“سأعالجهما وإن اضطررت للتسول”…
مرضى لبنان والشفاء المستحيل

ما كانت تشهده العيادات الخاصة من زحمة في المواعيد والاستشارات والمراجعات لم يعد موجوداً اليوم. أصبحت تسعيرة المعاينة فيها تتراوح بين 200 إلى 300 ألف ليرة، وبذلك لجأ كثيرون إلى المستوصفات أو مراكز الرعاية الصحية، التي لا تتعدى تسعيرة المعاينة فيها 20 ألف ليرة.

أم بلال، لبنانية تعيش في طرابلس. زوجها مصاب بسرطان الدماغ، وابنها يعاني من شلل كلي منذ الولادة. تضطر أم بلال إلى توقيف العلاج الكيميائي عن زوجها، إلى أن تجمع له المبلغ الكامل للجلسة التي يحتاجها مرتين في الشهر. قبل الأزمة كانت كلفة الجلسة 450 ألف ليرة لبنانية، والآن أصبحت 750 ألفاً.

“يحتاج زوجي إلى جلستين كيميائيتين، أتكبّد كلفتها وحدي، فيما تدفع وزارة الصحة جزءاً من الجلسة الثالثة، التي أدفع 350 ألف ليرة منها، أي نحو نصف المبلغ”.

أم بلال مثال على معاناة اللبنانيين في الحصول على الرعاية الصحية في ظل الأزمة الاقتصادية المتفاقمة منذ عام 2019. أزمة تضاعفت معها تكاليف العلاج والدواء، وأدت إلى تقليص زيارات المرضى للأطباء.

كشفيات الأطباء تقفز ضعفاً!

يتشارك طالبو الرعاية الصحية هماً وحيداً: الحصول على معاينة جيدة بسعر معقول. هذه المعاينة باتت مرهونة بالدولار، في حين أن معظم اللبنانيين يتقاضون رواتبهم بالعملة المحلية (الليرة). ومن كان في الماضي يقصد العيادات الخاصة، بات اليوم عاجزاً عن دفع رسوم كشفيات الأطباء في المستشفيات.

تملك محافظة بيروت أعلى معدل تسعيرة في كشفيات الأطباء قبل الأزمة الاقتصادية. وقد تضاعفت بعد الأزمة بنسبة زيادة 100 في المئة. تليها محافظتا جبل لبنان والبقاع بنسب تتغير (107 في المئة و102 في المئة).

التغير في التسعيرة انعكس على عدد زيارات المرضى لأطبائهم، وهو ما ظهر في استبيان عشوائي أجراه معد التحقيق، شمل 498 شخصاً، 42 في المئة منهم قالوا إن عدد زياراتهم تناقص بعد الأزمة الاقتصادية، فيما 41 في المئة من هؤلاء يتلقون العلاج في محافظة بيروت، و28 في المئة منهم في جبل لبنان. تفسير ذلك هو أن التسعيرة الطبية مرتفعة بالأصل في هاتين المحافظتين، فهما تملكان أعلى معدل تسعيرة قبل الأزمة (108 آلاف ليرة و72 ألف ليرة) وتضاعفت بعدها.

“القصة فلتانة”

ما كانت تشهده العيادات الخاصة من زحمة في المواعيد والاستشارات والمراجعات لم يعد موجوداً اليوم. أصبحت تسعيرة المعاينة فيها تتراوح بين 200 إلى 300 ألف ليرة، وبذلك لجأ كثيرون إلى المستوصفات أو مراكز الرعاية الصحية، التي لا تتعدى تسعيرة المعاينة فيها 20 ألف ليرة.

في المركز الطبي في الجامعة الأميركية في بيروت، ارتفعت المعاينة لأطباء الاختصاص إلى 400 ألف ليرة للزيارة الأولى و225 ألفاً للمراجعة بعدما كانت 150 ألفاً. في حين تصل المعاينة عند الطبيب النفسي إلى 600 ألف.

لكل طبيب تسعيرته الخاصة والقصة “فلتانة”، يقول رئيس اللجنة الصحية النيابية د. عاصم عراجي، إذ لا نرى التزاماً بتسعيرة نقابة الأطباء التي تتراوح بين 100 و150 ألف ليرة لبنانية، وبذلك تختلف كلفة المعاينة الطبية بين منطقة وأخرى. ويضيف عراجي: “المعاينة الطبية في المدن وضواحيها مرتفعة مقارنة بالقرى، حيث تتراوح التسعيرة بين 50 و75 ألف ليرة، في حين أنها ترتفع بشكل مطرد في المستشفيات الجامعية والعيادات الخاصة في المدينة إلى 350 ألف تقريباً”.

“هروب” من المستشفيات إلى المستوصفات 

في منطقة فسوح في الأشرفية في شارع المطران غفرائيل، تقطن سيدتان في بيت ما زال يلملمُ آثار انفجار مرفأ بيروت، بعدما كُتبت لهما الحياة من جديد، تحاولان وحيدتين تأمين قوتهما اليومي. تواجه باسكال سعد صعوبة في تأمين أدويتها وأدوية شقيقتها في ظل انقطاعها أو مضاعفة أسعارها، تقول: “تعاني شقيقتي البالغة 45 سنة من مرض الضمور العضلي الذي لا علاج له. يصعب عليها النطق بشكل مفهوم، ونظرها ضعيف، ويصعب عليها ابتلاع الطعام، تتحرك بصعوبة، لكنها ما زالت قادرة على العمل ليوم أو يومين في الأسبوع”.

باسكال (51 سنة) تعاني من مرض الربو الذي زادت حدّته بعد انفجار المرفأ، ما أدى إلى إصابتها بالتهابات رئوية. كانت مسألة تلقي العلاج في أحد المستشفيات الخاصة مستحيلة، بعد طلب الإدارة مبلغ 10 ملايين ليرة (نحو 6600 دولارً وفق التسعيرة الرسمية).

زاد الأمر صعوبة، مع تأخر الوزارة في دفع المستحقات وتسعير فواتير المعاينة بـ”الفريش” دولار  (دولار نقدي محول من حساب خارجي)، أو غلائها لتصل في عيادات المتخصصين إلى 350 ألف ليرة. في المقابل، بلغ راتب باسكال إلى 1.7 مليون ليرة والمواصلات ضمناً. أما عن تحصيل الدفوعات من الجهات الضامنة، فتملك شقيقتها بطاقة شؤون اجتماعية، لكنها لا تعوض كشفية الطبيب، ولا تكفي لدخول المستشفى.

إقرأوا أيضاً:

إلى جبل لبنان تروي لنا المرأة السبعينية ورد الشامي معاناتها مع السكري والضغط. قبل 5 سنوات، بدأت بتلقي الأدوية. كان الوضع طبيعياً حتى تغير مساره في الأشهر الأخيرة، وسرعان ما فُقد الدواء من الأسواق.

لم تقصد الشامي مركز الرعاية الصحية الأولية في منطقة رأس المتن (قضاء بعبدا) إلا مرة واحدة في الماضي، بسبب اعتيادها على المراجعة في العيادات الخاصة. لكن بعدما أُقفلت الأبواب بوجهها، وبخاصة في تأمين الدواء، لم يكن أمامها سوى هذا المركز لإنشاء ملف صحي يسمح لها بالحصول على الدواء.

كذلك الحال بالنسبة إلى ابنتها ربيعة، إذ توقفت عن تلقي علاجها من الربو منذ 6 أشهر بعد تعذر إيجاد الدواء (البخاخ) في الصيدليات.

تفسر رئيسة دائرة الرعاية الصحية الأولية في وزارة الصحة العامة رندة حمادة، تزايد أعداد قاصدي المستوصفات بأنّ تعرفة الخدمات فيها ما زالت شبه رمزية (تتراوح بين 5 إلى 18 ألف ليرة)، ولأن معظمها مدعوم من منظمات دولية. ويستفيد من هذه المراكز – بحسب حمادة- حوالى 1.8 مليون شخص سنوياً (بينهم 1.2 مليون لبناني، و600 ألف سوري)، بواقع 6.5 مليون خدمة موزعة بين معاينة ودواء وفحوص طبية.

في مركز الحرج التابع لجمعية “المقاصد” في منطقة البربير (بيروت)، يأتي المرضى باكراً لحجز أدوارهم، خوفاً من أن يغادر الاختصاصي من دوا أن يستطيعوا مقابلته. مشهدٌ تصفه مديرة المكتب الصحي الاجتماعي المقاصدي، رانيا الزعتري بأنه يدق ناقوس الخطر مع ازدياد في عدد الزيارات يفوق 300 في المئة، “كنا نشوف في الشهر 200 مريض، صرنا نوصل للـ800 مريض”. يكفي أن يدفع المريض 3 آلاف ليرة لبنانية للاستفادة من المعاينة والدواء. وهو مبلغٌ لا يساوي بضعة سنتات، لمعاينة طبية في عيادة خاصة، بحسب الزعتري.

تقدر القابلة القانونية والممرضة مروة حرب، وصول عدد زائري المستوصف إلى 100 فرد كحدّ أدنى يومياً، ما يزيد أعباء المركز نتيجة هجرة الأطباء وصعوبة تغطية الفروقات المادية مع الجهات المانحة التي تغطي المعاينة والمستلزمات الطبية.

لا يختلف المشهد في مستوصف انطلياس الطبي (جبل لبنان)، إذ يؤكد صاحبه عصام ميلان أنّ “نسبة توافد الناس إلى المركز زادت  3 إلى 4 مرات”. فيما ازداد بواقع 1000 – 1500 شخص في مركز الرعاية الصحية برأس المتن، إذ يكفي الشخص أن يفتح ملفاً ليحصل على معاينة من طبيب عام والاستفادة من الخدمات، بحسب رئيسة المركز منى غزال.  

استناداً إلى استبيان أجراه معد التحقيق شمل 82 طبيباً في تخصصات مختلفة ومن شتى المحافظات اللبنانية، فإن 65 في المئة من العينة تؤكد أن عدد المرضى تناقص في ظل الأزمة الاقتصادية، خصوصاً في جبل لبنان، ولبنان الجنوبي، وبيروت، وهي المحافظات التي سجلت أعلى معدل تسعيرة طبية.

26 في المئة من الأطباء الذين تناقص عدد مرضاهم هم اختصاص أمراض داخلية. فيما 22 في المئة منهم أطباء أطفال، أي حوالي نصف الأطباء في عينة الاستبيان. ما يؤشر إلى أن جزءا من اللبنانيين أصبح يتخلى عن الرعاية الطبية الأولية، بسبب غلاء التسعيرة.

كانت زيادة تعرفة الأطباء غير مقبولة بالنسبة إلى المرضى، وهذا من أكثر الأشياء التي تزيد من هجرة الأطباء، مع تدني مداخليهم، يوضح اختصاصي الطوارئ السابق في مستشفيات لبنانية عدة، فراس حلاق. 

لا توجد أرقام دقيقة عن هجرة الأطباء، إلا أن شرف أبو شرف، نقيب الأطباء في بيروت يقدر عدد المهاجرين (منذ بداية الأزمة قبل عامين حتى أيلول/ سبتمبر) بحوالى 2000 طبيب من أصل 15 ألفاً في لبنان، معظمهم من اختصاصات مهمة، ما يؤدي أحياناً- بحسب أبو شرف- إلى توقف أقسام كاملة عن العمل في المستشفيات بسبب هجرة الأطباء المسؤولين عنها.

ويضيف أن “الدولة ترفض زيادة التعرفة الرسمية للأطباء المتعاقدين معها، وهي 42 ألف ليرة. كانت تساوي قبل الأزمة نحو 25 دولاراً، فيما لا تساوي اليوم سوى دولارين اثنين”.

 خلفية عن الأزمة الاقتصادية

حافظت الليرة اللبنانية على سعر ثابت على مدى سنوات (1515 ليرة للدولار الواحد)، بفضل سياسات اعتمدها مصرف لبنان مع الحكومات السابقة. لكن تلك السياسات لم تصمد طويلاً، إذ سرعان ما سلكت الليرة اللبنانية مساراً انحدارياً في السوق السوداء منذ آب/ أغسطس 2019، حيث بلغ الدولار 1530 ليرة، وظل يزداد بوتيرة بطيئة إلى أواخر عام 2019. وفي عام 2020 شهدت الليرة التدهور الأكبر، إذ ازدادت قيمة الدولار بالنسبة إلى الليرة في هذه السنة نحو 4 أضعاف. وحتى اليوم لا تزال العملة الوطنية تفقد يومياً من قيمتها، ما أدى إلى مشكلات في الصحة والبنى التحتية والنقل، في ظل صعوبات جمّة في تأمين العملة الصعبة لاستيراد المحروقات والمستلزمات الطبية والأدوية على سبيل المثال.

هذا الانهيار المالي أثر  في الفرد بطريقة مباشرة، إذ خسر أضعاف قدرته الشرائية، فإذا أخذنا مؤشر متوسط دخل الفرد السنوي في لبنان، نجد أنه انخفض من 7660 دولاراً عام 2019 إلى 2745 دولاراً في 2020.

معدل التضخم السنوي قفز إلى 84.9 في المئة عام 2020 بعدما كان 2.9 في المئة عام 2019، بحسب دراسة مؤشر أسعار الاستهلاك الصادرة عن إدارة الإحصاء المركزي، أي أنه زاد أكثر من أربعين مرة.

معطيات رشحت أزمة لبنان لأن تكون من بين أكثر عشر أزمات اقتصادية خطورة مرت في العالم، وربما تكون من أقوى ثلاث أزمات منذ القرن التاسع عشر، بحسب دراسة للمرصد الاقتصادي اللبناني -تابع للبنك الدولي- في حزيران/ يونيو الماضي.

وترجح الدراسة أن يصبح أكثر من نصف السكان تحت خط الفقر، خصوصاً الأشخاص الذين يتقاضون رواتبهم بالليرة اللبنانية، وهم يشكلون الأغلبية الساحقة من القوى العاملة.

 وبينما تحكم الأزمة خناقها على أعناق اللبنانيين، تشعر أم بلال باليأس لعجزها عن توفير علاج زوجها: “عند كل جلسة أشعر بالإحباط وأقول أريد أن أوقف الجلسات، لكن ضميري لا يطاوعني، لن أوقف العلاج إلا عندما يقول الطبيب ذلك”.

وبالنسبة إلى ابنها الذي يعاني شللاً كلياً، فهي تعتمد على التبرعات بعد توقف إحدى المنظمات غير الحكومية عن تزويده بـ”الحفاضات”، وتختم حديثها: “سأحاول تأمين علاجهما بقدر استطاعتي، حتى ولو اضطررت إلى النوم أمام المسجد لجمع النقود اللازمة”.

أنجز هذا التحقيق بدعم وإشراف من شبكة أريج للصحافة الاستقصائية

إقرأوا أيضاً:

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
طارق اسماعيل – كاتب لبناني
إن” فشة خلق” داليا أحمد ليست في مآلها الآني الذي وجد فيه لبنانيون كثر تعبيراً عن يأس يعتري دواخلهم فتضامنوا معها، ولا في الهجاء الخارج من “ضيق” أخلاقي انساق إليه جمهور “حزب الله”، لكنه درس لقناة “الجديد” أولاً عن ضريبة صنع الأساطير، وهذه ليست وظيفة الإعلام.
Play Video
“العازة والفقر بيعملو هيك…”، بينما تُعتبر تجارة الكبتاغون أكثر القطاعات ربحية في سوريا، ازدهرت هذه التجارة في لبنان بعد تفاقم الأزمة الاقتصادية. تحقيق للقناة الرابعة البريطانية يكشف الخبايا.

2:03

Play Video
“كل ما أريده هو العودة إلى بلدي”… بعدما لم يعد البقاء في لبنان المنكوب خياراً بالنسبة للعاملات الأجنبيات، افترش بعضهن الأرض تحت مقرّ القنصلية الكينية مطالبةً بتسهيل أمورهن لمغادرة البلاد

2:45

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني