“إسرائيل وُلدت من رحم الخطيئة وأنا أتعاون مع دولة إجرامية”

نوفمبر 14, 2021
يروي ياكوف شاريت نجل ثاني رئيس وزراء اسرائيلي سيرته وهو اليوم في منتصف التسعينات من عمره. يقول إن اسرائيل هي "دولة مُحتلة وتعتدي على شعبٍ آخر".

في نهاية سلسلة من اللقاءات مع ياكوف شاريت، وبعد حوالي عشر ساعات من المقابلات، استجمعت جرأتي وطرحت عليه السؤال الواضح. أردت أن أعرف ما إذا كان واثقاً من أن ما يقوله قد قيل بذهن صافٍ وعقل واعٍ. فابتسم شاريت، الذي احتفل مؤخراً بعامه الـ95، وأومأ برأسه، نعم.

لا يشعر ياكوف شاريت، نجل أول وزير خارجية وثاني رئيس وزراء لإسرائيل، موشيه شاريت، أن ثمة حاجة إلى المواربة في التعبير عن رأيه. فقد اتسم بالوضوح والصرامة والدقة، وأراد أن يبعث إلى القراء برسالة قد يكون من الصعب تقبلها.

يبدو أن نجل الرجل الذي وقّع على وثيقة إعلان قيام دولة إسرائيل عام 1948 يود أن يقضي أيامه الأخيرة في هذه الحياة مناهضاً للصهيونية؛ فهو يعارض هجرة اليهود “إلى” إسرائيل، ويشجع على هجرتهم “منها”، ويتنبّأ بحلول أيام مظلمة على البلاد. والأدهى أنه يدعم البرنامج النووي الإيراني.

“لقد وُلدت دولة إسرائيل والمشروع الصهيوني من رحم الخطيئة. وهذه هي الحقيقة”، بهذه الكلمات أعرب عن رأيه ياكوف الذي خدم في قوات البلماح قبل تأسيس دولة إسرائيل، فضلاً عن أنه تطوع في “اللواء اليهودي” بالجيش البريطاني خلال الحرب العالمية الثانية، وشارك في تأسيس الكيبوتسات اليهودية في النقب، وعمل في جهاز الأمن العام الإسرائيلي، “شاباك”، ومكتب الاتصال الحكومي للهجرة من أوروبا الشرقية، “ناتيف”. مضيفاً “هذه الخطيئة الأصلية ما زالت تلاحقنا وستظل تلاحقنا وتخيم فوق رؤوسنا، وعلى الرغم من محاولتنا تبريرها، أصبحت تُشكل خوفاً وجودياً بالنسبة لنا، يتجلّى بشتى الطرق وبوضوح في حياتنا. فثمة نار تتأجج تحت الرماد”.

أردف شاريت، الذي أُجريت معه المقابلة قبل عيد ميلاده الـ 95: “أبلغ من العمر 94 عاماً. وقد بلغت هذا العمر بسلام. فمن الناحية المالية، وضعي المادي مُعتدل. لكنني أخشى على مستقبل أحفادي وأحفاد أحفادي ومصيرهم”.

* أنت تتحدث بينما تعيش في شقة فارهة بوسط تل أبيب ( أحد الأحياء الراقية)، فلا يبدو أنك تعاني.

“أصف نفسي بأني مُتعاون على الرغم منّي. فأنا مُجبر على التعاون مع دولة إجرامية. أنا أعيش هنا، وليس لدي مكان آخر يُمكن أن أذهب إليه. وبسبب كبر سني لا أستطيع الانتقال إلى أي مكان. وهذا الأمر يُزعجني، يوماً بعد يوم. فلا يفارقني إدراك أن إسرائيل في النهاية هي دولة مُحتلة وتعتدي على شعبٍ آخر”.

ياكوف شاريت

جين “اخرُج من وطنك”

بالفعل انتقل إلى الخارج (إلى نيويورك) بعضُ عائلة شاريت التي تتألف من ياكوف وزوجته رينا وأطفالهم الثلاثة وخمسة أحفاد وثمانية من أبناء أحفادهم.

كان جده ياكوف شيرتوك، الذي سُمي تيمُّناً به وتغير لقبه لاحقاً في اللغة العبرية إلى “شاريت”، من مؤسسي حركة “بيلو” أو “رواد فلسطين” التي أولت اهتماماً بتنظيم هجرة الشبان اليهود إلى فلسطين. فقد وصل إلى إسرائيل عام 1882، بعد سلسلة من المذابح في روسيا أُطلق عليها اسم “سوفوت بنيجيف” (عواصف في الجنوب). ولكن بعد بضع سنوات هاجر من أرض إسرائيل، كما يقول حفيده، وأسس عائلة في المهجر. ولذلك فقد ولد موشيه شاريت، والد ياكوف، بمدينة خيرسون على ضفاف نهر دنيبر، التي تقع اليوم في روسيا وكانت آنذاك تابعة لأوكرانيا. ثم في عام 1906، في أعقاب المزيد من المذابح، عاد الجد وعائلته إلى إسرائيل، وهذه المرة بشكل دائم.

* والدك هاجر إلى إسرائيل عندما كان يبلغ من العمر 12 عاماً. هل اعتبر نفسه صهيونياً؟

“والدي هاجر إلى إسرائيل لأن والده فعل ذلك. ليس لأنه أراد الهجرة إلى إسرائيل. وهذا أحد أوجه الاختلاف بين ما حدث مع شاريت والموجة الثانية من الهجرة اليهودية إلى فلسطين من أوروبا، التي أسست الدولة و”ماباي” (حزب العمل الإسرائيلي). فقد كان هؤلاء المهاجرون -وعلى رأسهم بن غوريون- يكبرونه سناً، وهاجروا إلى إسرائيل بمحض إرادتهم. لكن شاريت لم يكن واحداً منهم. فهو لم يتعرض لأي اضطرابات داخلية حولته إلى صهيوني”.

وعندما وصلوا، ذهبت الأسرة للعيش في قرية عين سينيا العربية، شمال مدينة رام الله. وتعلم موشيه اللغة العربية خلال العامين التاليين. وفي عام 1908 انتقلوا إلى تل أبيب، حيث التحق هو وشقيقته ريفكا بالصف الأول في مدرسة جيمناسيا هرتسليا العبرية الثانوية.

في وقت لاحق، صار أحد أساتذته في المدرسة يتحدث عن الشاب الذي وقف فجأة وبدأ يتحدث اللغة العربية، لدرجة أنه “لم يصدق أنه يهودي”.

إقرأوا أيضاً:

قابل الشقيقان أصدقاء في المدرسة وأصبحوا بعد ذلك عائلة، وباتوا يعرفون بلقب “الأصهار الأربعة” في المجتمع اليهودي في فلسطين قبل تأسيس الدولة، “يِشُوڤ”. إضافة إلى شاريت، كان هؤلاء الأصدقاء هم: دوف هوز، أحد مؤسسي ميليشيا الهاغاناه السرية قبل تأسيس الدولة، وأحد رواد الطيران خلال فترة الانتداب البريطاني على فلسطين؛ وإلياهو غولومب، وهو القائد الفعلي للهاغاناه؛ وأخيراً شاؤول أفيغور، ولقبه الأصلي ميروف، أحد مؤسسي الهاغاناه وقائد الفرقة التابعة للموساد التي عملت على تسهيل هجرة اليهود إلى فلسطين، وأصبح فيما بعد رئيساً لمكتب الاتصال الحكومي للهجرة من أوروبا الشرقية، “ناتيف”.

تزوج موشيه من تسيبورا ميروف، شقيقة شاؤول. في حين تزوج هوز من ريفكا، شقيقة شاريت. وتزوج غولومب من آدا، الأخت الصغرى لموشيه وريفكا شاريت. وكان منزل عائلة شيرتوك/شاريت، في شارع روتشيلد، مقراً للهاغاناه، وعقدت هناك اجتماعات قادة المنظمة برئاسة “الأصهار الأربعة”. وقد عزت عبارة شهيرة من هذه الفترة ولادة إسرائيل من جديد إلى “المعجزات والأصهار” (تبدو العبارة متناغمة ومسجوعة في اللغة العبرية). ولدت تسيبورا، زوجة موشيه شاريت ووالدة ياكوف، في كيبوتز طبريا، ودرست الزراعة في إنجلترا، وتخصصت في منتجات الألبان. وعند عودتها إلى إسرائيل، أشرفت على العمال في قرية “نهالات يهودا” الزراعية بالقرب من مدينة “ريشون لتسيون”.

بعد المدرسة الثانوية، سافر موشيه شاريت إلى إسطنبول -عاصمة الدولة العثمانية التي كانت آنذاك تسيطر على الأرض التي ستصبح فيما بعد إسرائيل- لدراسة القانون، مثلما فعل كل من بن غوريون والرئيس المستقبلي إسحاق بن تسفي. بيد أن الحرب العالمية الأولى، التي اندلعت عام 1914، تسببت في تغيير تلك الخطة. ولذا عاد إلى فلسطين وأصبح نشطاً في حركة “العثمنة” أو التتريك، التي زعمت أنه لن يتسنى منع طرد اليهود في إسرائيل إلا إذا كانوا يحملون الجنسية العثمانية.

فقد درَّس اللغة التركية في المدرسة التي درَس فيها عندما كان صغيراً، ثم انضم لاحقاً إلى صفوف الجيش العثماني. يقول ياكوف، “كان والدي يقول إنهم لم يأتوا ليطردوا العرب، بل ليعيشوا معهم. فقد كان يعتقد أن هناك متسعًا للجميع”. هذا النهج الذي يتسم بالتصالح أو السذاجة أو الصلاح الذاتي -بمعنى أن لأي شخص أن يرى الأمور من منظوره الخاص- دفع شاريت إلى أن يكون “الشخص الثاني” إلى الأبد. ويوافق ابنه على أنهم سيصفونه اليوم ازدراءً بأنه “يساري” وربما حتى “كاره لإسرائيل”.

على مدى العقود القليلة التالية، شق طريقه إلى قلب النشاط الصهيوني عندما اختير ليكون رئيساً للسلك الدبلوماسي في “الوكالة اليهودية”. وتشمل إنجازاته التخطيط الاستراتيجي لمشروع مستعمرات “السور والبرج”، وتشييد ميناء تل أبيب، وتأسيس قوات الشرطة اليهودية الإضافية (النوطريم)؛ وأهم إنجازاته على الإطلاق هي مشروع التطوع للجيش البريطاني، الذي بلغ ذروته في تأسيس “اللواء اليهودي” في الجيش البريطاني خلال الحرب العالمية الثانية.

وعندما تأسست إسرائيل، عُيّن شاريت وزيراً للخارجية؛ وبعد ذلك حل محل بن غوريون في منصب رئيس الوزراء لفترة قصيرة.

* من الصعب الشك في صهيونية والدك وحبه للأرض. واليوم لديه أبناء أحفاد يعيشون في نيويورك. كيف سيشعر إذا علم بالأمر؟

“من المستحيل التقليل من شأن هجرة اليهود من إسرائيل واعتبارها لعنة. لا يوجد تقريباً أي إسرائيلي ليس لديه أقارب في الخارج. وأنا سعيد لأن لدي حفيدات، وأبناء حفيدات وابن حفيد يعيشون جميعاً في نيويورك”.

“لست خجولاً من قول ذلك. فقد كان لدى شاريت أب هاجر من إسرائيل أيضاً. وهو جدي الذي لو لم يغادرها، لما ولدت، لأنه بعد أن هاجر من إسرائيل تمكن من تأسيس عائلة. وخلافاً للشعار الزائف أنه “ليس لدي بلد آخر”، فالحقيقة أن هناك بلداناً أخرى؛ وهناك أكثر من أرض واحدة. بل إن أكثر من مليون إسرائيلي يعيشون في الخارج. فقد بات الالتزام الصهيوني الأيديولوجي يتلاشى مع مرور الأجيال؛ إذ أدرك الناس أن هناك أماكن أفضل يُمكنهم تربية أطفالهم والعيش فيها. ومع أن كل مكان يُعاني من مشاكل، والحياة ذاتها تُمثّل مشكلة، تعاني إسرائيل من مشاكل وجودية”.

* مع ذلك، ألا ينتابك شعور بالضياع؟ فقد وقع والدك على وثيقة إعلان قيام دولة إسرائيل، بينما لم تعد ترى إسرائيل وطناً قومياً للشعب اليهودي.

“إن حياة الشعب اليهودي مأساة. فقد أثبت شعبنا، في مرحلة مبكرة للغاية، أنه ليس شعباً مسؤولاً ولا يعرف كيف يحافظ على دولة. ولذلك، لم يكن لديه في معظم الوقت وجود قومي، بل مجرد وجود كأقلية مضطهدة ومكروهة، تعيش حياتها بدون تنظيم أعلى ودون حكومتها الخاصة. ربما دفَع ثمناً ذلك، لكنه صمد”.

“إحدى الجينات في الحمض النووي الوطني لنا هو جين ’اخرُج من وطنك‘، الذي بدأ منذ أيام أبينا إبراهيم. فمنذ أيام الهيكل الثاني، لم يَعِش معظم اليهود في إسرائيل. فقد أسسوا مجتمعاً عظيماً على ضفاف نهر دجلة، وبعد ذلك انتقلوا إلى إسبانيا، وأقاموا ثقافة رائعة دامت ألف عام، ومن هناك تفرقوا في شتى الأنحاء …”.

* ثم حدثت المذابح وبعد ذلك المحرقة اليهودية “الهولوكوست”، وأدرك الكثيرون حينها أن “المشكلة اليهودية” لا يمكن حلها إلا عن طريق تقديم أرض للشعب اليهودي.

“فجأة بدأ الناس يقولون، ‘نحن نعرف ما يلزم فعله’ للجميع، وبدوا مستعدون لفرض أفكارهم على بقية الناس. من أوكل لك المسؤولية؟ فقد نشأ الصراع في اللحظة التي دعت فيها الصهيونية اليهود إلى الهجرة إلى إسرائيل، لكي يؤسسوا هنا وطناً واحداً للشعب اليهودي، والذي سيكون دولة ذات سيادة. فقد تمثلت الفكرة الصهيونية في المجيء إلى مكان يوجد فيه أناس، ينتمون إلى شعب آخر ودين آخر ومختلفون تماماً.

“هل رأيتم في أي مكان في العالم يوافق فيه السواد الأعظم من الناس على الاستسلام لغزاة أجانب يقولون، “لقد كان أجدادنا يعيشون هنا” ويطالبون بدخول الأرض وفرض السيطرة عليها؟ فقد كان الصراع جوهرياً والصهيونية أنكرته وتجاهلته… ومع زيادة نسبة تواجد اليهود عن العرب، أدرك العرب أنهم يفقدون الأغلبية. مَن يوافق على شيء كهذا؟

“وهكذا بدأ الصراع المسلح، وأعمال الشغب في أعوام 1920، و1921، و1929، وفي الفترة بين عامي 1936-1939، واندلعت الحرب تلو الحرب. ويقول الكثيرون إننا “نستحق” الأرض لأن العرب كان بوسعهم قبولنا كما كنا، ومن ثمّ سيكون كل شيء على ما يرام. بيد أنهم هم مَن بدأوا الحرب، فلا ينبغي لهم أن يشتكوا. وفي رأيي أن هذا التحول الكامل للأغلبية العربية إلى أقلية والأقلية اليهودية إلى أغلبية أمراً غير أخلاقي”.

* إذاً أنت تدعي أن والدك كان أيضاً غير أخلاقي، وكذلك أنت؛ إذ ترتبط سيرتك الذاتية مع سيرة الحركة الصهيونية وإسرائيل خلال فترة تأسيسها الفارقة.

“إذا لم تكن إسرائيل في وضع جيد، فأنا أيضاً لست في وضع جيد، بصفتي مواطن يعيش هنا ويدفع الضرائب. ولفترة معينة كان يحدونا أمل كبير هنا أننا تمكّنا من تأسيس شيء جديد. لقد كنت جزءاً من ذلك. بيد أن الآن يبدو أن الصهيونية قد اختفت، من وجهة نظري. بل إن كل الوعود التي قطعناها اختفت. ولم أعد أشعر بالراحة تجاه هذا الأمر. فقد صار مخططنا الوطني هو الدماء والموت والعنف. وهذا العَلَم الذي يرفرف حتى اليوم في بلدنا بات مثل الحلم. وأصبحت إسرائيل تعيش على السيف وتصقله. وأنا بعيد كل البعد عن هذا الأمر”.

* ما الخطأ الذي حدث في هذه المسيرة؟

“لقد كان للشعب اليهودي عَدوّان عظيمان، هما هتلر وستالين، اللذان قاما بدحض الثقافة اليهودية، وسعيا إلى إفراغها من مضمونها وتدميرها – في بولندا والاتحاد السوفييتي. فقد ركّز أولئك الذين خططوا لتأسيس الدولة أولاً وقبل كل شيء على القبائل اليهودية. بيد أن الهولوكوست الذي قام به هتلر والإبادة الجماعية الروحية التي قام بها ستالين غيّرت بالكامل بنية إسرائيل وتكوينها الديمغرافي. وبعد أن تبين أن الذين كان من المفترض أن يأتوا لم يعودوا موجودين، جاء يهود آخرون. أنا لا أقلل منهم. فمن منظور يهودي هم يهود مثلي ومثلك، لكن خلفيتهم مختلفة. لقد نشأوا في بلدان إسلامية، وينحدرون من خلفيات دينية وعشائرية وتربّوا في مجتمعات أبوية. هؤلاء هم الأشخاص الذين جاءوا إلى إسرائيل، وهذا ما غيّر الوضع، وإلى يومنا هذا لا يزال يُسبب مشاكل واضطرابات”.

* هل تفضل أن ترى الغالبية في إسرائيل من اليهود الأشكناز -الذين ترجع أصولهم إلى أوروبا الشرقية- ممن يتسمون بطابع علماني وليبرالي، مثلك؟

“أنا أتحدث بصراحة لأنه ليس لدي ما أُخفيه. أنا في الـ 94 من عمري… كلما كان المجتمع أكثر تجانساً، كان أكثر عافية. وكلما قل التجانس في المجتمع، ظهرت المشاكل. أشعر بخيبة أمل إزاء مصير الشعب اليهودي، الذي تسبب في تفريقنا إلى قبائل. علاوة على ذلك، أشعر بخيبة أمل بسبب طبيعة الدولة. عندما أرى رئيس الوزراء يضع كيباه على رأسه، لا أشعر بالارتياح. هذه ليست إسرائيل التي أود رؤيتها. كيف تحوّل هذا المكان الجديد، الذي كان من المفترض أن يكون مفعماً بالإبداعات، إلى أكثر الأماكن ظلمةً، تحت سيطرة القوميين الأرثوذكس المتطرفين؟ كيف يمكن أن توجد هنا من بين جميع الأماكن، رجعية وتعصب وممارسات دينية تبشيرية، ورغبة في التوسع والسيطرة على شعب آخر؟”

فخ للمبعوث

ولد ياكوف شاريت في عام 1927 لعائلة مترابطة من صفوة اليشوف، وهم الجالية اليهودية في فلسطين. ومن بعده ولدت أخته يائيل (التي ستصبح في المستقبل الكاتبة يائيل مديني) في عام 1931، ثم حاييم في عام 1933. فقد عاش أول ثلاث سنوات في حياته في تل أبيب، وبعد ذلك، بسبب ارتقاء والده في المناصب الوظيفية، انتقلت الأسرة إلى القدس. ودرس في القدس مع عالم الجغرافيا ديفيد بنفينستي، والفيلسوف يشعياهو ليبوفيتش، والعالم اللغوي أفراهام إيفن شوشان.

عندما كان شاريت شاباً ذهب للدراسة في جامعة كولومبيا في الولايات المتحدة وجامعة أكسفورد في المملكة المتحدة، وتخصص فيما كان يُعرف آنذاك بـ”علم السوفييت”، أو “سوفييتولوجي”، الأمر الذي دفعه لتعلم اللغة الروسية بطلاقة، وهي اللغة الأم لوالده. وجنّده عمه، شاؤول أفيغور، عام 1960 في وحدة سرية أسسها تحت قيادته، تُسمى “ناتيف”، والتي دخل أعضاؤها الاتحاد السوفيتي تحت غطاء أنهم موظفين في السفارة الإسرائيلية، وساعدوا اليهود على تجاوز الستار الحديدي -سياسة العزلة التي انتهجها الاتحاد السوفيتي السابق بعد الحرب العالمية الثانية.

إقرأوا أيضاً:

عُين شاريت في منصب “المستشار الأول” للسفارة الإسرائيلية في موسكو، وتنقل في كافة أنحاء الاتحاد السوفيتي بحثاً عن اليهود الذين أبدوا اهتماماً بإسرائيل والصهيونية. بيد أن إقامته هناك توقفت فجأة بعد عام، عندما طُرد بتهمة التجسس. ففي أحد الأيام، أثناء زيارته إلى ريغا، أخذ رسالة من شخص قدّم نفسه على أنه يهودي وطلب منه تسليمها إلى أقاربه في إسرائيل. كان ذلك على ما يبدو فخاً للإيقاع به، لأنه لاحقاً، على حد قوله، “انقض عليّ رجلين ذوا بنية ضخمة، وطرحاني أرضاً، دون أدنى اعتبار أنني أتمتع بحصانة دبلوماسية”. وعندما تم استجوابه، قدموا له الرسالة التي كان قد أخفاها في جيب معطفه، وعندما فتحوها، وجدوا صورة لصاروخ.

“طرد ياكوف شاريت من الاتحاد السوفيتي”، هكذا كانت عناوين الصحف في ذلك اليوم. فقد ذكرت وكالة الأنباء السوفيتية “تاس” أن شاريت “تم القبض عليه وهو يقوم بعملية تجسس، حيث كان يتجول في أجزاء مختلفة من الاتحاد السوفيتي لإقامة علاقات تجسس وتوزيع مطبوعات صهيونية غير قانونية مناهضة للسوفييت.

عقب عودته إلى إسرائيل عمل لفترة في القسم الروسي الجديد الذي تأسس حديثاً آنذاك وتخصص في مجال أبحاث الاستخبارات العسكرية. ثم تقاعد بعد ذلك عن العمل الاستخباراتي. يقول خلال المقابلة، “لقد شعرت بخيبة الأمل للغاية من الروس الذين أرادوا الهجرة إلى إسرائيل”. مضيفاً، “لقد تبين أن الأشخاص الذين أردت بشدة أن يأتوا إلى هنا ينتمون إلى اليمين المتطرف، ويؤمنون بالفكر القومي -نتيجة لما مروا به على مدى سنوات من العيش نصف مندمجين في المجتمع، ويحتاجون إلى إخفاء أصولهم. الآن تحولوا إلى الجانب الأكثر تعصباً وتطرفاً. لقد شاركت في مجيء أعدائي إلى هنا. ومن بينهم أفيغادور ليبرمان، نظراً إلى أنه مستوطن، ولذا من الناحية السياسية هو عدوي”.

بيد أن مجيء هذا الشخص أو ذاك إلى إسرائيل ليس هو ما يزعج شاريت. إذ إنه يعارض تشجيع الناس على الهجرة إلى إسرائيل. “إسرائيل هي الدولة الوحيدة التي تسعى إلى زيادة عدد سكانها. من سمع بأمر كهذا من قبل. إن المبعوثين يحاولون إقناع الناس بالقدوم والعيش في إسرائيل؟ ألا يوجد ما يكفي من الناس والاختناقات المرورية هنا؟”

إقرأوا أيضاً:

التنازلات لا تعني الاستسلام

المحطة التالية في حياة شارت كانت الصحافة. فقد عمل كاتباً ومحرراً في صحيفة “معاريف” اليومية العبرية لمدة عقدين، بين عامي 1963 و1983. وفي أوائل السبعينيات كتب لصالح صحيفة “معاريف” من طهران، حيث انتقل مع زوجته، وهي مصممة رقصات وراقصة وعملت معلمة للرقص هناك. وفي أوائل الثمانينيات كتب أيضاً عمود بعنوان “رجل من المريخ” في المجلة الأسبوعية “هعولام هازيه” المناوئة للمؤسّسة، وأعرب عن آرائه الانتقادية للإسرائيليين، كما لو كان من كوكب آخر.

ألّف شاريت أيضاً بعض الكتب، وعمل مُحرراً ومترجماً للبعض الآخر. يظهر على غلاف كتابه الذي نشره عام 1988 بعنوان “دولة إسرائيل التي كانت بمثابة وطن الأرض الجديدة القديمة قد زالت”، إشعار وفاة باللغة العبرية. فقد كتب شاريت في كتابه أنها كانت بمثابة “محاولة بائسة في اللحظة التي تلت اللحظة الأخيرة، وتثير “أزمة وجودية غير مسبوقة تتجاوز إمكانية التغلب عليها أو منعها”.

أما الكُتب الأخرى التي ترجمها، مثل كتابيّ “الربيع الصامت”، و”نهاية الطبيعة”، فقد تناولت أزمة من نوع آخر، وهي أزمة المناخ، قبل سنوات من إيلاء إسرائيل أي اهتمام لهذه القضية.

احتفل شاريت بعيد ميلاده الرابع والتسعين في شهر يوليو/تموز الماضي. يقول في الختام “أنا رجل مسن، مدرك لكبر سني، وأعلم أن سنواتي في الحياة معدودة. وأنا لا أخشى من الموت نفسه، لكنني أخشى من الشكل الذي سيتخذه الموت”. ويكشف عن أنه اتخذ القرار بإنهاء حياته بنفسه، بحسب قوله “إذا وصلت إلى مرحلة لم تعد فيها لحياتي مغزى وصرت رجل ميت يمشي على الأرض، ليس له قيمة أو مساهمة، بل هو مجرد عبء على الآخرين وعلى أسرته”. وقد أبلغ أسرته بالفعل بقراره. وسوف يتبرع بجسده للمساهمة في العلم. “أنا لَستُ بحاجة إلى قبر. فأنا لا أذهب لزيارة قبور عائلتي. ولا أعتقد أن ذكرى الإنسان وروحه مرتبطة بعظامه أو المكان الذي دفن فيه. أنا لا أريد أن أشغل مساحة في بلد صغير مثل بلدنا. لا فائدة من ذلك على الإطلاق. وعلى أي حال، خلال جيل أو جيلين، ستُنسى شواهد القبور وتُهجر”.

لكن قبل أن يحدث أياً من ذلك، لا يزال يريد أن يحظى ببعض الوقت في الحياة لكتابة سيرته الذاتية، التي كشف عن بعض عناوين فصولها في هذه المقالة. واختار بالفعل اسم الكتاب “متعاون قسري”.

عوفر أديريت

هذا الموضوع مترجم عن Haaretz.com  ولقراءة الموضوع الاصلي زوروا  الرابط التالي.

إقرأوا أيضاً:

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
هديل الروابدة- صحافية أردنية
هذا المشهد، يحتاج إلى جلوس مكونات” الدولة الرسمية والسيادية، على طاولة حوار وطني، لتحديد العلاقة بينها، وبلورة هوية الإصلاح المنشودة، اقتصادياً وسياسياً واجتماعياً، قبل الذهاب إلى تعديلات الدستور وقانوني الانتخاب والأحزاب”.
Play Video

0:46

Play Video

2:09

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني