نخرج من الوطن كمن يغادر ساحة حرب

نغادر لنكتشف أن هذا الوطن هو نحن، وأننا لن نهرب منه مهما فعلنا بل سنسقطه على كل شيء حولنا.

في الغربة نسترجع كل الصدمات. للأصوات والأشياء في المدن وقع مختلف فينا عما هو في نفوس ناسها. ندرك أننا الغرباء من تفاعلنا مع أشيائها.

نمر قرب متجر يجدد ديكوره فنعتقد للحظات أنه يحاول النهوض بعدما دمره انفجار مرفأ بيروت، يعود ذاك الشعور بأننا في مدينة منكوبة قبل أن ندرك أننا في مدن آمنة. صوت الطائرات في الجو يصيبنا بالقلق، نتوقع ضربة ما في مكان ما. لكنه روتين يومي في البلاد العظيمة. نسمع صوتاً قوياً، نهلع، تخفق قلوبنا بسرعة، تلك الخفقة المريبة التي اعتدناها في بيروت، نسأل أين وقع الانفجار اليوم؟ ننتبه أنه مجرد باب أغلقه الهواء! فهنا الاحتمالات السيئة ضئيلة وهنا يكمن الفرق بين الوطن والمسلخ.

نخرج من الوطن كمن يخرج من ساحة حرب.

نراسل الأصدقاء المحبطين/ات، يخبروننا عن اليأس، عن الدموع والعجز، عن البحث عن مفر. لا نملك ما نقوله. نفكّر ما الذي نقدمه لنساند من هم في الجحيم؟ كيف نقنعهم بالصبر فيما يدركون وندرك أن الآتي أسوأ؟

تخبرني صديقة أنها تفكر بالانتحار، أحاول الاطمئنان أنها لن تفعل، لكن ما الذي يضمن ذلك! وما العمل من بعيد؟! 

تحكي صديقة أخرى عن رغبتها بالهجرة كي تبدأ بالشفاء من الفجوات التي خلّفها فيها لبنان، لكنها لا تدري أن الشفاء منها يتأخر وإن هاجرت، بل ربما هو آخر ما قد يحصل. فعند الهجرة نكتشف أن ما خلفه فينا الوطن من فجوات أكبر بكثير مما اعتقدناه. نخرج منه كمن يخرج من ساحة حرب لنبدأ باكتشاف الجروح التي خلفتها في روحنا المعارك التي خضناها هناك.

وكأنه لم يعد لدى اللبنانيين أمل سوى بالهجرة. وحدها تنتشلهم من دوامة الانهيارات التي تهدّد كل ما يبنونه وتمحو بلحظة كل ما حققوه خلال عقود.

في الوطن حقوقنا أحلام، وفي الغربة هي شعور بالذنب تجاه من بقي هناك.

من غربتي القسرية أتأمل الحال. أراقب كيف يحسد العالقون في لبنان كل من يهاجر. يتمنون أن تحل عليهم البركة التي حلت عليه فيحزمون أمتعتهم ويرحلون إلى “أي مكان، لم يعد يهم أين، فنحن في أسوأ مكان”، يقول كثر.

يحسدون من يجرّ أمتعته خلفه ويمضي، وإن لم يعلم بموعد العودة، وإن حشر كل ذكرياته وما يملك في حقيبة أو اثنتين بعدما كاد لبنان يقتله. حقيبتان لا تتسعان لأشيائه العزيزة فيفاضل بينها، لتصبح الحقيبة مساحة لحزم ثلاثين عاماً والرحيل. والحسد هذا وليد القهر الذي بات ملازماً لساعات اليوم الأربع وعشرين بثوانيها كلها، في بلد فقدت فيه أبسط مقومات الحياة وابتدع الموت فيه أشكالاً كثيرة.

تطارد الطائرات المقلعة من مطار بيروت نظرات الحالمين. تقدّر كم من حلم بالهجرة تحقق، وكم من انسلاخ حصل مع ابتعاد كل الطائرة.  قد يظن الناظر من على الاسفلت أن مع إقلاعها ستقلع الهموم من قلب الراحل معها. لا يدري كثيرون أن ما يحياه الإنسان في لبنان أكثر من مأساة. شيء لا تمكن معالجته بتغيير المكان. شيء يلازمنا، يطبع هويتنا، نأخذه معنا حيثما نذهب.

لكنّ الهجرة ليست خلاصاً نهائياً. قبل موعد الطائرة سنبكي، سنبكي كثيراً وكثيراً، سنكتشف عظمة الأشياء التي اعتقدناها بسيطة. سنبكي أنّا طردنا ولم نختر الرحيل. سنبكي أنّا اضطررنا للتخلي عن أجزاء كثيرة منا. سنبكي حتى على وداع قطة وسنخاف ألا تفهم رحيلنا وأن تعتقده غدراً. وقد نبكي كثيراً لأن الوطن لم يرجونا البقاء، لم يتمسك بنا، بل كان كلما أصررنا على البقاء حاول قتلنا من جديد.

نغادر لنكتشف أن هذا الوطن هو نحن، وأننا لن نهرب منه مهما فعلنا بل سنسقطه على كل شيء حولنا. سنسخر من اعتقادنا أن بإمكاننا رمي هاتفنا جانباً والابتعاد من سماع أخباره. سنكتشف أن لأخبار الوطن من بعيد وقعاً أقسى، وقع العاجز والشعور بالذنب، وقع من يستذكر كل ما قاساه فيدرك كم أن العدالة بعيدة المنال.

ذنب النجاة

نهاجر، ونكتشف أن الهجرة هي أيضاً شعور بالذنب لمجرد أن نأكل أو نشرب أو نتنقل، لمجرد أن نلقى الطبابة والرعاية. نشعر بالذنب كلما تناولنا وجبة، وعلى رغم الغصة نحاول أن نكملها كي لا نرمي شيئاً منها. لقد بات في بلدنا من يشتهيها.

نفهم الفرق بين الوطن والغربة، ففي الوطن حقوقنا أحلام، وفي الغربة هي شعور بالذنب تجاه من بقي هناك.

أما لطف من نقابلهم فيزيد من لوعتنا من قسوة أبناء وطننا، قسوة تصل حدّ إقامة الحدّ على شخص أو مجموعة لمجرّد اختلاف في رأي. نصادف الراحة في وجوه الناس فنكتشف أننا لم نولد في مدن بل في مقصلة نسعى جاهدين لتأخير موعد سقوطها على أعناقنا ريثما نهرب منها.

هنا أيضاً، نرى سماء كيفما نظرنا، بعدما صارت بلادنا أبنية بلا سماء، شمسها لا تشرق إلا على الأغنياء. في لياليها الكئيبة يخفي وهج الرصاص وهج النجوم. وهنا يمكن لنظرنا أن يمتدّ بعيداً جداً ويمكن لأحلامنا أن تذهب أبعد.

إقرأوا أيضاً:

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
علي كريم إذهيب – صحافي عراقي
كانت المياه الواردة من إيران إلى العراق تبلغ 7 مليارات متر مكعب يومياً فيما تبلغ اليوم صفراً. بعد قطع طهران مياه ثلاثة أنهار بشكل مفاجئ ودون الإدلاء بأي تصريح رسمي، وهي أنهار سيروان والكارون و الكرخة التي تمد مناطق شرق العراق بالمياه العذبة.
Play Video

1:36

Play Video

42:22

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني