مصر: كيف اختلقت السلطة “بدائل سريعة”
لحالة الطوارئ بعد إلغائها بأيام؟

إلغاء حالة الطوارئ، بما تحمله من دلالة بالغة السوء على أي نظام سياسي، يبدو إلزاماً تجميلياً للصورة الخارجية، حتى وإن كان القرار خاوياً من الداخل، إلا أنه أحد متطلبات "الجمهورية الجديدة"، التي يطلقها الرئيس السيسي حالياً ويروج لها بشكل كبير.

من بعيد، تبدو خطوة إلغاء حالة الطوارئ التي أقدم عليها الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، مفصلية في التاريخ الحديث. كانت الخطوة مفاجئة وغير متوقعة، وروّج أنصار النظام المصري أنها بداية لعهد جديد، فللمرة الأولى تُرفع حالة الطوارئ منذ أكثر من 40 عاماً، وعلى يد السيسي الذي قمع الاحتجاجات والتظاهرات وسنّ قوانين “مفصّلة” لتثبيت حكمه من دون اضطرابات. 

التفاؤل العارم بإلغاء حالة الطوارئ الذي يفترض أن ينهي جميع الإجراءات الاستثنائية أمام محاكم أمن الدولة طوارئ، والأحكام التي كانت تخضع للتصديق من مكتب شؤون أمن الدولة، ويلغي نيابة أمن الدولة العليا طوارئ، ويرفع القيود عن حرية الأشخاص في الاجتماع والتنقل، وينهي مراقبة الرسائل والرقابة على الصحف والنشرات والمطبوعات والرسوم ووسائل التعبير والدعاية والإعلان أو مصادرتها، تقابله أسئلة وشكوك حول ما تسير إليه الأمور، فالسيسي يتّخذ القرار ويناقضه بعدها بأيام بقرارات أخرى ونيات لا تقترب مما يُروّج له من وراء إلغاء حالة الطوارئ.

هل أصبحت مصر “جنة الحريات”؟

يداعب السيسي الغرب باستمرار بقرارات ومبادرات واستجابات كان آخرها الإفراج عن مجموعة من النشطاء السياسيين وإصدار الإستراتيجية الوطنية لحقوق الإنسان في حفل رسمي.

ولا يمكن اعتبار إلغاء حالة الطوارئ شكلياً، سوى فصل جديد من فصول خداع الغرب أو مداعبته أو صناعة موائمة لاحتواء غضبه من انتهاكات ملف الحقوق والحريات في القاهرة، وهو الأمر الذي دفع إدارة بايدن إلى حجب 130 مليون دولار من المعونة العسكرية لمصر، ويعطل كثيراً من التضامن الأوروبي في ملف سد النهضة، ويؤجل حسمَ ملفات مشتركة أخرى. 

ألغى السيسي حالة الطوارئ، لكن لا يزال أمامه الكثير حتى يشعر المواطنون بالأمان سياسياً، فالقرار وحده لا يكفي لإخماد أزمة حقوق الإنسان التي تمتدّ منذ نحو 7 سنوات في مصر، بدأت بتوليه الرئاسة ولم تنتهِ حتى الآن.

سنّ النظام المصري، خلال السنوات الماضية، عشرات القوانين، التي تعمل كمرادف “تشريعي” بالتوازي مع حالة الطوارئ، وأبرزها قوانين التظاهر والحبس الاحتياطي ومكافحة الإرهاب (الذي يستخدم في استهداف النشطاء) ونشر الشائعات والمعلومات الكاذبة، ومع حذف حالة الطوارئ من المعادلات، تظل هذه القوانين سيوفاً على رقاب المصريين، وتقول “هيومان رايتس ووتش” إن آلاف المسجونين بموجب تلك القوانين “الجائرة” في السجون المصرية حتى الآن، وبالتالي فـ”لن يحسن رفع حالة الطوارئ أي شيء”.

في آب/ أغسطس 2015، وافق السيسي على قانون مكافحة الإرهاب، وتوضح “هيومان رايتس ووتش” أن هذا القانون يتبنى “تعريفاً فضفاضاً جداً للإرهاب يشمل تقريباً كل أشكال العصيان المدني، واستخدمته الحكومة على نطاق واسع لسحق المعارضة السلمية ومحاكمة المنتقدين أمام محاكم الإرهاب المسيسة… وكان قانون مكافحة الإرهاب يؤدي بحرية تامة ما تؤديه حالة الطوارئ، بما في ذلك “فرض حظر التجول وإخلاء المناطق وتقييد حرية التنقل”. ويمكن تأكيد أن حالة الطوارئ كانت معطّلة منذ بضع سنوات، فقد بدأت تحل محلها قوانين أكثر دستورية وتوافقاً نيابياً، صُنعت على مهل حتى تحكم السيطرة على كل شيء.

كان الإعداد لإلغاء حالة الطوارئ جارياً منذ وقت طويل، فعام 2019، حيك قانون العمل الأهلي، الذي فرض قيوداً حادة على المنظمات المستقلة والجمعيات الأهلية وجعلها خاضعة لرقابة أمنية. 

وبدلاً من مراقبة الأمن للاتصالات والتجمعات الخاصة بالنشطاء ومصادرة ممتلكاتهم بموجب قانون الطوارئ، أصبح يفعل ذلك دون ظروف استثنائية بموجب قانون العمل الأهلي، ومما يبدو من إستراتيجية الحكم في مصر، أنها كانت طوال تلك السنوات تجعل القمع أكثر مشروعية والقوانين أكثر استيعاباً لمعان فضفاضة والمتضررين مجرمين بأحكام قضائية أصدرتها هيئات محاكم عادية. 

قوانين “مطاطة” وصلاحيات جديدة للرئيس

لم يكتفِ السيسي بما لديه من قوانين مطاطة وسلطات هائلة للقمع وكبت الحريات، لإحكام السيطرة، وفيما بدا انفراجة في الأوضاع السياسية والحقوقية، بدأت الدولة المصرية تحيك في الغرف المغلقة مفاجأة جديدة، وبعد أيام من رفع حالة الطوارئ، وافق مجلس النواب على تعديلات 3 قوانين، هي  مكافحة الإرهاب وحماية المنشآت العامة والعقوبات.

ستذهب القوانين بعد التعديل إلى السيسي كي يوافق عليها. وتبدي القراءة الأولى للتعديلات، أنها تمنح الرئيس سلطات أكبر لحماية الأمن القومي والنظام العام (وهما لفظان قانونيان مطاطان يخفيان كثيراً من أدوات القمع والمعتقلين)، ومن أبرز تلك السلطات منح الرئيس صلاحية فرض حظر التجول، فما يعطيه النظام المصري باليد اليمنى، ينتزعه مجدداً باليد اليسرى، لتضيعَ الحقائق وتكثر الأسئلة حول ما إذا كانت الحكومة تتخذ إجراءات نحو الانفتاح والتجاوب مع الغرب في مطالبه بالديموقراطية، كما يظهر، أم يبتعد ويحاول مواصلة الممارسات الدكتاتورية ولكن بـ”طرائق ملتوية” حتى تبدوَ الصورة العامة زاهية ومرضية للغرب، بينما تنضحُ التفاصيل مزيداً من الأوضاع السياسية المزرية.

تمنح تعديلات قانون مكافحة الإرهاب، السيسي سلطات أوسع في اتخاذ القرارات منفرداً، والمؤسسة العسكرية الحق في توسيع سلطاته ومسؤولياته، مجالات عدة، حتى إنها تحافظ له على حماية المنشآت العامة وخطوط وأنابيب الغاز والنفط ومحطات الوقود والجسور والسكك الحديدية، وأي شخص يُتّهم بانتهاك هذه المنشآت أو الاقتراب منها سيحاكم أمام القضاء العسكري، فضلاً عن أن من يتعرض لعامل في محطة بنزين أو منشأة خدمية مدنية تابعة للجيش أو يجمع معلومات عن أفراد الجيش من دون إذن رسمي، يحال إلى المحاكم العسكرية أيضاً. 

كان هذا أيضاً حالة استثنائية فرضت عام 2013 لإشراك الجيش في مهمات حفظ الأمن حتى انتهاء الانتخابات التشريعية، لكن السيسي، حين تولى الرئاسة أصدر قانوناً ينص على معاونة الجيش للشرطة في حماية الممتلكات العامة لعامين. انتهى العامان في 28 تشرين الأول/ أكتوبر 2016، قبل أن يقرر السيسي مدّه لـ5 سنوات تنتهي في 2021، العام الذي تم فيه تعديل القانون بقرار حكومي ليتم تطبيقه مدى الحياة.

إقرأوا أيضاً:

ولكن هل الإعلام المصري حر؟

التجاوزات التي كانت تمنحها حالة الطوارئ لسلطات الدولة في مصر، لم تعد رهناً لها، فهناك شبكة حكم واسعة ترسّخ التجاوزات والمخالفات وكبت الحرية بالقانون، فالدولة لا تراقب ولا تحكم، الدولة تملك… ومن حق المالك أن يفعل بما يملكه ما يريد. 

ينهي رفع حالة الطوارئ الرقابة على الصحف ووسائل الإعلام والمطبوعات، لكن الدولة فعلياً لا تراقبُ تلك الإصدارات المختلفة، فهي تديرها عبر ذراعها الإعلامية “الشركة المتحدة للخدمات الإعلامية“، وقد اصطفت خلال السنوات الماضية الوجوه التي لا تتجاوز الخطوط الحمر كي تتمتّع بسلطات تحريرية وصحافية بها، ولم تعد هناك حاجة لمراقبة الإصدارات، فالذين يعملون فيها يتكفّلون بتلك المهمة “الرقابة الذاتية”. كما أن مواقف وتوجهات الشركة “المتحدة” واضحة ومستقرة، وخطوطها الحمر معروفة، فهي تنتج أفلاماً ومسلسلات وطنية وتبث قنوات متطرفة في دعمها النظام المصري، والهجوم أو الانتقاد بحق رموز النظام المصري أو رجاله أو مؤسساته ليس في خطها التحريري أو منهجها، فلماذا تحتاج إلى رقابة إذاً؟

لا حاجة إلى الرقابة، فالدولة لا تجد ما تراقبه من وسائل إعلامية… فمعظم الصحف التي تصدر في مصر مملوكة للشركة المتحدة، وجميع القنوات تقريباً إما مملوكة لها، أو ممولة منها، أو تتمتع بمصالح فيها كالرعاية والإعلانات.

الجانب الآخر هو مراقبة وسائل التعبير والدعاية والإعلان كمواقع التواصل الاجتماعي “فيسبوك” و”تويتر” و”إنستغرام”، والدولة لا تتبع منهج مراقبة تلك المنصات والقبض العشوائي على مستخدميها، إنما تسلّط عليهم أتباعها لتقديم بلاغات “سب وقذف” قبل القبض عليهم طبقاً لقانون “الحبس الاحتياطي”، وإحالتهم للمحاكمة بتهمة “نشر الشائعات والمعلومات الكاذبة والإرهاب”، كما في حالة أستاذ الإعلام المصري أيمن منصور ندا، المقبوض عليه ويواجه اتهامات بالإرهاب بعد انتقاده مقدمي برامج “التوك شو” المصريين في مقالات على مواقع التواصل الاجتماعي.

على رغم عدم جدوى قرار السيسي برفع حالة الطوارئ، تظل الخطوة لغزاً يحمل الكثير من الأسرار، فما الذي يدفعه الآن إلى إلغاء شيء مقترن بسلطته واسمه ودولته وبعصور سابقة تتمتع بالقدر ذاته من البطش؟

حالة الطوارئ “سارية حتى الآن”، على رغم إلغائها!

على رغم إلغاء حالة الطوارئ، يعرف العاملون بالمجتمع المدني والقانون أنّ حالة الطوارئ لا تزال سارية بتوابعها حتى الآن، على رغم رفعها، فالمادة 19 من قانون الطوارئ تنص على أنه “عند انتهاء حالة الطوارئ تظل محاكم أمن الدولة مختصة بنظر القضايا التي تكون محالة عليها وتتابع نظرها وفقاً للإجراءات المتبعة أمامها”. أما المادة 20، فتنصّ على أنه “يبقى لرئيس الجمهورية كافة السلطات المقررة له بموجب القانون المذكور بالنسبة للأحكام التي تكون قد صدرت من محاكم أمن الدولة قبل إلغاء حالة الطوارئ ولم يتم التصديق عليها، والأحكام التي تصدر من هذه المحاكم”.

ما يعني أن القضايا التي صدرت بشأنها قرارات تظلّ منظورة أمام محاكم أمن الدولة “طوارئ” وينطبق عليها قانون الطوارئ، على رغم إنهائه، وجميع هذه النصوص مطعون بها أمام المحكمة الدستورية لمخالفتها الدستور، بحسب المحامي الحقوقي المصري خالد علي. وهو ما يعني أن المحبوسين احتياطياً، والمعتقلين على ذمة قضايا رأي، سيعيشون أيامهم الباقية داخل السجون، وكأن شيئاً لم يكن، وكأن حالة الطوارئ لم تلغَ، وقد يتعرضون لما هو أسوأ من الطوارئ، “التدوير”، فالأكثر أهمية ودلالة وتأثيراً هو الإفراج عن السجناء السياسيين، ووقف التعذيب، والسماح بالتظاهرات والاحتجاجات وتفكيك بعض الأجهزة ذات الطابع الأمني التي تمارس أعمالها داخلياً فقط.

من حيث أراد السيسي أن يفجر قنبلة إلغاء حالة الطوارئ، بدا الأمر هلامياً، فآلاف القضايا ستخضع لقانون الطوارئ “الملغى”، وذلك بسبب بنود فيه تحتفظ بسريانه بعد رفعه، وستخضع أيضاً للقوانين الأخرى “خانقة الحريات” التي تمّ تجهيزها لمثل هذا اليوم، لتجعل قانون الطوارئ “عاهة مستديمة” في حالة المصريين، بعدما كان لسنوات حالة عابرة تُجدد كل 3 أشهر بقرار رئاسي، أي أنه يتم الآن تقنين الحالة الاستثنائية وتطبيعها، بدل رفعها أو إلغائها كما أعلن الرئيس المصري.

ديموقراطية شكلية لمداعبة بايدن والاتحاد الأوروبي؟

على رغم عدم جدوى قرار السيسي برفع حالة الطوارئ، تظل الخطوة لغزاً يحمل الكثير من الأسرار، فما الذي يدفعه الآن إلى إلغاء شيء مقترن بسلطته واسمه ودولته وبعصور سابقة تتمتع بالقدر ذاته من البطش؟

يتعمّد السيسي تقديم مجموعة تنازلات لإرضاء القوى الحقوقية الغربية والتماشي مع الأوضاع الجديدة في الولايات المتحدة وأوروبا، فمنذ تولي جو بايدن (الديموقراطي) الحكم، يفرج باستمرار عن معتقلين، من النشطاء السياسيين والصحافيين المشهورين بصلاتهم مع المجتمع المدني الغربي، حتى يوحي بأنه ما من معتقلي رأي أو سياسيين في مصر، أو انتهاكات لحقوق الإنسان، وهي تنازلات (وإصلاحات) شكلية يداعب بها العقلية الغربية في مقابل تعنته في تنفيذ مطالب غربية أخرى كتسليم قتلة جوليو ريجيني، والإفراج عن الناشط رامي شعث، والباحث باتريك جورج. 

إلغاء حالة الطوارئ، بما تحمله من دلالة بالغة السوء على أي نظام سياسي، يبدو إلزاماً تجميلياً للصورة الخارجية، حتى وإن كان القرار خاوياً من الداخل، إلا أنه أحد متطلبات “الجمهورية الجديدة”، التي يطلقها الرئيس السيسي حالياً ويروج لها بشكل كبير.

إقرأوا أيضاً:

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
منى آدم
علاء حبيس في سجنه لا يرى من العالم سوى فردًا واحدًا من أسرته لمدة عشرين دقيقة كل شهر.
Play Video
هل النسوية فكرة متطرفة ولماذا تبدو ضبابية في المجال العام في منطقتنا العربية؟ هل النسويات متأثرات بالهجوم الشرس المستمر من المنظومة الدينية والسلطوية الرافضة للتحرر والمساواة الكاملة للمرأة؟

43:20

Play Video
نقاش ما بعد الانتخابات أعاد إحياء ملف الأزمة الاقتصادية والانهيار المالي. فمن سيتحمل كلفة سرقة ودائع اللبنانيين ومن سيحاسب من؟

6:29

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني