سوريا: سوزان علي الشاعرة العلوية
التي أغضبت طائفتها

نوفمبر 15, 2021
 يمكنُ فهمُ سوزان علي بمنطق غير تكويني طائفيِّ وبطريقة أكثر تقديراً لثقافتها وموهبتها؛ هي الحائزة على جائزة «قرطاج»، وتعدُّ من أهمِّ المواهب السوريَّة في الشعر وأكثرها نضجاً؛ فإعادة فهمها هو دفاع عنها.

تنتمي الشاعرة والمسرحية السورية سوزان علي إلى الطائفةِ العلويَّة، وهذا يبدو، في المجال الافتراضي السوري، كافياً لمقابلة سوزان علي وتلقي إنتاجها بوصفها فرداً من التكوينِ العلويِّ؛ ففي السائد السوري لا بدَّ لأيِّ فكرة من أن تبحث عن تكوين الفرد القائل لها، وهو ما يسمى منطقياً الخطأ المنطقي التكوينيّ، الذي يأتي دون أيِّ احترام مبدئي لضرورة الاستماع إلى السرد الذي تقوله، ولا مطالعة الموقع الثقافي الذي تنطلق منه. 

لا بدَّ لفهم سوزان علي والأثر الذي قدَّمته، من تحليلٍ منطقي ينطلق أولاً من دراسة الأثر الهائل للفيديوهات التي أطلقتها، ولا سيِّما أنَّ سوزان تحدَّثت خارج أُطر الثقافة والتنظير؛ ووجَّهت نقداً حادَّاً إلى مثقفي الفيسبوك والمعارضين، الذين وصفتهم بأنَّهم بعيدين كلَّ البعد عن لغةِ الشارعِ أو لغةِ العلويين تحديداً. من هنا، يمكنُ فَهم حالة المعرفة السوريَّة من خلال الثقافة السياسيَّة (المقال- الكتاب- النشاطات السياسيَّة الفكريَّة) أو من خلال الوعي الاجتماعيِّ بأنَّه لا يملك تخيُّلاً أو تقبُّلاً منطقياً لدى الناس العاديين؛ وهذا شيءٌ مرتبط في تاريخ سورية، بانفصال السياسة عن المجتمع، ولا أثر للتواصل أبداً بين جمهرة الناشطين الاجتماعيين والسياسيين وبين الناس العاديين، خاصة العلويين الأكثر تزمُّتاً وانغلاقاً بسبب سياسة التبعية التي يفرضها النظام. فيديوهات سوزان التي حملت لهجة “البيئة العلوية” حقَّقت ما لم يحققه أيُّ سياسيٍّ سوريٍّ؛ إذ أصبحت سوزان علي حديث سوريا كلَّها، وانفجر الساحلُ كُلُّه من جراء الكلام الملقى في الفيديوهات. إنَّ سهولة الانجذاب الاجتماعيِّ الفرديِّ والعام، إلى فيديوهات عبر فايسبوك تفوق أيَّ منصَّة تلفزيونيَّة تقليدية.  ويبدو أنَّ السرد َالشفويَّ البسيطَ والعفوي، يحمل قيمةً تواصليَّةً تتجاوز ما يُمكن البحث عنه ذاتيَّاً أو جماعيَّاً. هناك انزياحٌ نحو جاهزيَّة المعاني والمعرفة شقَّته سوزان بالطريقة العفوية التي يمكن من خلالها إعلاء شأن المشافهة والسرد الذاتي على ما يُمكن الكتابة فيه مطولاً أو البحث عنه كنوعٍ للمعرفةِ. إنَّ الجاهزيَّة التقنيَّة المتّبعة من قبلها، تغلَّبت على المتاح المعرفي وأدواته. هنا، يعود العالم من أستاذيَّة أرسطو إلى مشافهة سقراط، من المعاني التي تعمقت في صعوبتها إلى الاكتشاف البديهي بلغة مخياليَّة يوميَّة ووعي يقظ.

الدفاعُ عن سوزان علي مهمٌّ، لا لكونها صرخت في وجه الطائفة الخائفة أو ما اُستغلَّ بشناعة، بل لكونها ناشطة علويَّة أو ثوريَّة علويَّة. يمكن كتابة اسم سوزان علي، على أيِّ محرِّك بحث وإيجاد هذه الجمل التكوينيَّة الساذجة، لكن الدفاع عنها انطلق من اعتبار أنَّها عدوة العلويين، ما عرَّض أهلها للخطر والهجوم الإلكترونيِّ والاجتماعيِّ، ووضعها هي تحت ضغوط هائلة، لكن الأكثر اجحافاً هو وضع الفيديوهات العفويَّة تحت وطأة التهجُّمِ الأخلاقيِّ لأسبابٍ تافهة؛ مثل استخدام سوزان للشتائم، أو اعتراضها على مجتمعٍ يرزح تحت الخيبات ولا يستطيع الوقوف في وجهها؛ مثل فقر العلويين مقارنةً مع سيارة رامي مخلوف الفارهة في أمريكا وإلى جانبه عارضة إسرائيليَّة. أو حتَّى طبيعة الضبَّاط والمجتمع العلويِّ الذي يحلم شبابه وأطفاله منذ نعومةِ أظفارهم بالانخراط في النظامِ العسكريِّ أو الوصول إلى دمشق. وقد تحوَّل سرد سوزان التلقائي إلى حُجَّة ضدَّها لمهاجمتها لأنَّها تتحدَّث عن الطائفة بوصفها غير منتمية إليها.

 يمكنُ فهمُ سوزان علي بمنطق غير تكويني طائفيِّ وبطريقة أكثر تقديراً لثقافتها وموهبتها؛ هي الحائزة على جائزة «قرطاج»، وتعدُّ من أهمِّ المواهب السوريَّة في الشعر وأكثرها نضجاً؛ فإعادة فهمها هو دفاع عنها. لقد خرجت سوزان بخمسِ حلقات عبر الفيس بوك، تلفَّظت فيها بجملٍ مثل: “انشروا المقطع وشاركوه”؛ فكان هذا مأخذاً على سوزان بوصفه دعاية سياسيَّة، واتهامها بالبحث عن الشهرة، وقد تناسى الجميع العِلَّة التي وراء طرح سوزان لهذه الجملة؛ وذلك لوصول الفيديو إلى العلويين الذين لا يجرؤون على قول ما قالته أو معرفة ما يمكن شرحه عن البيئة العلويَّة.

ثمَّ نقلت سوزان نوعية فيديوهاتها إلى آليةِ بوحٍ لذكرياتها؛ سردٌ شفويٌّ تكوينيٌّ بانتمائه إلى حياة الساحل ومجتمع العلويين، إلا أنَّه لم يحمل يقيناً أيَّ قولٍ كارهٍ أو حاقدٍ، وكأنها تقصَّدت فضح الطائفة وتقاليدها ونمط كلامها ويومياتها الاجتماعيَّة أو حتى خوفها، وهذا أيضاً ما سكت عنه مثقفون دون أن يتناقلوه، فلم يكن الدفاع عن سوزان أو محاولة فهمها والاستماع إليها قضيةً اجتماعيَّةً، مثل الدفاع عن العلويين وعاداتهم الاجتماعية المنغلفة أو الخائفة. 

يمكن فهم سوزان وفق نوعين من التعبير: الأول، سردي ذاتي وهو ينطلق من تجربة الهوية المتكوِّنة فيها، وهي ابنة الساحل وضواحي المدينة والريف أيضاً، فقد حاولت سوزان إبراز نوعية للحياة والوعي الذي تلقته في مراحل حياتها وشاركتنا تجربتها وتفاعلها مع الآخر؛ وهذا سرد تفصيلي بكلِّ مقوِّماته، لكنه منفصل عن لغة الطائفة القواعديَّة والمنطقية التي اعتاد عليها المثقفون وهم يشاطرون مقالات ووثائقيَّات لا يتجاوز عدد مشاهداتها بضع مئات من السوريين. 

اللغة حاجز منطقي في الحياة السوريَّة للتجارب والبوح وإغراق الذات في التقوُّل. التقوُّل والسردُ على طريقة سوزان حَملا آلية ذاتيَّة في التعبير، بسيطة ومُعاشة وغير منفصلة عن أيِّ وعيٍ شموليٍّ بما تتحدث فيه؛ فسوزان نقدت المجتمع التي هي فيه بوصفه ضحية، من دون أي استعلاء ثقافيّ، وكان السرد ذاتياً حقيقياً يحكي الحكاية بوصفها حبكة لحدثٍ شخصيٍّ وعام في آنٍ واحد، وهو ذاته السرد الذي دارت فيه حياتها. غاب كلُّ شيء تحت سطوةِ لغةِ سوزان ومنطق السَّردِ البسيط العفويِّ الذي رفضه كثيرون، وقد حاول كثيرون قراءته على أنَّه فعلٌ سياسيٌّ تحريضيٌّ  تحاول سوزان من خلاله الحصول على لجوءٍ سياسيٍّ أو أن تُحصِّل مالاً بوصفها أداة تشهيرٍ وفضحٍ للطائفة المجرمة، بحسب الشائعات التي نسجت حول سوزان.

اختزلت سوزان في الحبكة والقصة بطريقة تعسفيَّة، ووضعت ضمن الجماعات المعارضة وهي لم تنوي سوى وصف ما يبدو ذاتياً في علاقتها مع الآخر؛ فهي تنتقي ما يبدو قصصياً وتختار المشافهة التي تتضمَّن أولاً حريَّة ذاتها وكيانها في التعبير والتقول، ولم تتمكَّن من حريَّة سرد ذاكرتها إلا ضمن الحقِّ السياسيِّ العام والأخلاقيِّ. 

في لقاء مع سوزان قالت لنا إنَّها لن تجري أيَّة مقابلة على الرغم من أنَّ وسائل إعلام عربيَّة وعالميَّة حاولت استضافتها؛ فأكثر من خمسين جهة تواصلت معها من أجل إجراء مقابلة إلا أنَّها رفضت، فهي لم تقصد السياسية في عملها أبداً بقدر ما كان فعلها هو محاولة لدفع الجميع إلى المشافهة عبر صفحاتهم ومحاولة مواجهة ذواتهم وكياناتهم والتعبير عنها بلغة بسيطة. فسرد الذكريات وسرد الحقيقة وهي تخرج من قمقم الخوف، كان يليق به احتواءٌ أكبر لسوزان واتباع أسلوبها ودعمها، ليس من منطلقٍ سياسيٍّ وأخلاقيٍّ وحسب، بل من منطلقِ دعمِ حريَّة أيِّ أحد في عدم الإنتماء لأيِّ تكوين دينيٍّ أو طائفيّ. ما قدَّمته سوزان هو جلُّ ما يمكن تقديمه من فهم حيوات العلويين وسرد تفاصيلها، من دون أن يحمل غاية الهجوم أو الاستهزاء بهم.. هذا تشكيل جديد للرواية والحبكة، بالطريقة السقراطيَّة النافية للقول العلميِّ والمنهجيِّ في مواجهة مجتمع يُحرَم من أبسط حقوقه وحريَّاته.

اليوم يحاصر أهل سوزان من كل صوب، ويتعرض ذويها لاغتيال اجتماعي، الأحرى للجميع أن يتفهم عنف سوزان اللفظي والقولي، وصراعها النفسي الهائل وهي تقول ما تقوله متجاوزة قيوداً هائلة تدفع ثمنها. 

هذا درس من شاعرة لها ثلاثة دواوين، ومسرحية مرموقة جداً، مفاده أن فهم سوزان علي يكون كفكرة لا كلفظ وقول ولغة “فضائحية”.

إقرأوا أيضاً:

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
هديل الروابدة- صحافية أردنية
هذا المشهد، يحتاج إلى جلوس مكونات” الدولة الرسمية والسيادية، على طاولة حوار وطني، لتحديد العلاقة بينها، وبلورة هوية الإصلاح المنشودة، اقتصادياً وسياسياً واجتماعياً، قبل الذهاب إلى تعديلات الدستور وقانوني الانتخاب والأحزاب”.
Play Video

0:46

Play Video

2:09

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني