابتدائية، وأطلقت “المبادرة المصرية للحقوق الشخصية” و”مركز تدوين لدراسات النوع الاجتماعي” و”مركز القاهرة للتنمية والحقوق” حملة “مش عيب” لتعليم الثقافة والوعي الجنسي في مصر، لكن هذه التحركات قوبلت بالرفض الإعلامي والمجتمعي..

هذا التعنت في رفض أي مبادرات مستقلة للتثقيف الجنسي في مصر هو السبب الرئيسي في استمرار ظهور هبة قطب، فهي خليط بين العلم، الدين، الخطاب الشعبي، الذي يرضي في النهاية الذوق العام، ويضيع معه التعليم الصحيح، والقدرة على التثقيف الحقيقي المبني على العلم لا على الخرافة أو المعتقدات الشعبية.

الباحثة أمل فهمي، مدير مركز تدوين لدراسات النوع، قالت إن الثقافة الجنسية ليست رفاهية، بل هي ضرورة مع زيادة معدلات التحرش، والعدائية للجنس الآخر بسبب عدم فهمه، وتوضح أن الثقافة السائدة بين المصريين هي رفض الحديث عن الجنس بشكل علمي، فيما يستقي المراهقون معلوماتهم من مصادر عشوائية كالشارع والأصدقاء والمواقع الإباحية.

وفق فهمي، 60 في المئة من الفتيات لا يعرفن أضرار الختان على أجسادهن، وتوافق بعضهن على إجراء العملية، كما تنتشر أفكار مغلوطة عن “الإيدز” وحب الشباب والعادة السرية، وغيرها من الأمور التي تشكل خطورة على الوعي العام في المستقبل. 

المناخ السائد من رفض الحديث العلمي، والإقبال على هبة قطب كنموذج وحيد لمجال العلاقات الأسرية، في مقابل تحجيم ظهور الكثير من المختصين، سيؤدي إلى مزيد من المغالطات ولن تصبح أفكار هبة قطب المحطة الأخيرة التي تخلط بين التفسيرات الدينية والعلم.

60 في المئة من الفتيات لا يعرفن أضرار الختان على أجسادهن

ظاهرة هبة قطب في كل المجالات

الدكتور محمد داوود، الكاتب في الشؤون الإسلامية، يعتبر أن هبة قطب لا تغني منفردة، بل هي ظاهرة سائدة وعامة في كل المجالات والقطاعات في مصر. يقول لـ”درج”: العقل المهيمن على الحياة في مصر هو الديني الرجعي، والرجعية الدينية هي البناء الراسخ الذي يستوعب أي إضافة تتماهى معه، بل ويراكم عليها، بخاصة مع رفض ديني رجعي شرس لأي إضافة حداثية، ما يصعب معه التراجع عن أي إضافة دينية رجعية”. 

 الإعلامي إبراهيم عيسى انتقد قراءة القرآن الكريم في كل أوان وكل صيدلية ومصلحة حكومية وجمعية استهلاكية، “ليه أدخل صيدلية والاقي الدكتور بيقرأ قرآن كل وقت… ممكن يقرا كتب علمية ويزود معرفته بأخر مستجدات الأبحاث في علوم الأدوية والطب”، وبرغم بدهية الطرح السابق إلا أن الهجوم العنيف وصل حد خروج تصريحات مقابلة من شيوخ ورجال دين جميعهم عنفوا بدهية عيسى، في مشهد يظهر ترسيخ الظاهرة الرجعية في كل مكان وأوان، وكأننا في مقرأة عامة، أو ميتم مفتوح، نهاية بسلوكيات التربص والاضطهاد وكراهية الاختلاف، وقمع التفكير والتعبير.

إقرأوا أيضاً:

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
هديل الروابدة- صحافية أردنية
هذا المشهد، يحتاج إلى جلوس مكونات” الدولة الرسمية والسيادية، على طاولة حوار وطني، لتحديد العلاقة بينها، وبلورة هوية الإصلاح المنشودة، اقتصادياً وسياسياً واجتماعياً، قبل الذهاب إلى تعديلات الدستور وقانوني الانتخاب والأحزاب”.
Play Video

0:46

Play Video

2:09

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني