الموت الأخضر… أن تتحوّل أجسادنا
إلى سماد أو تُبعث في وردة

"الوداع الأخضر" يتمدد بتوسع؛ لفوائده ولرهافة معناه.

العنوان ليس خادعاً؛ يمكنك ضمان أن تُبعث في وردة أو شجرة، مع نظام «وداع/ تشييع» مُبتكر، عماده تخصيب الجسد لتغذية كائنات أخرى، تمنحك بدورها حياة مُتجددة.

بموازاة كثافة مغادرة ملايين الحياة؛ رأينا سياقات استثنائية للتعامل مع جثامين ضحايا فايروس “كورونا”، كلها، كما أساليب الدفن التقليدية، تقطع علاقة الراحلين بعالمهم. ومصادفة تزامُن تفشي الوباء مع تَدشين طريقة فريدة تحقق وداعاً أخضر، تدمج “عناصرنا” في دورات حياة مُستدامة. هذه المصادفة كانت ذروة رحلة تواصلت على مدى تسع سنوات، حتى قوننة الاختزال العضوي الطبيعي أو الموت الحضاري.

Recompose، أو الموت الحضارى، جمعية نفع عام تأسست فى سياتل الأميركية؛ هدفها تمكين من يريد تحويل جسده، بعد الموت، إلى مُخصبات زراعية لحديقة أو حقل أو أُصص منزلية.

الفكرة طرحتها المعمارية الأميركية كاترينا سبيد، عام 2011؛ بعد نقاش مع أصدقاء دام عامين، كبديل أخضر للدفن؛ مُنطلقة من دوافع عامة… لتخفيف أضرار الدفن إنسانياً وبيئياً وتقليل كلفته. الجمعية أنهت، منتصف 2014، تصميم أول منشأة للفكرة؛ مبنى خرساني من ثلاثة أدوار، تحيط به مساحات خضر تتيح للزائرين فرصة التأمل. تشرح لـ”رويترز”، في 18 كانون الأول/ ديسمبر من العام نفسه: نريد إبقاء الموتى في المدينة، فلا خيارات لدينا للتصرف فى جثثنا، سواء بيئياً، أو كـ”معنى”، وهذا هو الأهم.

تقارب الفكرة عملية صناعة “الكمبوست” التي يمارسها هواة زراعة السطوح، أمثالي؛ والحدائق الصغيرة، و300 قرية أوروبية أعلنت نفسها صديقة “زراعية” للبيئة. ملخصها إعادة تدوير بقايا المواد العضوية، غير الحيوانية، كسماد عضوي ثري بالعناصر المُغذية؛ عبر تخميره لأسابيع؛ مع تقليبه كل فترة، ليتحلل، ويتحول إلى تربة مُخصبة تُغذى بها المزروعات.

في تقنية الموت الحضاري يُحاط الجسد بـ”البرسيم الحجازي” ونشارة الأخشاب، وفق منظومة تقنيات توفر مستويات من الحرارة والماء والكربون والنيتروجين والأوكسجين؛ مع تقليبه كل فترة، ليتحلل، ويتحول إلى تربة مُخصبة تُغذى بها المزروعات.

صديق أمثل للبيئة

تبدأ مراسم الوداع الأخضر بحفظ الجثامين فى مُبردات خاصة لأيام. وتتابع الأسرة والأصدقاء، عبر الفيديو، إدخال الجثمان إلى ما يسمى المهد/ القلب المُخصب. وهو تصميم مُبتكر مكون من أنابيب مُهواة ومُغطاة، توفر بيئة فعالة لنشاط الميكروبات والفطريات وتكاثرها؛ لتحلل الجثمان، وتحوله إلى مكعب من التربة، يعادل حجم عربتين يدويتين، خلال أربعة أسابيع، ثم تهوى التربة المُنتجة لأيام. 

ومع اكتمال العملية، تتسلم الأسرة مُكعب التربة لاستخدامه فى حديقتها أو تتبرع به لتغذية زراعات الآخرين أو حدائق وغابات محلية. أولى التجارب المُنفذة تُغذي غابة مساحتها 700 فدان Bells Mountain، يرعاها صندوق خيري تأسس بالتزامن مع انطلاق المشروع؛ أو Herland Forest وهي غابة شهيرة في واشنطن، ارتبط بها ثاني مشاريع التجربة. توضح سبيد: نتحول من بشر إلى شيء آخر. ينتج موتنا الحضاري مُخصبات، هي حالة مميزة ومقدسة.

لأربع سنوات تواصلت دراسات وأبحاث، أفرزت أرقاماً ناقشها اجتماع خاص للرابطة الأميركية للعلوم المتقدمة في سياتل. دراسات جزمت بأنه نظام صديق أمثل للبيئة؛ بخاصة في المدن والمناطق الحضرية، حيث محدودية مساحات الدفن العادي. في واشنطن “مقابر خضر، للدفن دون تحنيط أو صناديق أو شواهد قبور”. تشرح صاحبة المشروع الفرق بين التحلل عبر الدفن السائد وبين إعادة الدمج كما مشروعها؛ فالأول يترك الجسم تحت سطح الأرض، أما الثاني فيدمجه فيها.

كانت النتائج، كما قيّمتها لين كاربنتر بوغز، عالِمة التربة في جامعة واشنطن: “تربة نظيفة وغنية بلا رائحة، تتوافق مع إرشادات السلامة. الأنسجة والعظام والأسنان تحللت تماما وبشكل آمن خلال 30 يوماً، ولم تعد بشرية”. وقالت بوغز إن السماد البشري يوفر 1.4 طن كربون، ويحد من البصمة الكربونية الناجمة عن الحرق والدفن التقليدي. تتحدث عن جثمان واحد، ماذا عن الملايين؟

الجمعية عانت، بداية، صعوبات في ترويج فكرتها وجمع التبرعات لشراء الأرض وتنفيذ التصميم الفريد، لكنها خلال أربع سنوات جمعت ستة ملايين و700 ألف دولار ونفذت مشروعها الأول. ولأنها تجربة غير مسبوقة، دار جدل حول توصيفها القانوني. رأت ولاية واشنطن أنها دار جنازات، واقترحت على سبيد السعي إلى الترخيص بهذه الصفة، وأن تلتزم بقواعد التخطيط العمراني التي تُبعد منشآت صناعة المُخصبات وأيضاً دفن الجثامين وإحراقها، إلى خارج الكتلة السكنية.

بالتوازي مع الجدل العام، دعت سبيد مؤيدي فكرتها إلى التبرع بأجسادهم، بعد الموت، لتنفيذ تجربة عملية. أولى المتبرعين كانت الممثلة جريس سايدل (55 سنة)التي أعلنت ذلك لأصدقائها وأسرتها، بحسب “رويترز”. انضم لها خمسة أشخاص، وأجريت التجربة الأولى عام 2018.

إقرأوا أيضاً:

رفض كاثوليكي

مع خروج الفكرة إلى الفضاء العام، تلقت سهام التيارات المحافظة؛ رفضتها الكنيسة الكاثوليكية واعتبرتها “تمس بكرامة الإنسان”، ودعت أتباعها إلى التمسك بطريقة الدفن التقليدية. واقتدت بها مؤتمرات الكاثوليك في كل ولاية طُرح فيها الوداع الأخضر. نفس ما فعلته المنظومة الدينية مع كل طرائق الدفن غير المعتادة؛ آخرها، قبل الموت الحضاري، التحلل القلوي المائي، الذي بدأ عام 2017 وأصبح مقونناً الآن في 20 ولاية.

وعلى رغم دعم الحزبين “الديموقراطي” و”الجمهوري” وجمعيات حماية البيئة؛ احتاج الشكل القانوني سنوات، حتى أيار/ مايو 2019، ليتبلور؛ وتكون واشنطن أول ولاية أميركية تسمح بالسماد البشري، عبر تشريع ينظم “التخصيب العضوي الطبيعي” للجثامين. وأسست سبيد شركة “ريكومبوز” ذات النفع العام، شعارها: “نتبع إرشادات الطبيعة، نموذجنا يعيدنا بلطف إلى الأرض”. 

دخل القانون حيز التنفيذ في أيار 2020؛ بدأت سبيد تشغيل منشأتها تجريبياً في كانون الثاني/ يناير الماضي، وبكامل طاقتها الشهر التالي مباشرة بعشرة “قلوب” أو مهود، في 12 شباط/ فبراير 2020، قالت لبي بي سي: “حتى الآن سجل 15 ألف شخص في موقعنا”. 

مع جاذبية الفكرة وتكلفة الموت الحضاري الأرخص، الآن في واشنطن ثلاث منشأت، اثنتان بدأتا العمل، والثالثة، باسم “عودة للبيت“، تحت التجريب. قوننته ولايتا كولورادو وأوريغون؛ وإن اشترطت الأولى حظر استخدام سماده مع الزراعات المثمرة والخضراوات؛ والأرجح أن تقتدي بها كاليفورنيا، على رغم تأجيل مجلس شيوخها مناقشة المشروع في آب/ أغسطس الماضي؛ “لكنها مجرد مسألة وقت”، تقول سبيد. وعلى الطريق ذاته، تسير نيويورك وماساتشوستس.

“الوداع الأخضر” يتمدد بتوسع؛ لفوائده ولرهافة معناه، ومع نشر قصص من مروا عبره… ليعودوا إلى أمهم؛ كروبرت كانتيسانو، مزارع عضوي وناشط معروف باسم أميغو بوب في شمال كاليفورنيا؛ الذي تجاوز تأخر قوننته في ولايته بالذهاب إلى واشنطن، وعاد سماداً لحديقته ولزراعات الأصدقاء والجيران. 

مؤشرات ترسخ الموت الحضاري، شجعت آخرين على طرح ابتكارات مقاربة؛ منهم بوب هندريكس، الذي أطلق مشروع “شرنقة المعيشة“، كأول “نعش حي طبيعي”، بحسب موقعه. فكرته؛ أن ندع عناصر أجسادنا الغذائية تثري التربة، لتكون مصدراً لحياة جديدة. ووسيلته: تابوت مصنوع من الفطريات قابل للتحلل الحيوي، هو وجسد المتوفى، خلال 45 يوماً. 

منتصف عام 2020، طرح الزوجان الإيطاليان، آنا سيتيلي وراؤول بريتزيل، كبسولة دفن سمياها Capsula Mundi؛ على هيئة بيضة ضخمة من التربة والمواد العضوية الداعمة للتحلل؛ يوضع فيها الجسد في وضعية الجنين، لتصبح عناصره المتحللة مُغذياً دائماً لشجرة ما يختارها هو أو أسرته.

حلم سبيد عابر لدولتها، فهي تخطط لانتشار عالمي: “وجدنا حماسة للفكرة في بريطانيا ومناطق أخرى في العالم، ونأمل بفتح فروع لشركتنا في الخارج، عندما نستطيع”.

…حلم قطاع منا

في ظل كورونا أو بعده، هل يصل الوداع الأخضر إلى محيطنا المصري والعربي؟ وأليس تطبيقاً حرفياً لـ”مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَىٰ” الآية 55 من سورة طه؟

منذ بدايات تماسي ذهنياً مع فكرة الموت، مع خمسينات عمري، وتكرار رؤيتي، مشهد رحيل الأب المؤسس، دون فيتو كورليوني، في “العراب”، لحظة لعبه مع حفيده في حديقة المنزل؛ تمنيت أن يقُدر لي الوداع ذاته.

أقصى أحلامي الحياتية؛ شراء منزل صغير، على حدود بلدتي قليوب المحطة؛ أمامه 60 متراً تصلح حديقة صغيرة، أمرح فيها مع الأحفاد، ربما أحظى بما فاز به العراب، وربما تصل أمنيتي ذروتها باقتفاء خطوات أميغو بوب والمرور بـ”القلب المُخصِب”، وأستقر عضوياً في زهور يتنفسها أو شجرة يستطعم ثمارها الأحفاد.

حينها، ستكون الـ60 متراً… فردوسي الأعلى.

إقرأوا أيضاً:

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
هديل الروابدة- صحافية أردنية
هذا المشهد، يحتاج إلى جلوس مكونات” الدولة الرسمية والسيادية، على طاولة حوار وطني، لتحديد العلاقة بينها، وبلورة هوية الإصلاح المنشودة، اقتصادياً وسياسياً واجتماعياً، قبل الذهاب إلى تعديلات الدستور وقانوني الانتخاب والأحزاب”.
Play Video

0:46

Play Video

2:09

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني