الإجهاض السرّي في الجزائر:
ممارسة منتشرة لكن “حرام” الكلام عنها

حين أُقرّ قانون الصحة الجزائري عام 2018، استقبله المراقبون/ات بحفاوة إذ رأوا فيه تقدّماً هاماً باتجاه منح الحق في الإجهاض في الجزائر. غير أنّ هذا النص لن يحمل أيّ تطوّر ثوري طالما أنّ مبدأ المنع القاطع ما زال حاضراً فيه، وبقوّة.

لا يمنح القانون الجزائري الذي عٌدّل مؤخراً الحقّ في الإجهاض الصحّي والآمن للمرأة إلّا عندما “تكون حياتها أو توازنها النفسي والعقلي مهدَّدين بخطر بسبب الحمل”. وأدخل النص الحديث إمكانيّةَ اللجوء إلى الإجهاض فقط “عندما يثبت بصفة أكيدة عن طريق تشخيص ما قبل الولادة أن المضغة أو الجنين مصابَين بمرض أو تشوّه خطير لا يسمح لهما بالنمو العادي”. أمّا الإجهاض الذي يُسمح به لهذين السببَين فلا يمكن أن يتم إلا في المستشفيات العامّة “ويخضع لإذنٍ من الإدارة المختصة”.

خارج هذه الحالات المحدّدة، تبقى ممارسة الإجهاض مندرجة في نطاق المادة 304 من قانون العقوبات التي تنص على أن “كل من أجهض امرأة حاملاً أو مفترض حملها بإعطائها مأكولات أو مشروبات أو أدوية أو باستعمال طرق أو أعمال عنف أو بأيّة وسيلة أخرى سواء وافقت على ذلك أو لم توافق أو شرع في ذلك، يُعاقب بالحبس من سنة إلى خمس سنوات وبغرامة من 500 إلى 10.000 دينار، وإذا أفضى الإجهاض إلى الموت فتكون العقوبة السجن الموقّت من عشر سنوات إلى عشرين سنة…”.

إذاً، يتبيّن ممّا سبق كيف اكتفى المشرّع الجزائري بتفسير المبدأ الديني الذي يرى في الإجهاض “جريمة قتل لكائن بشري”، بناء على اعتقاد مفاده أنّ الإسلام لا يمنح أي إعفاء بعد مرور مدّة تتراوح بين ثلاثة أيام و120 يوماً، أو مدّة 40 يوماً بالنسبة إلى بعض التيارات الدينية التي تؤمن أنّ “الروح تُنفخ” في الجنين.

في الجزائر، ما زال الإنكار الجماعي للإجهاض شديد الحضور تعبيراً وانتشاراً، إنّما بشكل سرّي، ممّا يجعل معظم عمليّات الإجهاض تفلت من الإحصائيات المرئيّة. ولذلك، ليس هناك حتّى اليوم أيّ تقييم حقيقي لهذه الظاهرة وحجمها.

بحسب الجمعية الجزائرية لتنظيم الأسرة، تُرصد عادةً 200 إلى 300 حالة إجهاض سرّي في السنة الواحدة، و80 حالة وفاة بسببه. وتشكّل هذه الأرقام وفق مختصّين/ات كثر المعدّل الأكثر انخفاضاً عادةً، سواء في الأوساط الريفية أو الحضرية.

من الواضح إذاً أن لا خيارات حقيقيّة أمام المرأة التي تريد وضع حدّ لحمل غير مرغوب سوى بالإجهاض السرّي الذي لا يزال غير قانوني، لا بل يمكن أن يُعدّ عملاً إجرامياً بنظر الكثير من الشرائح المجتمعيّة. والنساء اللواتي يملكن الوسائل اللازمة لتحقيق هذا الإجهاض عادةً ما يلجأن إلى بلدان أوروبا أو تونس التي تُعد مساحة إنقاذ لهنّ من مأساة الأمومة التي تحصل خارج نطاق الزواج.

أمّا النساء الأخريات، فليس لهنّ إلا طريقة “انتقال الأخبار من فم لفم” علّهنّ يسمعن عن طبيب/ة أو ممرّضة أو شخص غير متخصّص يقبل بأن يخلّصهنّ من العبء الذي يتحمّلنه بسعر غالباً ما يكون مرتفعاً، ويتراوح ما بين 10.000  و70.000 دينار. وتظل العقبة الماديّة أقل أهمية بالمقارنة مع صعوبة العثور على المرأة أو الرجل الذي سيقبل بتنفيذ العمليّة.

إحدى الطبيبات اللواتي يعملن شرقي العاصمة منذ أكثر من عشرين سنة والتي تحدّثنا إليها، لا تخفي معارضتها لعمليّات الإجهاض، إذ تقول، “كنتُ دائماً أرفض القيام بإجهاض المرأة، أولاً لأنه أمر ممنوع، ولكن أيضاً وبشكل خاص لأنني مؤمنة ولا أستطيع أن أنتزع الحياة. لكنّني في الوقت نفسه لا أصدر أحكاماً على النساء”.

إن كانت هذه الطبيبة ترى أن الشابات مسؤولات عن الحالات التي يصلن إليها، فإنّها تدين في الدرجة الأولى المجتمع الجزائري الذي ينكر، على حد قولها، ضرورة وجود تربية جنسية تسمح بتهيئة الفتيات.

تروي الطبيبة أنّه في أحيانٍ كثيرة، “كانت تصل إلى عيادتي مريضات لا يعرفن حتى طبيعة أجسادهن. لديهن علاقات جنسية قبل الزواج ولا يعرفن شيئاً عمّا يحصل داخل أجسادهن. ومن الغباء المطلق القول إنّ الشبان والشابات يتعلمون كل شيء من الإنترنت”.

وتتابع الطبيبة، “أذكر كيف أتى أحد الآباء إلى عيادتي مصطحباً ابنته التي كانت في السابعة عشرة من عمرها آنذاك، لأنها كانت تشكو من آلام في البطن وغثيان. كانت في حالة من التشتت الذهني جعلها تبقى صامتة، حتّى أنّها لم تقم بأي ردة فعل عندما أعلنت لها أنها كانت في الحقيقة حاملاً. كانت لا تعرف الأمر على ما يبدو. في ذلك اليوم، فعلت شيئاً لن أسامح نفسي عليه أبداً: أخبرتُ الأمر لأبيها. ربّما فعلت ذلك بردّة فعل مهنية، إذ ظننتُ أن إعطاء تشخيصي للحالة هو ما كان عليّ فعله. جلس الأب، مرّر يديه على وجهه مرّات عدّة. نظر إلى ابنته، ثمّ قال لي شكراً وذهبا”.

وتردف، “تعلّمتُ أن أميّز النساء الشابات اللواتي يأتين إلى العيادة، وغالباً من دون موعد، في نهاية النهار، وفي بعض الأحيان برفقة الأم أو إحدى الصديقات، عن غيرهنّ من المريضات. عرفتُ أيضاً أن سكرتيرتي كانت تعطيهنّ في بعض الأحيان اسم عيادة أو زميل يمارس الإجهاض. وفي النهاية، كل واحد يتصرف حسب ضميره”.

إقرأوا أيضاً:

“المسؤولية تقع على المرأة وحدها”

يتسبّب المسار المؤلم للإجهاض السرّي بحوادث أليمة كثيرة غالباً ما تنتهي على عواميد الأخبار المتفرّقة في الصحف المحليّة. تتناسى تلك الأخبار والتغطيات أنّ الإجهاض السرّي، قبل كل شيء، هو ممارسة غير آمنة تنطوي على درجة كبيرة من الخطورة على صحّة النساء وحيواتهنّ. إلا أنّ القانون مصرّ على النظر إلى النساء أو الأشخاص الذين يشاركون في إجراء في الإجهاض أو يقدّمون الوسائل التي تسهّله كمقترفي جرم، ويحكم ضدّهم على هذا الأساس، على الرغم من وجود مآسٍ عائلية لها جوانب ظالمة لا تأخذها العدالة بعين الاعتبار في أحيانٍ كثيرة.

مثلاً، سُجّلت حالات إجهاض عدّة لحالات حمل غير مرغوب جاء نتيجة اغتصاب وسفاح قربى. لكنّ المحافظين والأئمة لم يعترفوا بهذه الظروف، ويقفون اليوم أثناء المناظرات حول القانون المتعلّق بالصحّة في موقع المعارض الشرس لأي توسيع لحالات السماح بالإجهاض ليطال ضحايا الاعتداءات الجنسية مثلاً.

من المعروف أنّ الحمل خارج إطار الزواج هو أسوأ ما يمكن أن يحصل لشابة جزائرية. كل سنة، يُترك آلاف الأطفال حديثي الولادة وتسجّل الشرطة أيضاً جرائم قتل أطفال أو حالات عثور على حديثي ولادة داخل حاويات القمامة، أو عند أبواب المساجد أو المستشفيات. ومن نافل القول بأنّه لا يتم أبداً ذكر الأهل في هذه المآسي، علماً أنّ الاتفاق المجتمعي العام يحمّل ومن دون شك خطيئة العلاقات الجنسية خارج الزواج للنساء وحدهنّ.

طالما أن المرأة هي وحدها المذنبة، يجب أن تتحمّل وحدها التداعيات. ومع إدراكنا لصعوبة خرق حاجب الصمت المحيط بهذه المسألة، فإن الشهادات التي قُدّمت لنا من دون ذكر هوية أصحابها تبقى خير دليل على مدى انتشار الإجهاض السرّي ومعاناة النساء الجزائريّات وآلامهنّ من جرّائه.

تروي لنا إحدى النساء حكاية صديقة لها في الكليّة كان عمرها 22 سنة عندما حملت. هي اليوم في الرابعة والعشرين من عمرها، وهذا ما حصل معها:

“كانت صديقتي بعلاقة مع رجل من عمرها منذ أشهر. كثيراً ما كانا يمارسان الجنس من دون وقاية من الحمل. اكتشفت حملها بعد ثلاثة أسابيع من حصوله بسبب تغيّب الدورة الشهرية. وعلى الرغم من أنّ العلاقة بينهما كان يبدو عليها أنها متينة، إلا أنّ صديقها استقبل الخبر بشكل سيء جداً، وما كان به سوى أن تركها وتصرّف وكأنّه غير معني بالموضوع”.

وتتابع الصديقة، “أذكر جملة قالها لها فيما كانت تنتابها حالة الذعر الناتجة عن الحمل: “لماذا تريدينني أن أشعر بالقلق؟ في النهاية، الجنين موجود داخل جسمك وليس داخل جسمي”. أصابتها تلك الجملة بغضب شديد وبدأت تبحث عن حلّ. كانت سمعت من خلال أخبار شفوية متناقلة عن امرأة مسنّة تمارس الإجهاض في مكان يشبه المستودع أو موقف السيارات. عند الذهاب إليها، يجب طرق الباب وتقديم شيفرة قبل الدخول. لكنها خافت من الذهاب إلى هناك. في النهاية، استطاع صديقها أن يؤمّن لها حبوب إجهاض حصل عليها من السوق السوداء عبر شبكة سريّة. لم أعد أتذكر اسم الدواء، لكنني أتذكر أنها أخذت حبّتين تحت اللسان وأدخلت حبّة داخل فرجها من أجل تحريض تقلصات. فعلت ذلك في شقة من دون تلقّي أي دعم طبي، ومن دون أن تكون متأكدة بالفعل من الطريقة التي يجب تناول الحبوب بموجبها. بعد ساعات، أصابتها آلام فظيعة، وراحت تصرخ بكل قواها من الألم حتى أغمي عليها. مَن رافقوها إلى الشقة أرادوا اصطحابها إلى المستشفى لخوفهم من أن تفقد حياتها بسبب ذلك، لكنها رفضت ذلك خوفاً من نتائج أفظع، وقالت إنها تفضّل الموت في تلك الشقة على تحمّل مخاطر تتأتّى عن علم الآخرين بقصّتها واحتمال أن تُسجن هي وصديقها”.

وتختم الصديقة، “سرعان ما تلت الآلام حالة نزيف. ذهبت إلى المرحاض فخرجت منها كتلة لونها محمرّ… بعد ذلك، تخلّى عنها صديقها فور تأكّده من أنّها لم تعد حاملاً. أصيبت الشابة بانهيار عصبي استمر حوالي 8 أشهر. كانت صورة الكتلة التي سقطت في المرحاض تجتاحها باستمرار، هي والظروف التي تم فيها الاجهاض، لجهة غياب الدعم والأمان. فضلاً عن ذلك، تعرّضت بعد شهور لحالات نزيف غير طبيعي واضطرابات في دورتها الشهرية. اليوم، استطاعت بشكل أو بآخر أن تخرج من هذه الحالة، لكنها ما زالت تحتفظ بذكراها كصفحة مؤلمة جداً من حياتها”.

درب الآلام والعزلة

بالإضافة إلى الشهداة أعلاه، استمعنا إلى شهادة أخرى تصف العزلة التي شعرت بها امرأة شابة تُركت وحيدة لمواجهة مصيبتها.

تروي الشهادة طالبة شهدت الحادثة، وتقول: “حصل ذلك في جامعة باب الزوار ( USTHB). لم أكن أعرف الفتاة المعنيّة سوى من المظهر. كانت طالبة مُسجّلة في اختصاص مختلف عن اختصاصي وتعيش في المدينة الجامعية، لكن كنّا نلتقي غالباً في الاستراحة ما بين درسين. انتشرت قصّتها في جميع الكليات لأنه في أحد الأيام سُمعت وهي تصرخ بأعلى صوتها في المرحاض المخصّص للنساء. كانت أصوات صراخها صادرة عن جسدها بأكمله. زعزعت البناء كلّه. وجدتُها جالسةً على الأرض في “التواليت” وهي تضرب بقبضتها على بطنها وتصرخ بكل قوّتها. بالكاد استطعتُ أن أفهم من كلامها أنّها حامل وأنّها لا تعرف من هو الأب. كان لديها علاقات مع أكثر من رجل، ولم يقبل أي منهم أن يتحمّل النتائج أو يمدّ لها يد المساعدة. لم تنجح في الحصول على الحبوب التي تؤدّي إلى الإجهاض، وكانت تهدّد بالانتحار داخل المرحاض. بعد أيام قليلة، وصلني خبر نجاحها بالحصول على حبوب ابتلعتها في مرحاض الكليّة. آنذاك، تعرّضت لنزيف حاد اضطرّها لأن تتغيّب لأّيام عن الدروس، كما أن المرحاض الذي حصل فيه النزيف امتلأ بالدم حتى وصل إلى الجدران.

هذا الدم “النجس” فقط بنظر المجتمع هوي الذي سجن أجساد النساء داخل أقفاص القوانين والأحكام المسبقة ولم يترك لهنّ أي خيار سوى خيار الممارسات غير الآمنة التي تتهدّد صحتهنّ وحياتهنّ… حتّى إشعار آخر.

إقرأوا أيضاً:

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
هديل الروابدة- صحافية أردنية
هذا المشهد، يحتاج إلى جلوس مكونات” الدولة الرسمية والسيادية، على طاولة حوار وطني، لتحديد العلاقة بينها، وبلورة هوية الإصلاح المنشودة، اقتصادياً وسياسياً واجتماعياً، قبل الذهاب إلى تعديلات الدستور وقانوني الانتخاب والأحزاب”.
Play Video

0:46

Play Video

2:09

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني