الإمارات ودمشق وترسيخ “الاستقرار”
الاستبدادي في المنطقة

لا تزال الإمارات تسعى باستمرار إلى تغيير استراتيجيتها نحو سوريا منذ عام 2015، والدفع تجاه التطبيع مع النظام السوري يمضي قدماً وإن كان بوتيرة بطيئة.

التقى وزير الخارجية الإماراتي، الشيخ عبد الله بن زايد آل نهيان، الرئيس السوري في العاصمة دمشق يوم الثلاثاء 9 تشرين الثاني/ نوفمبر 2021. تشير الزيارة التي قام بها أكبر مسؤول إماراتي- والتي تعد الأولى من نوعها منذ عشر سنوات- إلى بداية توطيد العلاقات بين دمشق وأبوظبي. وقد شهد النهج الإماراتي في التعامل مع الأزمة السورية تحولاً منذ عام 2015، فقد انتقلت الإمارات من الدعم الصريح للمعارضة، إلى اعتزال النزاع، ثم إلى التقارب مع النظام وإقامة علاقات ودية معه، ليتوج هذا المسار في النهاية بإعادة فتح السفارة الإماراتية في دمشق في كانون الأول/ ديسمبر 2018، بعد سبع سنوات من إغلاقها.

كانت الإمارات في طليعة الدول العربية المؤثرة التي طبّعت مع دمشق، بعد موافقتها على تطبيع العلاقات مع إسرائيل. حدث ذلك مع إعادة توجيه واشنطن سياستها الخارجية، وحقيقة أن الشأن السوري لم يعد يشكل أولوية قصوى، إذ ينصب تركيز الولايات المتحدة في ظل إدارة جو بايدن على ضرورة “دعم القدرة التنافسية الأميركية”، لمواجهة التحديات التي تفرضها الصين- بصفة رئيسية- ثم روسيا. في الوقت نفسه، يحرص حلفاء الولايات المتحدة في المنطقة على انتهاج سياسات أكثر استقلالية عن واشنطن، مع عجز الولايات المتحدة المتنامي عن الاضطلاع بدور الشريك والضامن الأمني على المدى الطويل. 

تعزيز العلاقات السياسية بين الإمارات وسوريا

شهدت العلاقات بين البلدين تطوراً منذ أواخر كانون الأول 2018. وأصبحت الزيارات والمشاركات المتعددة للمسؤولين السوريين في الفعاليات التي تنظمها الإمارات حقيقة فعلية على أرض الواقع منذ 2019، وقد تزامن ذلك مع زيارة المسؤولين ورجال الأعمال الإماراتيين سوريا.

دأبت الإمارات على تقديم قدر كبير من المساعدات الإنسانية لسوريا من خلال وكالات الأمم المتحدة الموجودة في دمشق التي تعمل بتنسيق وثيق مع النظام السوري. فقد بلغت قيمة المساعدات الإماراتية المقدمة لسوريا في مجالي الإغاثة الإنسانية والتنمية من عام 2012 إلى آذار/ مارس 2021 ما يزيد عن 1.1 مليار دولار، ووفرت الإمارات خدمات أساسية للسوريين داخل سوريا ودول الجوار في قطاعات التعليم والصحة والإسكان والإمداد بالطاقة. علاوة على ذلك، ساهمت الإمارات بما يزيد عن 50 مليون دولار لتمويل برامج ومشاريع إعادة الاستقرار في شمال شرقي سوريا بالتعاون مع شركاء دوليين. وخلال جائحة “كورونا”، أرسلت الإمارات ما لا يقل عن أربع شحنات من اللقاحات إلى سوريا، ووفرت في الوقت ذاته كميات كبيرة نسبياً من الأدوية ومواد التعقيم والمعدات اللازمة لإجراء اختبارات فايروس “كورونا”. وقدم المسؤولون الإماراتيون تلك المساعدات الإنسانية المتواصلة إلى سوريا للتعبير عن تضامن الإمارات مع الشعب السوري.

يشجع المسؤولون الإماراتيون أيضاً على التطبيع مع النظام السوري إقليمياً ودولياً، مع الدعوة أكثر من مرة إلى عودة سوريا إلى مقعدها في جامعة الدول العربية. اتخذت بلدان عربية أخرى موقفاً مماثلاً من النظام السوري- متأسّيةً بِسياسة التقارب التي اتبعتها الإمارات- لا سيما خلال الأشهر القليلة الماضية. ففي أيلول/ سبتمبر من العام الحالي، وللمرة الأولى منذ عشر سنوات، زار وفد رسمي من وزراء لبنانيين بارزين دمشق، والتقى وزير الخارجية المصري نظيره السوري على هامش اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة. وبعد شهر، أتى دور العاهل الأردني الملك عبد الله الثاني ليعيد التواصل مع الأسد من خلال مكالمة هاتفية هي الأولى بينهما منذ عشر سنوات. قبل بضعة أسابيع من ذلك الاتصال، أعاد الأردن فتح المعبر الحدودي الرئيسي بين البلدين (مركز حدود جابر) بشكل كامل. إضافة إلى ذلك، تم الاتفاق في آب/ أغسطس 2021، بموافقة واشنطن، على نقل الغاز الطبيعي المصري والكهرباء من الأردن إلى لبنان عبر سوريا.

في آذار/ مارس، دعا وزير الخارجية الإماراتي إلى ضرورة التعاون الدولي مع النظام السوري قائلاً إن العقوبات الأميركية المفروضة على سوريا “تجعل الأمر في غاية الصعوبة”. كانت إعادة انتخاب بشار الأسد أيضاً في أيار/ مايو 2021 بمثابة رسالة ضمنية إلى الأطراف الفاعلة الإقليمية والدولية، مفادها أن النظام السوري باقٍ، وأنه “لا سبيل إلى تقديم تنازلات سياسية من جانبه”. وفي الأشهر التالية، عُقدت اجتماعات جديدة في الإمارات بين المسؤولين السوريين والإماراتيين، لبحث سبل تعزيز التعاون السياسي والاقتصادي بين البلدين، بما في ذلك الدور الذي يمكن أن تضطلع به الإمارات لإصلاح شبكات المياه والبنية التحتية في سوريا. وفي نهاية تشرين الأول/ أكتوبر أُعيد تفعيل مجلس رجال الأعمال السوري الإماراتي المشترك. 

إلى جانب الهدف الإماراتي المتمثل في الحث على تطبيع العلاقات مع النظام السوري على المستويين الإقليمي والدولي، تسعى أبوظبي أيضاً إلى الاضطلاع بدورٍ في مستقبل سوريا، شأنها شأن الأطراف الفاعلة الإقليمية الأخرى كتركيا وإيران: لكنها لا تمتلك القوة اللازمة لمواجهة النفوذ الإيراني والتركي في سوريا. فخلال السنوات القليلة الماضية ازداد التوتر الذي يشوب علاقات أبوظبي مع أنقرة وطهران، وأدان الشيخ عبد الله بن زايد، وزير الخارجية الإماراتي، تصرفات إيران وتركيا في سوريا ووصفها بـ”الاستعمارية” عام 2017. لكن في الآونة الأخير خفت حدة تلك التوترات بعض الشيء. فقد عقدت أبوظبي وأنقرة عدة اجتماعات رفيعة المستوى، من بينها زيارة مستشار الأمن الوطني الإماراتي، الشيخ طحنون بن زايد آل نهيان، إلى تركيا في منتصف آب/ أغسطس 2021، وبعد تلك الزيارة ببضعة أسابيع، أجرى الرئيس التركي رجب طيب أردوغان وولي عهد أبوظبي نائب القائد الأعلى للقوات المسلحة الإماراتية الشيخ محمد بن زايد آل نهيان اتصالاً هاتفياً.

في الوقت ذاته، بدأ العداء بين الإمارات وإيران في التلاشي منذ صيف 2019. وبعد يومين من زيارة وزير الخارجية الإماراتي إلى دمشق، وصف وزير الخارجية الإيراني حسين أمير عبد اللهيان، الزيارة بأنها “خطوة إيجابية” تهدف إلى تعزيز التعاون الإقليمي، مؤكداً، في اتصال هاتفي أجراه مع نظيره الإماراتي، أن العلاقات الثنائية بين أبوظبي وطهران “تحظى بأهمية خاصة”. 

في حين أعرب مسؤولون أميركيون عن قلق واشنطن من هذا الاجتماع “والرسالة التي يبعثها”. وأكدوا مجدداً أن “الولايات المتحدة لن تدعم الجهود الرامية إلى تطبيع العلاقات مع نظام بشار الأسد أو إصلاحه”.

إقرأوا أيضاً:

محدودية الفرص الاقتصادية

من شأن توطيد العلاقات السياسية بين أبو ظبي ودمشق أن يؤدي إلى فتح المجال أمام الاستثمارات الإماراتية في مختلف القطاعات الاقتصادية في سوريا. وكما كان الحال قبل عام 2011، ستتركز اهتمامات المستثمرين الإماراتيين بصورة رئيسية على المشاريع العقارية والإنشاءات والنقل والتجارة. فمنذ عام 2017، أصبحت الإمارات ثالث أهم مورد للسلع في سوريا، وبلغت قيمة صادراتها 750 مليون دولار أميركي عام 2020. غير أن صادرات الإمارات هي في معظمها منتجات صينية وإيرانية تمر عبر دبي. ثم يعاد تغيير علامتها التجارية على أنها منتجات إماراتية الصنع من أجل الاستفادة من المزايا التي تقدمها “منطقة التجارة الحرة العربية الكبرى”: إذ تُعفى دول المنظمة من الرسوم الجمركية على التبادلات التجارية.

بعد يومين من زيارة وزير الخارجية الإماراتي إلى دمشق، عقدت وزارة الكهرباء السورية ومجموعة من الشركات الإماراتية اتفاقية تعاون لإنشاء محطة طاقة شمسية بقدرة 300 ميغاواط في منطقة وديان الربيع بالقرب من محطة توليد تشرين في ريف دمشق. ومن المقرر أن يستغرق بناء المحطة عامين. بيد أن ثمة تعقيدات تكتنف احتمالات تحقيق عائد ضخم على الاستثمارات الإماراتية في سوريا سواء على المدى القريب أو المتوسط. فضلاً عن أن العقوبات التي تفرضها الولايات المتحدة على سوريا لا تزال تشكل عقبة كبيرة أمام المستثمرين الإماراتيين. لذا قد تصبح بسهولة المشاريع العقارية والاستثمارات الكبرى المحتملة في القطاعات الرئيسة من الاقتصاد السوري التي قد تعود بالنفع على دمشق، ورجال الأعمال المرتبطين بالنظام، هدفاً للعقوبات. وفي هذا الصدد، لا يزال من غير الواضح ما إذا كانت الاتفاقية الإماراتية- السورية الأخيرة لبناء محطة للطاقة الشمسية في محافظة دمشق ستُعفى من العقوبات الأميركية، مثل مشروع نقل الطاقة المصرية والأردنية إلى لبنان من طريق سوريا. فقد وافقت واشنطن على هذه الاتفاقية باعتبارها تندرج ضمن “فئة المساعدات الإنسانية”، وبالتالي “لن تكون هناك حاجة إلى أي استثناء من العقوبات في هذه الحالة”.

في الوقت نفسه، ركزت الإمارات على الانتعاش الاقتصادي الداخلي والإصلاحات في أعقاب جائحة “كوفيد- 19” والأزمة الاقتصادية المرتبطة بها. وسعت إلى اجتذاب المهنيين ذوي المهارات العالية وتعزيز التجارة والاستثمارات الأجنبية. فعام 2020، تقلص الاقتصاد الإماراتي بنسبة 6.1 في المئة. وقد كان ذلك أول انخفاض في إجمالي الناتج المحلي تشهده البلاد منذ الأزمة المالية عام 2009. وعلاوة على ذلك، فإن احتمالات وجود استثمارات إماراتية كبيرة، وبشكل أعم أي استثمارات أجنبية، في سوريا لا تزال منخفضة بسبب انعدام الاستقرار السياسي والاقتصادي في البلاد، فضلاً عن البنية التحتية المدمرة والفساد المستشري في البلاد بمستويات مرتفعة. وفي هذا السياق، لا يشجع نقص الأرباح الاقتصادية المحتملة، في الأمدين القصير والمتوسط في سوريا، الاستثمارات الإماراتية والأجنبية. فقد سجلت الاستثمارات الأجنبية المباشرة في الاقتصاد السوري قيمة ضئيلة للغاية عام 2020، للسنة التاسعة على التوالي، وفقاً لتقارير “مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية”. ولا تزال هناك مستويات دنيا من تدفقات الاستثمارات الأجنبية المباشرة مستمرة من روسيا، وبدرجة أقل من الدول المجاورة مثل لبنان.

لا تزال الإمارات تسعى باستمرار إلى تغيير استراتيجيتها نحو سوريا منذ عام 2015، والدفع تجاه التطبيع مع النظام السوري يمضي قدماً وإن كان بوتيرة بطيئة. ومن المرجح أن تواصل الإمارات القيام بدور قيادي في عودة دمشق إلى الساحة الإقليمية. ومن المحتمل أيضاً أن تؤدي دور الوسيط لمصلحة سوريا، مع الدول الغربية، وبخاصة في ما يتصل بالقضايا التي تهم الغرب مثل “الحرب على الإرهاب”، أو الحاجة إلى “الاستقرار الإقليمي” من أجل وقف “التدفقات الجديدة من المهاجرين” إلى أوروبا.

وعموماً تعكس زيارة الإمارات دمشق وتنسيق العلاقات بين مختلف الأنظمة العربية وسوريا توجهاً واسعاً بالنسبة إلى معظم الأطراف الإقليمية المؤثرة، بدعم من مختلف القوى الدولية. فضلاً عن أن هناك اتجاهاً نحو ترسيخ شكل من أشكال الاستقرار الاستبدادي في المنطقة. وعلى رغم المشاحنات المستمرة بين مختلف دول المنطقة، فإنها تتبنى موقفاً مشتركاً يتمثل في رغبتها في العودة إلى وضع مماثل للوضع الذي كان سائداً قبل الانتفاضات عام 2011. 

في هذا الإطار، يُعد إضفاء الشرعية على النظام السوري على الساحة الإقليمية جزءاً من هذه الخطة التي تتزعمها الإمارات ودول أخرى. وقد واكبت ذلك عمليات أخرى مثل وضع حد (على سبيل المثال الانقلاب العسكري في السودان) للاحتجاجات والتجارب الديموقراطية ومحاولات احتواء الجماعات الجهادية.

هذا المقال مترجم عن موقع The Middle East Directions Programme Blog ولقراءة الموضوع الأصلي زوروا الرابط التالي.

إقرأوا أيضاً:

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
علي كريم إذهيب – صحافي عراقي
كانت المياه الواردة من إيران إلى العراق تبلغ 7 مليارات متر مكعب يومياً فيما تبلغ اليوم صفراً. بعد قطع طهران مياه ثلاثة أنهار بشكل مفاجئ ودون الإدلاء بأي تصريح رسمي، وهي أنهار سيروان والكارون و الكرخة التي تمد مناطق شرق العراق بالمياه العذبة.
Play Video

1:36

Play Video

42:22

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني