مصر: أسماء الشوارع وصراع الذاكرة والوعي

إن تركت مديرية التحرير واتجهت شرقاً إلى أرياف مصر  القديمة، تلك التي وهبها النيل أرضاً طينيةٍ شديدة الخصوبة عبر قرون من فيضانه ستجد أسماء لا تَكَلّف فيها، ترتبط بالبيئة أو بمن سكن هذا المكان أو ذاك أو أي تشبيه رأوه في مساكنهم ومزارعهم.

“شوف! انت حتخش يمين من طريق التحدي، تكمل عليه لحد ما توصل النجاح، بعد النجاح تكمل على طريق الكفاح، خليك ماشي على طول، لو دخلت يمين حتروح المعركة، وتتوه! خليك ماشي طوالي توصل إن شاء الله”. لم يأتِ هذا الكلام في محاضرةٍ لـ”التنمية البشرية”، ولم يكن جزءاً من خطبة تحفيزية لجنودٍ قبل معركة، بل هو مجرد وصفٍ لكيفية الوصول من طريق القاهرة- الإسكندرية الصحراوي إلى مزرعة على أطراف “مديرية التحرير”، المنطقة الصحراوية الشاسعة الواقعة غرب دلتا النيل، بمحافظة البحيرة، التي تحولت أرضاً زراعية في النصف الثاني من القرن الماضي. “المعركة” و”الكفاح” و”النجاح” أسماء قرى هنا حُملّت أسماؤها “ثورية” شعارات الحقبة الناصرية.  أيضاً في الجوار ما يحمل علامات عصر “الرئيس المؤمن” أنور السادات، فقرب “الكفاح” و”المعركة” هناك  “قرى “التوحيد” و”المؤمنين” (وهذه وتلك طبعاً نقائض قرى الشرك والكفار أعاذنا الله وإياكم). في المنطقة أيضاً قرى باسم الإمام الغزالي، الإمام الحسين ومحمد متولي الشعراوي والإمام محمد رفعت قارئ القرآن الأسطوري، واستثناءً؛ قرى باسم نجيب محفوظ وتوفيق الحكيم. علماً أنه، للدقة، بعض الأسماء ذات الدلالات الإسلامية تعود إلى حقبة عبد الناصر: مركز المنطقة وأهم قراه، المؤَسَس عام 1962، اسمه “بدر” نسبةً إلى معركة المسلمين الأولى.

إن تركت مديرية التحرير واتجهت شرقاً إلى أرياف مصر  القديمة، تلك التي وهبها النيل أرضاً طينيةٍ شديدة الخصوبة عبر قرون من فيضانه (الذي أوقفه، هو ووصول طميه، السد العالي) ستجد أسماء لا تَكَلّف فيها، ترتبط بالبيئة أو بمن سكن هذا المكان أو ذاك أو أي تشبيه رأوه في مساكنهم ومزارعهم. مثلاً لا حصراً هناك قرية “دست الأشراف”، والدست لغة تعني صدر المجلس، أو كرسي الشرف والرئاسة، أو، وهو ما أظنه المقصود هنا، مرجل الطبخ الكبير من النحاس. وبالقرب من “دست الأشراف” قرية “الطود” وهذه تعني الجبل العظيم، وبما أن المنطقة تخلو من الجبال فربما أطلقت التسمية مبالغةً أو تعظيماً (تحمل قرية في أقصى الصعيد، بين الأقصر وأسوان، الاسم نفسه). لكن في هذه المنطقة، الواقعة أيضاً في محافظة البحيرة، ربما أجمل الأسماء وقعاً، قرية اسمها “زِمران النخل”، و”زمران” مصدر “زمر”. لا يسعنا حصر كل صيغ أسماء قرى مصر ومدنها، لكن غير بعيد من هنا، هناك  أكثر من “كوم” (مثلاً كوم حمادة وكوم عزيزة) وهناك، كما في كل مصر “كفورٌ” كثيرة (مدينة كفر الدوّار، ثم بعد عبور النيل شرقاً محافظة كفر الشيخ)، والكفر بالسريانية القرية (كيف انتشرت كلمةٌ سريانية إلى هذا الحد في مصر، أمر لا أفهمه)، والدوّار، كما في “كفر الدوّار”، البيتُ الكبير في العامية المصرية، كذلك غير بعيدٍ في أرجاء الدلتا عشرات القرى والأحياء التي يبدأ اسمها بـ”شُبرا” (شُبراخيت، شُبرامنت، شُبرا بابل، شُبرا النملة، شُبرا البلد …) ، و”شُبرا” تعني القرية أيضاً لكن بالمصرية القديمة. 

كما أن ابتداع أسماء الأماكن أو استخدامها للدعاية السياسية بما قد تحوي من رموزٍ لا يقتصر على العقود الأخيرة من تاريخ مصر الطويل، كما أن أثرَ السلطة وإرث الثورية والشعاراتية ليس محصوراً في أرياف مصر أو أطراف صحاريها. اسم العاصمة، القاهرة، قرره أول أئمة الفاطميين (هم خلفاؤهم بحسب التعبير الشائع)، بعض الروايات تقول لأنه أرادها قاهرةً لأعدائه العباسيين السنة، وهو الإمام الشيعي الاسماعيلي، والبعض يقول تيمناً بالنجم القاهر: كوكب المريخ. لكن الطريف أن ما غلب في عامية المصريين على اسم القاهرة هو الاسم الذي أطلقوه  قبل ذلك على الفسطاط، عاصمة المسلمين الأولى في مصر، والتي ابتلعتها القاهرة المتسعة، فهذه، أي الفسطاط، عرفت بـ”مدينة مصر”، كما يخبرنا من زارها من الرحالة، واليوم يسمي المصريون عاصمتهم في عاميتهم “مصر” أكثر مما يسمونها “القاهرة” (طبعاً الاسم الأخير هو المستخدم رسمياً). 

في ظل تسمية تذّكر بـ”الكفاح” و”المعركة”، نشأتُ في حي “مدينة نصر” الواقع شرق القاهرة، الذي شُرع في تأسيسه في  أواخر خمسينات القرن الماضي في ذروة الحقبة الناصرية. بيتنا كان قريباً من طريق النصر (المعروف اليوم أيضاً بالأتوستراد) الذي على منصته قتل السادت يوم احتفاله بما قدمه دوماً أنه نصره هو، في تشرين الأول/ أكتوبر 1981. امتلكت أسرتنا سيارةً من إنتاج مصانع “النصر” التي تأسست أيضاً في عهد عبد الناصر، كانت أصلاً من تصنيع شركة “فيات” الإيطالية، لكن جُمّعت في مصر، وكانت، ككثيرٍ مما أنتجته (أو بالأحرى جمّعته) هذه الشركة أقل جودةٍ من المنتج الإيطالي الأصلي، وإن كانت أرخص طبعاً، المهم أنها حملت اسم “نصر”. في عهد عبد الناصر، المُختَصر عادةً “ناصر”، سُمي كل شيء بـ”نصر”. كون جمال عبد الناصر خسر كل حروبه وترك البلاد مهزومة وسيناء كلها محتلة لم يغير في حضور كلمة النصر شيئاً، ففاقد الشيء ربما يدعي ما لا يملك بدلاً من النزول إلى أرض الواقع. لكن جد جديد بعد رحيل صاحب شركات وطرق وشعارات النصر، ففي مدينة “نصر”، وكأنما مُكايدةً لجمال عبد الناصر خصوصاً ولنظام يوليو 1952 عموماً، سُمي عدد من الشوارع الرئيسية بأسماء رموزٍ وفدية (نسبة لحزب الوفد الذي كان أكبر الأحزاب السياسية المصرية قبل انقلاب تموز/ يوليو العسكري عام 1952) : أشهر شوارع الحي يحمل اسم عباس (محمود) العقاد، الكاتب والبرلماني الوفدي المعروف، ثم هناك شوارع باسم مصطفى النحاس، زعيم الحزب الأشهر بعد سعد زغلول، والوفدي أيضاً مكرم عبيد، أشهر قيادات مصر الوطنية من أبنائها الأقباط. لكن أطرف مشهد مرتبط باسم الزعيم الذي هزم الديموقراطية شر هزيمة، عرفته مدينة الإسكندرية: أطول شوارع المدينة  كان اسمه حتى وفاة مؤسس دولة يولية 1952  “طريق الحرية”، وعند مماته، أي جمال عبد الناصر عام 1970، تكريماً له، أطلق اسمه على هذا المحور المروري الذي يربط المدينة كلها وكُتب على اللافتة: “طريق الزعيم جمال عبد الناصر، طريق الحرية سابقاً”. 

الصراع على الذاكرة والوعي الجمعيين عبر أسماء الشوارع والميادين ليس جديداً، لا عندنا ولا عند سوانا. 

بعد استيلاء الشيوعيين على السلطة في روسيا غيّروا أسماء مدنٍ وقرى، أهمها كانت عاصمة القياصرة سانت بطرسبرغ، أو بتروغراد، التي أصبحت لينينغراد، نسبة إلى قائد البلاشفة لينين، كذلك مدينة تساريتسين، التي أصبحت ستالينغراد. لينينغراد عاد إليها اسمها القديم ما إن سقط حكم الشيوعيين مطلع تسعينات القرن الماضي، أما ستالينغراد فتطهرت من اسم السفاح جوزيف ستالين (و”ستالين” لم يكن اسمه الأصلي بل لقب روسي، وهو ابن جورجيا، اتخذه لنفسه يعني الحديدي) وأصبح اسمها فولغوغراد بعد وفاته ببضع سنوات، تحديداً عام 1961 تحت حكم خروشوف الذي حاول جاهداً علاج الاتحاد السوفياتي من إرث ستالين الدموي. 

في السياق المصري ربما أشهر موقع  كان اسمه محلاً للصراع والرمزية هو ما يعرف اليوم بميدان التحرير  في قلب العاصمة. اسم الساحة الشاسعة الأصلي كان ميدان الإسماعيلية، نسبةً إلى حفيد محمد علي باشا، الخديوي اسماعيل باشا الذي حكم مصر من 1863 إلى 1879، والذي أسس ما يعرف اليوم بالقاهرة الخديوية، التي أسست غرب المدينة الأصلية أواخر القرن التاسع عشر، وسط المدينة الذي يحمل بوضوح بصمة المهندسين الفرنسيين الذين استجلبهم اسماعيل. لكن نظام تموز 1952 قرر تغيير اسم الباحة الواسعة إلى “التحرير”، وكانت تتوسطها قاعدة ضخمة تنتظر تمثالاً للخديوي باني القاهرة الحديثة، لكن كما أسقط اسم الرجل عن الميدان، فقد غُيّب تمثاله أيضاً. أزيلت القاعدة وأعيد تخطيط الميدان أكثر من مرة، وافترشت قلبه مساحات خضر. اكتسب المكان أهميةً قُصوى خلال أحداث ثورة يناير 2011، ساعتها اعتبر كثيرون، داخل مصر وخارجها، الميدان رمزاً ثورياً. بعد الثورة ببضع سنوات قُلعت إحدى مساحات العُشب وزُرعت مكانها صاريةُ علمٍ شاهقة الارتفاع، ثم أزيلت هذه ونُصبت مسلةٌ فرعونية ترجع إلى الفرعون رمسيس الثاني الذي حكم مصر في القرن الثالث عشر قبل الميلاد، تحرسها أربعة تماثيل لكباشٍ فرعونية اسُتحضرت من الأقصر، التي كانت يوماً عاصمة الفرعنة، وبحكم التخطيط “النجمي” لوسط المدينة (أي الذي تتفرع فيه الشوارع من ميادين مستديرة كأشعة النجمة) تُرى المسلةُ بوضوح من أماكن كثيرة في وسط القاهرة، مثلما كان مخططاً ربما أن يُرى تمثال الخديوي اسماعيل، وهكذا، بينما في الإسكندرية طريق الحرية أمسى طريق الزعيم جمال عبد الناصر، حل هنا الفرعون محل الخديوي.

إقرأوا أيضاً:

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
هديل الروابدة- صحافية أردنية
هذا المشهد، يحتاج إلى جلوس مكونات” الدولة الرسمية والسيادية، على طاولة حوار وطني، لتحديد العلاقة بينها، وبلورة هوية الإصلاح المنشودة، اقتصادياً وسياسياً واجتماعياً، قبل الذهاب إلى تعديلات الدستور وقانوني الانتخاب والأحزاب”.
Play Video

0:46

Play Video

2:09

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني