لبنان: انتخابات نقابة المحامين
وملف المواجهة مع لوبي المصارف

تمتلك النقابات اللبنانيّة ودائع كبيرة داخل النظام المصرفي، منها ما هو مخصص لصناديق محددة، كصناديق التقاعد أو التعاضد أو تلك المخصصة لتغطية الحالات المرضيّة والمساعدات الاجتماعيّة، ومنها ما هو مخصص لحفظ الأموال المتأتية من الاشتراكات لتغطية مصاريف النقابات اليوميّة.

سيكون محامو لبنان الأحد 21 تشرين الثاني/ نوفمبر أمام استحقاق سيحدد دور نقابتهم الوطني خلال المرحلة المقبلة، خصوصاً لناحية قدرتها على لعب الدور الحقوقي المطلوب في مواجهة المصارف واللوبي الذي يحمل لواء الدفاع عن مصالحها. وإذا تمكّن المحامون من دفع نقابتهم إلى هذا الدور بالذات، فأكيد أن النقابة قادرة على شد عصب سائر نقابات المهن الحرّة في هذه المواجهة، وتكوين إطار نقابي جامع قادر على خوض هذا التحدّي. فنقابة المحامين، وبخلاف سائر النقابات، هي أكثر من يمتلك أدوات الدفاع الحقوقي والقانوني في وجه جمعيّة المصارف والحكومة، وهي الأكثر تأثيراً في أي مسار تشريعي يقونن خطط الحكومة الماليّة.

انتخابات الأحد هي للتصويت لتسعة أعضاء في مجلس النقابة في الدورة الأولى، ومن ثم انتخاب نقيب جديد من بين أعضاء المجلس في الدورة الثانية. كما يستعد في الوقت نفسه محامو الشمال لانتخابات مماثلة، ستفضي إلى اختيار نقيب وثلاثة أعضاء في مجلس نقابة طرابلس، على مرحلتين. 

هذا الاستحقاق الانتخابي يتسم في العادة برمزيّة سياسيّة خاصّة، بالنظر إلى الصلاحيّات والإمكانات التي تملكها النقابة ومجلسها، والأدوار الحقوقيّة والقانونيّة التي يمكن أن تلعبها في ملفّات كثيرة. ولعلّ أبرز مثال على ذلك كان اتخاذ النقابة موقع الادعاء في ملف انفجار مرفأ بيروت، ومتابعة التحقيقات وصولاً إلى ملاحقة الشركة المالكة لنيترات الأمونيوم في الخارج ومنع حلّها في لندن. 

لكن استحقاق هذا العام بالتحديد، أعاد إلى الواجهة ملف أموال جميع النقابات العالقة في النظام المصرفي اللبناني، سواء تلك المخصصة لصناديق التعاضد والتقاعد والتغطية المرضيّة، أو تلك التي تقوم من خلالها النقابات بتغطية نفقاتها الأخرى اليوميّة. وعلاقة الاستحقاق الانتخابي بهذا الملف تنبع أولاً من أن النقابة والمحامين يمثّلون فئة متضرّرة أساسيّة في أزمة أموال الصناديق النقابيّة العالقة في المصارف، وثانياً لأن النقابة تملك القدرة على لعب دور قانوني وحقوقي كبير في مواجهة أي محاولة للمس بهذه الأموال. وأخيراً، لأن مصير هذه الأموال بات على المحك في هذه المرحلة بالتحديد، بالتوازي مع إعادة العمل على خطة التعافي الماليّة من قبل حكومة ميقاتي، وما يتم العمل عليه من تصوّرات لكيفيّة التعامل مع الودائع الكبيرة، والتي تندرج أموال النقابات من ضمنها. 

لكل هذه الأسباب، احتلّ موضوع أموال النقابات في المصارف، وما يمكن أن تقوم به نقابة المحامين في هذه الملف، جزءاً أساسياً من جميع نقاشات المرشّحين لمجلس النقابة ومركز النقيب. مع الإشارة إلى أنّ هذا الموضوع ينقسم إلى شقّين، إذ يرتبط الشق الأوّل بالقرارات التعسّفية التي تتخذها المصارف اليوم بحق هذه الأموال، وخصوصاً القرارات المستجدة التي تنعكس على استفادة أعضاء النقابات من أموالها المودعة في المصارف. أما الشق الثاني، فيرتبط بما يتم التحضير له في خطة الحكومة الماليّة، للتخلّص من عبء الودائع الكبيرة المترتّبة على المصارف، ومنها أموال الصناديق. ومع اختلاف الطرف المعني بهذه القرارات، تختلف أدوات المواجهة النقابيّة والسبل المتاحة للضغط. 

معركة حماية أموال الصناديق

تمتلك النقابات اللبنانيّة ودائع كبيرة داخل النظام المصرفي، منها ما هو مخصص لصناديق محددة، كصناديق التقاعد أو التعاضد أو تلك المخصصة لتغطية الحالات المرضيّة والمساعدات الاجتماعيّة، ومنها ما هو مخصص لحفظ الأموال المتأتية من الاشتراكات لتغطية مصاريف النقابات اليوميّة. وبهذا، تُعتبر النقابات من أصحاب الحسابات المصنّفة في خانة “كبار المودعين”، ولو أن هذه الودائع تخصّ عدداً كبيراً من المنتسبين للنقابات، بخلاف الودائع الكبيرة التي تخص أفراداً أو شركات. 

في الوقت الراهن، تحضّر الحكومة لخطتها الماليّة الجديدة التي يفترض التفاوض على أساسها مع صندوق النقد. وكما هو معروف، يعتبر الصندوق أن التخلّص من فجوة الخسائر داخل النظام المصرفي، بعد تحديدها، يمثّل الحجر الأساس لأي خطّة يمكن التفاهم على أساسها مع الدولة اللبنانيّة. مع الإشارة إلى أن هذه الفجوة تمثّل الفارق الشاسع ما بين قيمة الودائع المتوجّبة كالتزامات على المصارف بالعملات الأجنبيّة، وما تبقى من سيولة أو موجودات قابلة للتسييل بحوزة النظام المصرفي بالعملة الصعبة، إذ يقدّر حجم هذه الفجوة اليوم بأكثر من 77 مليار دولار. 

لهذه الأسباب، بدأت الحكومة تضمين خطّتها بعض الأفكار للتعامل مع الودائع الكبيرة، بعدما تركت مسألة التعامل مع الودائع الصغيرة لتعاميم مصرف لبنان الأخيرة، فيما بدا واضحاً أن الحكومة الجديدة تتجه اليوم نحو تقليص قدر الخسائر التي سيتحمّلها أصحاب المصارف إلى أقصى حد. ومن بين هذه الأفكار، تحميل أصحاب الودائع الكبيرة نسبة من الخسائر إذا أرادوا استعادة أموالهم اليوم، عبر تحويلها من الدولار إلى الليرة اللبنانيّة، وبأسعار صرف مجحفة جداً. كما طرحت الحكومة مقترحات أخرى من قبيل إعطاء هذه الفئة من المودعين خيار استبدال الودائع بحصص في صندوق خاص يضم أصول الدولة القابلة للاستثمار، وبقيم تقتص أيضاً من قيمة الوديعة، على أن يراهن المودع على استعادة قيمة الوديعة من عوائد هذا الاستثمار. 

كل هذه الخيارات التي تمس بقيمة الودائع الكبيرة تمثّل اليوم خطراً داهماً على أموال النقابات الموجودة في المصارف، ومنها نقابة المحامين، خصوصاً كونها تندرج من ضمن الأموال المشمولة بهذه الخيارات. مع الإشارة إلى أن الحكومة لم تقم حتّى اللحظة بفرز الودائع المصرفيّة، بما يسمح بتمييز تلك التي تخص النقابات والصناديق النقابيّة، ما يدل على أن هذه الخطط لا تستثني أموال النقابات من هذه الإجراءات المقترحة. 

باختصار، سيكون على نقابات لبنان أن تدخل في حلبة مواجهة قاسية لاستعادة أموالها الموجودة داخل النظام المصرفي، وتحييدها عن أي معالجات أو خطوات يمكن أن تقوم بها السلطة لتوزيع خسائر الانهيار المالي. وهنا بالتحديد، تكتسب انتخابات نقابة المحامين اليوم أهميّة استثنائيّة، لكون المجلس المقبل سيخوض غمار هذه المواجهة إذا أراد الدفاع عن أموال المحامين المودعة بإسم النقابة في المصارف. 

إقرأوا أيضاً:

الأزمة مع المصارف

في كل الحالات، وبمعزل عن المخاطر المحدقة بأموال جميع النقابات في المصارف اللبنانيّة، لم تكن نقابة المحامين بالتحديد بعيدة من أزمة جميع نقابات المهن الحرّة مع المصارف اللبنانيّة. فأموال النقابة المدخرة داخل النظام المصرفي اللبناني بالدولار، والمخصصة لتمويل الرواتب التقاعديّة للمحامين، يتم صرفها للمستفيدين منها شهرياً وفقاً لسعر صرف 3900 ليرة للدولار الواحد، أي باقتصاص تبلغ نسبته 83 في المئة من قيمة هذه الرواتب التي تم ادخارها تاريخياً من اشتراكات المحامين أنفسهم. مع الإشارة إلى أن نقابة المحامين عمدت منذ ما قبل الأزمة المصرفيّة إلى توزيع مدخراتها ما بين الودائع بالليرة اللبنانيّة والدولار الأميركي، للحفاظ على قيمة المدخرات المخصصة لدفع الرواتب التقاعديّة على المدى الطويل.

وبموازاة هذه الأزمة، كانت جميع نقابات المهن الحرّة تعاني من بعض القرارات المصرفيّة الجائرة، التي حاولت رمي القيود المفروضة من مصرف لبنان عليها على عاتق النقابات نفسها. من هذه القرارات مثلاً تشديد القيود على السحوبات النقديّة التي يجريها المستفيدون من الرواتب التقاعديّة أو المساعدات العائليّة التي تدفعها النقابات، حتى حين تكون هذه السحوبات بالليرة اللبنانيّة. كما قام عدد من المصارف باشتراط تسديد قيمة هذه الرواتب والمساعدات من قبل النقابات بالسيولة النقديّة، بدل تحويلها من حساباتها الموجودة أساساً، ما يعني عدم تمكين النقابات من الاستفادة من أموالها الموجودة داخل النظام المصرفي.

الدور المفقود لنقابة المحامين

المحامي نزار صاغيّة، المدير التنفيذي في المفكّرة القانونيّة، يشير إلى أن نقابة المحامين لعبت دوراً إيجابياً جدّاً في ملف تحقيقات انفجار المرفأ، لكنّها فشلت في لعب الدور نفسه طوال الفترة الماضية في ملف المصارف وأزمة الودائع العالقة فيها. وفي هذا الإطار، يستشهد صاغيّة بمحطات عدة، منها على سبيل المثال، مواقف للنقابة طالبت في مرحلة من المراحل بتسليم الاحتياطات الإلزاميّة المودعة لدى مصرف لبنان إلى المصارف، أو ابتعادها من مطلب رفع السريّة المصرفيّة، كشرط ضروري للدخول في مسار تحديد مسؤوليّات الانهيار الحاصل. 

ويضيف صاغيّة أن لجنة المحامين التي كان يفترض أن تهتم بهذا الملف ضمّت محامي المصارف أنفسهم، وهو ما ساهم بعدم تحقيقها الأهداف التي وجدت لأجلها.

لكل هذه الأسباب، يعتبر صاغية أن انتخابات نقابة المحامين يفترض أن تكون في وجه محامي المصارف، تماماً كما كانت انتخابات نقابة المهندسين معركة في وجه متعهّدي السلطة ومقاوليها. ولأن الحكومة تنخرط اليوم في المفاوضات مع صندوق النقد من جديد، ولأنها تعمل على وضع خطتها الماليّة، فالمرحلة تفرض على النقابة أن تلعب دوراً أساسياً في المواجهة لحماية أموال صناديق النقابات المودعة في المصارف. ولهذا السبب بالتحديد، يصعب اليوم الفصل بين الدور النقابي المهني الذي تقوم به النقابة في العادة، والدور الوطني الذي يفترض أن تقوم به اليوم. 

إقرأوا أيضاً:

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
محمد إبراهيم
بينما يفتش أحدهم محتويات المطبخ، عثر على زجاجة بيرة في الثلاجة، ثم خرج بها ليخبر الضابط بكل ثقة: “مش إخواني يا باشا، لاقينا في تلاجته بيرة”.
Play Video
بعد جريمة تكساس التي وقع ضحيتها 21 شخصاً بينهم 19 طفلاً، أُعيد النقاش حول آفة السلاح في أميركا. بعد عشرات جرائم القتل الجماعي، لا تزال السلطات الأميركية عاجزة عن اتخاذ قرارات تضبط انتشار السلاح.

2:29

Play Video
فراس حمدان هو محامٍ لبناني نشط بالساحات خلال انتفاضة 17 تشرين وكان ثمن نضاله كبيراً. شرطة مجلس النواب أصابت فراس برصاصة من سلاحٍ محرم دولياً اخترقت قلبه بإحدى التظاهرات، وعلى رغم أن شظاية الرصاصة بقيت في قلبه، إلا أن فراس تحدّى وترشّح على الإنتخابات، وربح. ليعود إلى الساحة نفسها ولكن هذه المرة كنائب!

4:38

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني