لبنان والعراق يتنافسان على نيل درجة الدكتوراه…
بالفساد!

"الجامعات اللبنانية لا تستطيع العمل من دون وجود يد لها في العراق تساعدها في جذب الطلاب الذين لا يحالفهم الحظ بالقبول الأكاديمي الحكومي"

على ما يبدو أن كل ما في العراق بات مباحاً للسرقة و الفساد المالي، بما في ذلك العلم. فلم يسلم أي قطاع يُذكر من سطوة الشخصيات النافذة الباحثة عن التربح المالي بطرق غير مشروعة.

آخر فصول الفساد العراقي كان الشهادات الجامعية المشكوك بصدقيتها من لبنان المفلس ماليًا وصاحب الأزمة المزدوجة اقتصاديًا و سياسيًا. ثلاث جامعات لبنانية منحت شهادات لغير مستحقيها بحسب أحدث قضايا الفساد المتداولة. وهذه الجامعات يرتبط بعضها بنيوياً بالنظام اللبناني، وأبرزها الجامعة الإسلامية التي أسسها المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى. 

عَبرَ الفساد العراقي الحدود، ممثلاً بشخصيات سياسية مرتبطة بأحزاب وميليشيات، للتنسيق مع شخصيات سياسية لبنانية مرتبطة بأحزاب السلطة في لبنان، في عملية استيراد للفساد، عبر القيام بتسهيل عمليات القبول في جامعات لبنانية للطلبة العراقيين، وإعطائهم شهادات بمبالغ مالية من دون الحاجة للحضور والدراسة.

وتقول مصادر داخل وزارة التعليم العالي العراقية، فضّلت عدم الكشف عن هويتها، لـ”درج” إن “الجامعات اللبنانية لا تستطيع العمل من دون وجود يد لها في العراق تساعدها في جذب الطلاب الذين لا يحالفهم الحظ بالقبول الأكاديمي الحكومي. وتبلغ الكلفة الإجمالية للدراسة لرسالة الماجستير أو الدكتوراه داخل لبنان بحدود 20 ألف دولار ويختلف السعر من جامعة إلى أخرى، ويتخرج في المجمل كل سنة دراسية نحو 450 طالب عراقي في مختلف الأقسام. وتقدّر مصادر الوزارة ما جرى صرفه في هذه العملية بحوالي 9 ملايين دولار. 

بعض الجامعات اللبنانية تشترط على الطالب العراقي السكن في مكان محدد مسبقًا من قبل تلك الجامعات، في بيوت معدّة للمشروع، تكون في النواحي الشعبية للعاصمة بيروت أو وسطها، وهذا الأمر أيضًا يوفر مردودات مالية أخرى من إيجار السكن للجماعات التي تقف خلف تلك الجامعات من كلا البلدين. هكذا يضطر طلاب إلى دفع بدلات إيجار لبيوت من دون أن يسكنوها، ومن دون أن يحضروا اصلاً إلى لبنان.

تهرّب عراقي وصمت لبناني

حاولنا رسمياً الإتصال بوزارة التعليم العالي والبحث العلمي العراقية التي لم تردّ على اتصالاتنا للإجابة بخصوص الملف الذي لا يزال يكتنفه الغموض وتتورط فيه شخصيات عراقية في موقع المسؤولية. كما أن الصمت كان السمة الطاغية على الجانب الرسمي اللبناني الذي لم يعلّق على الفضيحة التي تمسّ جوهر النظام التربوي اللبناني وسمعته.

علّق العراق رسمياً قبول شهادات ثلاثة جامعات لبنانية هي الجامعة الإسلامية، جامعة الجنان، والجامعة الحديثة للإدارة و التعليم، لتجاوزها العدد المسموح للطلبة المقبولين، فضلاً عن شكوك حول تزوير الشهادات الممنوحة. وبحسب تصريح متلفز لمدير دائرة البعثات في وزارة التعليم حازم باقر فإن “الوزارة تلقت أخبارًا عن زيادة في عدد الدارسين بالخارج وقد تجاوزوا العدد المسموح به، و شكلت لجانا بشأن الجامعات التي تجاوزت الأعداد المسموح بها”.

أما في شأن أعداد الطلاب العراقيين الذين يدرسون في لبنان فقد بلغ عددهم أكثر من 13 ألف طالب عراقي، من بينهم 1500 فقط مسجلون لدى الملحقية الثقافية العراقية، وهذا العدد (1500) طبيعي قياساً بـ12 جامعة في لبنان. لكن الأعداد الأخرى التي تفوق 11 ألف طالب سنوياً كلها مشكوك في أمر حصولها على شهادات مزورة، أو غير مستحقة.

وزارة التعليم العالي العراقية سحبت يد الملحق الثقافي في السفارة العراقية لدى لبنان هاشم الشمري وأحالته إلى التحقيق بشأن الشهادات الممنوحة للطلبة العراقيين من جامعات بيروت. ويرى غالب الدعمي، أستاذ الإعلام والأكاديمي المتخصص في مكافحة الفساد، أن الملحق الثقافي استخدم في القضية ككبش محرقة للتغطية على المزوّرين الحقيقيين الموجودين داخل إدارات الجامعات اللبنانية المتهمة، وداخل المؤسسات التربوية العراقية الرسمية، التي قامت بالمصادقة على الشهادات المزورة الصادرة في لبنان، وهي تصل مصدّقة من العراق إلى الملحق الثقافي وبالتالي فإن التزوير يحدث في القنوات الرسمية في كلا البلدين. ويقول إن شخصيات كبيرة في الدولة العراقية نالت شهادات مزورة، وكُتبت اطروحاتهم لقاء أموال. 

السعودية وراء الملف؟

وعلى غرار الأسلوب المتبّع في محاولة لفلفة ملفات الفساد، خرجت أصوات من وزارة التعليم العالي تتهم “جهات سياسية” بالوقوف وراء فتح ملفات الشهادات المزوّرة مع لبنان، وان هذه الجهات “تريد إحداث بلبلة و خلخلة في القطاع التعليمي العراقي و توتر بالعلاقة المتينة بين بغداد و بيروت”.

كما جرى ربط الملف بحملة على الأمين العام لأمانة مجلس الوزراء حميد الغزي الحاصل على شهادة عليا من إحدى جامعات بيروت وكذلك رئيس القضاء العراقي فائق زيدان الذي حصل مؤخرًا على شهادة دكتوراه من الجامعة الإسلامية في لبنان. 

ويذهب الباحث الأكاديمي العراقي رسول ميرزا بعيداً في الربط بين الملف وبين “الهجمة السعودية على الجامعات اللبنانية”، مشيرًا إلى أن”الهجمة الجديدة أساساً ضد جامعات رصينة لبنانية كونها قريبة من العراق ثقافيا ولغويا”، بحسب قوله، رابطاً بين ما يحدث في القطاع التربوي وبين تداعيات تصريحات وزير الإعلام اللبناني جورج قرداحي!

إقرأوا أيضاً:

الجامعات المتهمة مستمرة في التعليم 

ويعزو عماد الركابي طالب الدراسات العليا في جامعة الجنان اللبنانية، وهي احدى الجامعة الثلاث المتهمة بالتزوير، ذهاب الطلبة العراقيين للدراسة في الخارج إلى الشروط التعجيزية التي وضعتها وزارة التعليم العالي والبحث العلمي العراقي بخصوص قبول الطلبة في جامعاتها.

ومن تلك الشروط التعجيزية تحديد مقاعد قليلة للقبول في الجامعات الحكومية مما يجعل التنافس على أشده بين الطلبة والطالبات بالإضافة إلى الخانات الأخرى في القبول المركزي منها مقاعد مخصصة للطلبة ذوي الشهداء والسجناء قبل عام 2003 فضلاً عن المحسوبيات الحزبية التي تلعب دوراً أساسياً في قبول بعض الطلبة دون غيرهم.

ومن الأمور الأخرى التي دفعت بالطلبة العراقيين للدراسة في الخارج ومنها لبنان و إيران بوجه التحديد هو فرق العملة، الذي يعد فرصة ذهبية للاستثمار وفق الركابي فضلاً عن جائحة كورونا التي حولت التعليم عن بعد إلى أمر يسير وفتح الباب لجامعات كثيرة لاعتماده.

وعلى الرغم من القرار العراقي تعليق قبول شهادات جامعة الجنان، إلا أنها لا تزال مستمرة في إعطاء المحاضرات اليومية للطلبة العراقيين عن بعد، ويصل وقت المحاضرة إلى 3 ساعات، بحسب الركابي، و تكون مشاركة الطلبة بحثية عبر أوراق تقدم فصلياً. 

الجامعات العربية .. تجارية!

وعلى الرغم من التعقيدات لقبول طلبة الدراسات العليا في العراق من ناحية الامتحان التنافسي ومحدودية مقاعد الدراسة التي يقر بها طالب الدكتوراه في كلية الإعلام في جامعة بغداد (حكومية) حيدر حسين، لكنه يختلف مع الركابي فيقول إن “الدراسة في الخارج، وخصوصاً في لبنان، أسهل بكثير أكاديمياً مما هو موجود في بلدنا، وشهادات الخارج تدمير للمكانة التعليمية في العراق”.

ويقول حسين لـ”درج”: “إذا كان الطالب يملك مبالغ نقدية و حالته ميسورة يستطيع الدراسة في كليات تجارية وغير تجارية في لبنان إضافة إلى سهولة الدراسة فيها خصوصًا منذ بداية العام الماضي عندما تحول التعليم إلى إلكتروني والدراسة عن بعد والمستمر لغاية و هذا غير متوفر في العراق حيث ألزمت وزارة التعليم العراقية بدوام حضوري لطلبة الدراسات العليا شرط التلقيح أو إظهار الفحص PCR أسبوعيًا”.

و يشير إلى أن” الجامعات التجارية في لبنان و مصر وإيران وتونس وتركيا و ماليزيا لا تملك الرصانة العلمية وتمنح تسهيلات كبيرة للطلبة العراقيين كونها تعتمد نظاماً تجارياً في الأساس حيث تمنح شهادات لهؤلاء الطلبة بكل سهولة ويسر طالما أنهم يدفعون الأموال”، حتى وصل الأمر بهذه الجامعات إلى مناقشة الأبحاث والرسائل الجامعية “أونلاين” وبشكل سريع، من دون التدقيق فيما إذا كان الطالب قد وضع جهداً على البحث، خصوصاً مع وجود مكاتب متخصصة بكتابة الرسائل والأطروحات لقاء بدلات مالية، وهذه المكاتب موجودة في العراق ولبنان، ويلجأ إليها الموظفون الذين يريدون اكمال دراستهم وليس لديهم الوقت للدرس والجهد البحثي.

إقرأوا أيضاً:

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
هديل الروابدة- صحافية أردنية
هذا المشهد، يحتاج إلى جلوس مكونات” الدولة الرسمية والسيادية، على طاولة حوار وطني، لتحديد العلاقة بينها، وبلورة هوية الإصلاح المنشودة، اقتصادياً وسياسياً واجتماعياً، قبل الذهاب إلى تعديلات الدستور وقانوني الانتخاب والأحزاب”.
Play Video

0:46

Play Video

2:09

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني