لا فرق بين العشق والطعنة يا دمشق

هذه المدينة تختزن الأبدية خلف قلعتها وأبوابها السبعة. ولقد رمّمت حجارتها كسوراً لا حصر لها. وبقيت دمشق لتخلّد أرواح أمهاتنا.

لم أقتنع أبداً بأن أمي يمكن أن تسكن هناك، في تلك المقبرة المزدحمة على سفح قاسيون.

أمي  تسكن في الياسمينة التي  تتدلى من حديقة العمارة المجاورة لعمارتنا، محتلة نصف الرصيف. 

وأحياناً أصادف طيفها تحت شباك قديم في البزورية تتوقف قليلاً لتلتقط أنفاسها مصغية إلى أذان الظهر الذي يصعد من مآذن الجامع الأموي بالترتيب باتجاه حارات دمشق القديمة. وغالباً ما يفاجئني حضورها في الخريف عندما تهب نسمة حاملة رائحة الصيف المغادر.

 أمي تسكن في  دمشق التي نسجت روحها من قديم الزمان من أرواح نسائها الخالدات. 

ألا تملك للروح حرية الطيران؟

هذه الليلة كلمتني أمي/ دمشق بعدما خاصمتني طويلاً.

قدمت نفسي للمدينة عشرات المرات فلم تتعرف إلي. لقد فقدت ذاكرتها. وأنا لم أعد أعرف كيف أتنقل بين ضواحي البؤس ووجوه الحمى.

مرت سنون …
ثم شعرت بأنفاسها وهي تقترب مني لتسحرني من جديد.

اتخذت طريقي محاولة اكتشافها  من جديد.
اخترقت السيارة شوارع ليلية مضاءة باقتضاب ومسكونة بكثافة.

 مصابيح الشارع مطفأة، تؤانس المكان إنارة بعض المحلات.

 هناك مجموعات من الشباب تتحرك بأريحية في العتمة مستعينة بأنوار الهواتف حيناً وبكشافات السيارات حيناً آخر . وما زال الشباب على رغم الظروف يتدافعون بشراسة ويضحكون.

ثم توقفت عند حاجز. الشاب مصاب بالملل. ولم يعد يهتم حتى بالتفتيش في حقيبة السيارة. صارت مهمته عرقلة المرور وحسب.

وتلقي بعض المطاعم والمقاهي والفنادق قليلاً من أنوارها على بعض البقع المدللة من العاصمة. فتعطي للحظة انطباعاً بأن كل شيء على ما يرام.

 دمشق في الليل تستعيد بعض هيبتها. ويبرز قاسيون وقد زحفت المباني السكنية حتى قاربت قمته. بعضها بأضواء باهتة ومعظمها معتم بحسب خطط التقنين. 

لكن الليل يخفي أسراراً مخيفة.

العتمة تستر أجساد الذين فقدوا القدرة على إيجاد بيوت تحميهم، فافترش بعضهم الأرصفة. ورأيت أحدهم وقد رتب فراشه على كراسي انتظار محطة الحافلات. والحدائق تؤوي آخرين. أسرّتهم كراتين قديمة وغطاؤهم ملابس رثة. ما زال الطقس يحتمل النوم في العراء. فأين يذهب هذا الشعب الليلي عندما يحلّ صقيع الشتاء؟

العتمة تخبئ لصوصاً صغاراً، يسرقون أي شيء من المرايا الجانبية للسيارات إلى مصابيح إضاءة مداخل الأبنية إلى حقائب النساء اللاتي يجرؤن على التجول في الليل. فالفقر كافر.

العتمة تستر فتيات يافعات يخرجن لبيع أجسادهن مقابل لقمة العيش. على قارعة الطرق وفي الزوايا المنسية.

وفي العتمة يخرج أثرياء الحرب الجدد لارتياد المطاعم والبارات الفاخرة. ولا أحد يزاحم أحداً على اللقمة فيها.

العتمة تستر عيوباً لا حصر لها. ألهذا أطفئت أنوار الشوارع والساحات؟

وما إن تبزغ أول أنوار الصباح حتى يظهر “النبّاشون” متنافسين على حاويات القمامة. يعمل النبّاشون على فصل المواد البلاستيكية ويعتاشون مما يعود عليهم من بيعها. وتعمل الأمهات على استخراج طعام غير متعفّن يمكن استهلاكه. والجميع يعيد تدوير القمامة بصمت. من دون دعاية جمعيات حماية البيئة، بنظافة وأناقة وباستخدام أكياس من القنب. 

تموت المدينة بموت الوجوه المألوفة التي سكنتها.
وفي مشهد الاحتضار البطيء
أريد أن أتذكر كل شيء. أريد أن أسجل كل شيء. كي لا يظن أحفادي أن هذه المدينة كانت ملعونة منذ الأزل.

هذه المدينة تختزن الأبدية خلف قلعتها وأبوابها السبعة. ولقد رمّمت حجارتها كسوراً لا حصر لها. وبقيت دمشق لتخلّد أرواح أمهاتنا.

لا فرق بين العشق والطعنة يا دمشق.
كلاهما مفاجئ وموجع ويحتاج إلى تضميد.

إقرأوا أيضاً:

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
محمد إبراهيم
بينما يفتش أحدهم محتويات المطبخ، عثر على زجاجة بيرة في الثلاجة، ثم خرج بها ليخبر الضابط بكل ثقة: “مش إخواني يا باشا، لاقينا في تلاجته بيرة”.
Play Video
فراس حمدان هو محامٍ لبناني نشط بالساحات خلال انتفاضة 17 تشرين وكان ثمن نضاله كبيراً. شرطة مجلس النواب أصابت فراس برصاصة من سلاحٍ محرم دولياً اخترقت قلبه بإحدى التظاهرات، وعلى رغم أن شظاية الرصاصة بقيت في قلبه، إلا أن فراس تحدّى وترشّح على الإنتخابات، وربح. ليعود إلى الساحة نفسها ولكن هذه المرة كنائب!

4:38

Play Video
“رح ننتخب أي حدا ضد المُعرقلين…”، 21 شهراً مرّ على انفجار مرفأ بيروت وأكثر من 4 أشهر على تجميد التحقيق. السلطة اللبنانية تُحاول عرقلة التحقيقات وطمس الجريمة، بل وتخوض الانتخابات بوجوه مُتّهمة بانفجار 4 آب، لكن أهالي الضحايا يصرّون على ثباتهم: العدالة تأتي بالتغيير.

2:49

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني