عراقيون عالقون عند الحدود الأوروبية:
هاربون من صقيع الوطن إلى دفء الغربة!

"سأبقى أحاول حتى لو كلفني ذلك الموت، فنحن موتى سريرياً في العراق بلا عمل أو أمن".

في درجات حرارة تحت الصفر، وحالة من شبه انعدام المواد الأساسية للمعيشة والتدفئة، مع توفر مواد غذائية بسيطة جداً “مما حمله المهاجرون معهم” وما حملته حقائبهم وحقائب أطفالهم، يتجمّع أكثر من 5000 مهاجر عند الشريط الحدودي بين بيلاروسيا وبولندا.

 معظم اللاجئين العالقين هم من العراقيين والنسبة الأكبر منهم من إقليم كردستان مع جنسيات أخرى لمواطنين سوريين وآخرين أفغان. هم هناك على الحدود بعد مرور أسابيع من تنقلهم حتى الحدود البلاروسية- الليتوانية ومنعهم من الدخول منها إلى دول أوروبية أخرى.

لا يرحم البرد القارس لا الطفل ولا المسن. فلا مصدر للدفء سوى قطع من الخشب يأتي بها بعض الشبان من الغابات المجاورة، يحرقونها بين الحين والآخر لتوفير مصدر للحرارة والدفء، يمضي اللاجئون يومهم حوله استعداداً ليوم آخر من الانتظار على أمل العبور إلى “دفء” أوروبا.

تلك المشاهد المأساوية يرويها اللاجئ الكردي محمد. ب، الذي فضّل إخفاء هويته، خوفاً من المساءلة والملاحقة في حال عودته إلى بلاده، كما أنه قد يعود الى تركيا للاستقرار فيها في حال فشلت هجرته هذه المرة… وصل محمد قبل مدة قصيرة الى الحدود البولندية ليلتحق بمئات اللاجئين الذين يعيشون في ظروف لا إنسانية، كما يصفها، خصوصاً أنهم أمضوا أوقاتاً أطول منه ومن رفاق طريقه، فالدفعات الأولى من اللاجئين بقيت شهوراً على الحدود الليتوانية، قبل الانتقال إلى الحدود البولندية كوجهة جديدة للدخول عبرها إلى أي دولة في الاتحاد الأوروبي.

يقول محمد لـ”درج” في وقت متأخر من الليل بعدما شحن هاتفه الخليوي، “هي مشكلة أخرى يواجهها الناس هناك”. فالهاتف يبقى الوسيلة الوحيدة ليتواصل العالقون على الحدود بالعالم، ويطمئنوا أقاربهم إلى أنهم لا يزالون على قيد الحياة.

كثيرون تعرضوا للإغماء بسبب البرد، يقول محمد، وأكثر المتأثرين هم كبار السن ومن يعانون من أمراض مزمنة. وأشار إلى أن كثيرين تعرضوا للاعتداء والضرب اثناء محاولتهم رفع الأسلاك الشائكة التي تضعها القوات البولندية الموجودة عبر الحدود، مع محاولة الدخول بمجموعات كبيرة للضغط على تلك القوات للسماح لهم بالعبور إلى ألمانيا، “الهدف المنشود الذي يتمناه الجميع” لكن من دون جدوى.

وأكثر ما أحزن محمد وأشعره باليأس، حالة اخوين عراقيين هاجرا من إقليم كردستان وقد فقد أحدهما بسبب عدم تلقيه “الأنسولين” وقد كان يعاني من مرض السكري. مات الرجل في الغابات هرباً من برد الوطن، وبحثاً عن دفء الغربة.

يقصد المهاجرون بيلاروسيا وحدودها المتاخمة لعدد من دول الاتحاد الأوروبي مثل ليتوانيا وبولندا اللتين اصبحتا البوابة الوحيدة للموجة الجديدة من المهاجرين، بعدما كانت تركيا محطتهم الأولى في الأعوام السابقة للانطلاق بحراً باتجاه اليونان، ومن ثم إلى ألمانيا وغيرها من الدول الأوروبية.

وكانت وزارة الخارجية العراقية وعدت في خضم اشتداد أزمة المهاجرين على الحدود بين بيلاروسيا وبولندا، بإعادة المهاجرين العراقيين الراغبين بالعودة إلى بلادهم من بيلاروسيا خلال الأيام المقبلة.

فيما تناقلت جهات صحافية عن الجنود الموجودين على الحدود البولندية، أن بولندا وعدت بفتح حدودها لـ48 ساعة (المدة التي حددتها الحكومة العراقية) وتحديداً يوم الاثنين 22 تشرين الثاني/ نوفمبر، لمرور اللاجئين نحو أوروبا، ليتوجهوا إلى ألمانيا ودول أخرى من الاتحاد الأوروبي، لكن معظم الموجودين على الحدود رفضوا العودة وقرروا الانتظار. 

وعزز ذلك الأمر دعوة منظمتين ألمانيتين عدداً من الحافلات للتوجه إلى الحدود لنقل عدد من الحالات الحرجة وكبار السن والأطفال من اللاجئين من الحدود البولندية إلى المانيا، لكن القضاء الألماني حذر من تلك الخطوة لعدم استكمالها الشروط القانونية واحتمال أن تتسبب بدخول مواطنين غير شرعيين إلى البلاد.

بدأت رحلة المهاجرين من دول عدة وأبرزها العراق نحو بيلاروسيا، بتأشيرات سياحية للبقاء هناك بحجة السياحة لبضعة أيام، ثم التوجه فوراً إلى حدودها مع ليتوانيا وانتظار فرصة للدخول إلى أوروبا.

هنا يشير أحد أصحاب الشركات السياحية العراقية إلى الإقبال المتزايد على الحجوزات إلى بيلاروسيا، إذ يأتيه زبائن من بغداد وغيرها من المدن العراقية طالبين السفر سريعاً للسياحة، مع العلم أن الوجهات السياحية المتعارف عليها صيفاً بالنسبة إلى العراقيين، هي غالباً تركيا وآذربيجان وإيران ولبنان.

بلغت أعداد الراغبين في زيارة بيلاروسيا للسياحة عشرات ثم مئات في اليوم الواحد وبشكل متفرق وعبر طرق ومنافذ مختلفة، فمنهم من اختار التنقل براً الى تركيا ثم جواً إلى بيلاروسيا، ومنهم من اختار طرقاً ملتوية تبدأ من العراق ثم إيران وآذربيجان وصولاً إلى بيلاروسيا، وفضّل آخرون أن يتوجهوا أولاً إلى لبنان أو دبي لإبعاد شبهة السفر المباشر إلى بيلاروسيا.

إغلاق السفارات والقنصليات لم ينفع

بادرت حكومة كردستان قبل الحكومة المركزية في بغداد إلى إغلاق قنصلية بيلاروسيا بعدما بيّن الإحصاء الأخير في محافظة دهوك، مغادرة أكثر من 1500 مواطن كردي أراضيها وأراضي محافظات الإقليم الأخرى هرباً نحو أوروبا، ما دفع الحكومة إلى إغلاق القنصلية البيلاروسية وحظر أي تعامل مع أي جهة تصدر تأشيرات الدخول إلى بيلاروسيا.

يتحدث محمد. ب لـ”درج” عن “ترتيبات” الرحلة السريعة وغير المخطط لها كما يصفها. يقول: “تواصلنا مع أحد المكاتب العقارية في أنقرة التي تساعد العراقيين للسؤال عن سكن موقت، وقام صاحب المكتب بتوجيهنا إلى شخص يقوم باستخراج الفيزا السياحية الى بيلاروسيا خلال 4 أيام، مقابل 1300 إلى 1500 دولار، كما يقوم باستكمال إجراءات السفر لقاء 500 دولار”، وبذلك يتقاضى أكثر من 2000 دولار من كل شخص لضمان وصوله من تركيا إلى بيلاروسيا.

يتكفل المسافر بأمر توجهه الى الحدود مع ليتوانيا او بولندا بنفسه، أو من طريق سماسرة آخرين يتقاضون مبالغ متفرقة لإيصال المهاجرين إلى هناك. يتابع الشاب الكردي حكايته: “هجرنا بلدنا ولن نعود إليه، وإن اضطررنا للبقاء شهوراً في هذا المكان. لقد كنا ننتظر هذه الفرصة منذ سنوات”، وينقل هذا الحديث فيما يجلس بين مئات العائلات والأشخاص الذين اختاروا البقاء على الحدود البولندية منذ أيام، على رغم  اليأس والمتاعب والأخطار. كما ينقل عنهم كيف أمضوا طيلة الأسابيع الماضية على الحدود الليتوانية وما واجهوه من تضييق وتعامل لا إنساني من القوات الليتوانية والبلاروسية التي تطوقهم من الجانبين.

إقرأوا أيضاً:

التهريب ينشط من جديد

يبرز دور المهربين الذين عملوا بين عامي 2011 و2016 مستغلين الأزمتين السورية والعراقية وسيطرة “داعش” على مناطق واسعة في البلدين المذكورين، ليستقبلوا المئات بل الآلاف من المهاجرين نحو أوروبا الذي يوافقون مجبرين على دفع مبالغ طائلة للخروج من جحيم بلدانهم.

أبو عمر السوري غادر بلده عام 2013 نحو تركيا ليستقر فيها بضع سنوات منتظراً فرصة للهجرة إما إلى أوروبا أو إلى كندا أو الولايات المتحدة الأميركية، يتحدث هو الآخر عن فرحه بتلك الفرصة، على رغم أنها كلفته أكثر من 15 ألف دولار، دفعها لأكثر من مهرب ليوصلوه على مراحل، بدأت بتوجهه من تركيا الى دبي ومن ثم سافر بتأشيرة سياحية الى بيلاروسيا، واستقر مع المهاجرين على الحدود حتى الآن منتظراً امل الهجرة بعدما دفع كل ما ادخره في عمله في تركيا.

خط العراق- إيران- آذربيجان، وكذلك خط العراق- تركيا- بيلاروسيا، نشطا أيضاً خلال الفترة الأخيرة بالسفر جواً وبراً، ما اضطر الخطوط الجوية العراقية الى إعلان إيقاف الرحلات تجاه بيلاروسيا بالكامل ومنع السفر إليها لأي غرض كان.

لكن الأمر لم يجد نفعاً، إذ توجه عراقيون كثيرون خصوصاً من إقليم كردستان عبر الأراضي الإيرانية والتركية، إلى بيلاروسيا ليستقروا مع أكثر من 4000 مهاجر يعانون اليوم من ظروف قاسية، في ظل برد الشتاء وقلة المواد الغذائية والحصار الذي تفرضه قوات حرس الحدود.

محاولات مستمرة 

يتحدث علي الذي يستعد لمغادرة العراق خلال ساعات من كتابة هذا التقرير، عن أنها محاولته الثالثة للهجرة إلى أوروبا. كانت أولى المحاولات عبر تركيا إلى الحدود البلغارية وفشلت ثم حاول مرة أخرى عبر تركيا ثم إلى اليونان، لكن أمله خاب، بعدما استنفد أمواله، إلا أنه يتمنى أن تكون هذه محاولته الأخيرة وتنجح: “سأبقى أحاول حتى لو كلفني ذلك الموت، فنحن موتى سريرياً في العراق بلا عمل أو أمن”.

يتصدر المواطنون الكرد المشهد اليوم في محاولات الهجرة، وبأعداد كبيرة من الشباب، وذلك بعدما تعرض الإقليم لأكثر من حالة تضييق اقتصادي وقطع لرواتب الموظفين وتقليل لحصة الإقليم من الموازنة من قبل حكومة المركز في بغداد ليزداد بذلك مستوى الغلاء المعيشي هناك. ويرتفع مستوى الفقر في بعض مدن الإقليم، لا سيما في محافظة السليمانية، والتي تجاوز فيها مستوى الفقر بحسب إحصاء حديث 30 في المئة، في ظل حالة إنكار من الجهات الرسمية، ما اضطر كثيرين من مواطني الإقليم إلى اختيار طريق الهجرة بحثاً عن موطن جديد للعيش والعمل.

بدأت رحلة المهاجرين من دول عدة وأبرزها العراق نحو بيلاروسيا، بتأشيرات سياحية للبقاء هناك بحجة السياحة لبضعة أيام، ثم التوجه فوراً إلى حدودها مع ليتوانيا وانتظار فرصة للدخول إلى أوروبا.

الاتحاد يستنفر وأميركا تندد

ما أن بدأت الأزمة تظهر علناً إلى الإعلام وخصوصاً مع ما تتناقله مواقع التواصل الاجتماعي حتى استنفرت دول الاتحاد الأوربي وأبرزها المانيا كل استعداداتها لأي طارئ، لاستقبال موجة كهذه من اللاجئين لم تشهد مثيلاً لها إلا في 2015 و2016، حين هاجر كثيرون وبطرق مختلفة ليصلو إلى ألمانيا وبلجيكا والسويد والنمسا، لتصبح تلك الدول مركزاً لإيواء آلاف اللاجئين الفارين من المعارك الدائرة مع “داعش” في سوريا والعراق.

الولايات المتحدة نددت بالممارسات المجحفة بحق اللاجئين ودعت الدول التي تستخدم وجودهم على الحدود البولندية إلى عدم استغلال الخلاف مع بيلاروسيا، وكذلك الضغط التركي الذي يهدد دائماً بقضية فتح الحدود مع أوروبا، كلما ضاقت الأزمة الاقتصادية ليكون اللاجئون ورقة تستخدمها تلك الدول لتحريكها متى شاءت.

لم تنته مشكلة اللاجئين عند هذا الحد وما زالت جهات عدة تدخل على خط الأزمة، وتعمل على نقل الافراد من بلدان عدة تجاه بيلاروسيا لتتزايد الأعداد وتتجاوز الـ5000 لاجئ، من دون إيجاد حل جذري لإيقاف تلك الهجرة والتي تجاوزت كلفتها آلاف الدولارات، على رغم وقوع خسائر بشرية وحالات وفاة بسبب الظروف القاسية.

إقرأوا أيضاً:

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
Play Video
“كل ما أريده هو العودة إلى بلدي”… بعدما لم يعد البقاء في لبنان المنكوب خياراً بالنسبة للعاملات الأجنبيات، افترش بعضهن الأرض تحت مقرّ القنصلية الكينية مطالبةً بتسهيل أمورهن لمغادرة البلاد

2:45

Play Video
بعدما أفلت المدرب الرياضي مروان حبيب من تهمة التحرش بشهادة أكثر من 20 ناجية في لبنان، اعتُقل في أميركا بعدما اعتدى جنسياً على امرأة… حادثة أعادت قضية الإفلات من العقاب للمتحرشين وتمتّعهم بمساندة وتبرير وسائل إعلام ومؤثرين إلى الواجهة.

2:13

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني