التاريخ المروي على إيقاع الموسيقى…
“الراب” إذ هرب إلى الصالون ليروي حكاياتنا

قلما ينتشر هذا الفن في الدول العربية الأكثر فقراً والأقل استقراراً كسوريا ولبنان والعراق، بل ينجح المغنون في هذه الدول بتأدية أغان تعبر عن واقعهم عبر تجديد كلماتهم وايقاعهم في بلدان تشهد الآلام ذاتها، فيغنون بلغة موحدة بظل أنظمة تستمر بفضل الانقسام ويتناولون مواضيع جامعة، على رغم من التشتت. مثلاً يمكن أن تكون هذه المواضيع جامعة لتاريخ العالم العربي كسكة قطار تنظم قافية العجلات على طريق محددة ذات وجهة واضحة، يمر بو ناصر الطفار على تاريخ الثورات العربية الست بتجارب شعوبها وفشلهم وقربهم من التحرير وبعدهم منه وأصواتهم الست التي خرست في ما بعد. 

قرع طبول على أنغام موج يتضارب بعضه ببعض، وبالباخرة حيث يتكدّس الناس، كأنهم في علبة كبريت ترص الثقاب. والثقاب تحتك بفعل حركة البحر مولدة شعلة أمل. والأمل أحاديث مغناة على ألحان الموج الناقل للأحاديث. والأحاديث تروي التاريخ. والتاريخ لا يُحفظ إلا بالقارورة المعدنية المهربة مع عيدان الثقاب. عليها ملصق ندي من تسرب الأمواج، يحمل عبارة تصارع الماء والملح معاً لتبتلج: “حديث وقرع”. والقرع مستمر على عرض الأطلسي. والأطلسي يحمل الباخرة ليضعها كالطفل في المهد على شواطئ البرازيل فينزل ما تبقى من عيدان الثقاب لتشعل أملاً جديداً في مزارع قصب السكر في القرن الخامس عشر في ظاهرة تعرف بالتجارة الثلاثية. 

يستذكر العالم هذه الحقبة من الاستعمار، الذي يسميه اليوم العولمة، لما خلفته من جور تجاه الأفارقة، تجذر في المجتمعات المستفيدة من هذه التجارة، وبات اسمه عنصرية. لكن قلما يرى العالم هذه التجربة على أنها إحدى تجارب التبادل الثقافي، النادر، بين المستعمِر والمستعمَر. العلاقة الثقافية بين “الدولة القوية” و”الدولة الضعيفة” تتلخص بنقل ثقافة الأولى إلى الثانية. لكن في هذه الحالة، تنقلب الموازين فتضحي الآلات المصنوعة يدوياً، حكواتياً للأجيال الآتية من ذوي البشرة الداكنة، مشكّلة دويلة ذات ثقافة مستقلة داخل دولة غرب الأطلسي حيث فرضت ثقافة جديدة مهدت الطريق لموسيقى الراب الشعبية. سامحة للطبقات الأكثر فقراً، في العالم كله، بتملك فن يعبر عنها. 

العادة الأفريقية، التي ما زالت موجودة حتى يومنا هذا، تقضي بقرع الآلات يدوية الصنع بينما يحكي أبناء القبيلة قصصهم على ألحانها. هذه العادة ألهمت، في 11 آب/ أغسطس 1973، الـ”دي جاي” كول هيرك، المعروف بمؤسس الهيب هوب، واخته سيندي بابتكار طريقة جديدة لصنع الموسيقى وإضفاء عليها كلمات بهدف جعل الحفلة أكثر حيوية. ولأن هذا النوع من الموسيقى اشتهر في البرونكس، أحد أفقر أحياء نيويورك الجامعة للاجئين اللاتينيين، تحولت إلى فن شعبي يحكي معاناة الطبقات المهمشة، قبل أن تستولي عليه شركات الإنتاج وتحتكر سوقه.

سرعان ما انتقل هذا الفن إلى المنطقة العربية بشكله الأولي، ليحكي عن معاناة الطبقات المهمشة بإنتاج ضئيل، والشكل الأحدث الذي يعالج بذخ الطبقة الغنية تحت رعاية شركات الإنتاج الضخمة. تمول الأخيرة أغاني مصورة تظهر فيها تبذير المال والثياب الحريرية وحياة الرفاهية التي ينعم بها المغني، الذي يكون عادة ذكراً إلا في حالات قليلة، كمغنية الراب كوين جي الخليجية. بينما توضح الكلمات مصدر الأموال المرمية في المسبح الخاص وعلى أرض القصور الفخمة، مكللة حفلة تتكرر كل يوم، فيغني الرابر عن كده في العمل الذي سمح له التنعم بهذه الحياة مقارناً نفسه بالأقل ثراء، الذين “لم يعملوا بشكل كاف”. يتخطى هذا الخطاب الأغاني المصورة والحفلات الخاصة ليتملص إلى حفلات مبارزة غنائية يتبختر خلالها كل مغن بنفوذه، المتمثل بالمال، وانجذاب الفتيات إليه كنتيجة حتمية للثراء.

قلما ينتشر هذا الفن في الدول العربية الأكثر فقراً والأقل استقراراً كسوريا ولبنان والعراق، بل ينجح المغنون في هذه الدول بتأدية أغان تعبر عن واقعهم عبر تجديد كلماتهم وايقاعهم في بلدان تشهد الآلام ذاتها، فيغنون بلغة موحدة بظل أنظمة تستمر بفضل الانقسام ويتناولون مواضيع جامعة، على رغم من التشتت. مثلاً يمكن أن تكون هذه المواضيع جامعة لتاريخ العالم العربي كسكة قطار تنظم قافية العجلات على طريق محددة ذات وجهة واضحة، يمر بو ناصر الطفار على تاريخ الثورات العربية الست بتجارب شعوبها وفشلهم وقربهم من التحرير وبعدهم منه وأصواتهم الست التي خرست في ما بعد. 

هذه الأغنية، “هيكسافوبيا”، اي الخوف من هيكسا أي الرقم 6 باللاتينية، أطلقت من البلد الذي، ليتدفأ فيه المغني، باع “الصوبيا”. البلد نفسه الذي توحدت آلام شعبه بأغنية “بيروت خيبتنا” بكلمات جامعة للطوائف حين غنى الراس، كما يلقب نفسه، عن تشابه الفقرين السني والشيعي اللذين يولدان غناء من المناطق المهمشة، طرابلس والهرمل والضنية والبقاع كما نسمع في الأغنية، وهي مناطق تهدف فيها قوى خارجية إلى توطيد علاقتها مع الممثلين السياسيين عنها عبر إقامة مشاريع تنموية وصفها بحدائق الباطون. بينما تمهد هذه المشاريع لبروز طبقة اقطاعية تجعل من الملثمين على الحواجز أبطالاً ومن رجال الدين المستغلين للأديان كاتبي تاريخ يزورونه على ذوقهم فيجعلون الطاغي منقذاً. 

إقرأوا أيضاً:

الطغاة في الراب العربي، والمجتمع العربي أيضاً، لأن الراب أو شكله الاولي على الاقل من أدق الفنون تعبيراً عن واقعنا، ليسوا مجرد قوى خارجية عربية أو شرق أوسطية أو رجال إقطاع محليين أو رجال دين يستغلون مراتبهم لغايات سياسية. بل يكونون أيضاً قوى أجنبية استعمارية تستعبد الشعوب الآسيوية من جهة والنساء من جهة أخرى. كما غنى الرابر الفلسطيني- الأردني طارق كويك، المعروف بالفرعي، عن سالي التي استعمر أبوها الهند فاستعبدها، مؤكداً انحيازه للمسحوقين كسالي وامثالها حتى وان كانوا وجهاً من وجوه الاستعمار لأن سالي،  كالكثير من البنات العربيات، مستعبدة. 

يذكرنا طارق بالمعنى الحقيقي للراب المتلخص بشكله الأولي وهو رواية القصص التي تستحق أن تروى. قصص من لا أقلام لهم ولا حناجر، لذلك يعتمدون على كلمات غيرهم ليفسروا واقعهم ويعبروا عن أنفسهم التي سرقت منهم. القبائل الأفريقية التي غُصبت على التشتت في سبيل العمل لدى المستعمر، واللاجئون الذين اضطروا لمغادرة بلادهم ليعيشوا حياة الدخلاء على المجتمع الأميركي والعرب الذين يعيشون غريبين في أوطانهم وخارجها، باحثين عن انتماء لم يجدوه إلا بالكلمة وحرية مفقودة إلا من الإيقاع واختيار غائب إلا من الآلات الموسيقية. هكذا جمع الراب الشتات في العالم على لحن واحد ليتبين للمغنين بلغات مختلفة أن قضاياهم متشابهة. مغني الراب الأفريقي في فرنسا لا يختلف فنه كثيراً عن المغني اللاتيني القاطن في البرونكس. وفن الراب المنتج الذي تقدمه شركات الإنتاج قلما يختلف من دولة إلى أخرى. 

لكنه قلما يعبر عن الحاجة الفعلية للمجتمع النابع منه أو عن الحياة اليومية للهويات التي تشكله. هذا النوع من الراب لا يعبر الا عن مغنيه. ليس بوسع شركات الإنتاج، المنتجة للأفلام أو المسلسلات أو الموسيقى، أن تخلق “ترفيهاً” بعيداً من خلق عالم يوتوبيا لجذب المشاهدين. المسلسلات اللبنانية مثلاً تنقل صورة برجوازية عن البلد المتهالك. الجمهور يعرف طبعاً أن حياة اللبنانيين بعيدة جداً من تلك المصورة بالأفلام، لكن الخوف يظهر على الأجيال المقبلة التي ستتفرج على إنتاجنا الثقافي، ظانة أن حياتنا تشبه حياة الممثلين فيخط في الأذهان تاريخ مزور عن لبنان غير موجود إلا في مخيلة آثرت الكذب المربح على الحقيقة “المملة” فخلقت عالماً لا تشوبه شائبة لكنه لا يمت لمشاهديه بصلة.  

بعثرة التاريخ الفنية هذه تقودنا للتشكيك بكل ما علمنا إياه الفن عن ماضينا فنفكر مرتين قبل أن نصف لبنان بسويسرا الشرق أو دمشق بأرض الياسمين أو مصر بأم الدنيا. إلا فلسطين تبقى مقاومة فناً وحقيقة الا بإنتاج المطبعين من فنانيها، وهم قلة، يعملون تحت اشراف شركات إنتاج إسرائيلية. لكن المفارقة أن تاريخ بقية هذه الدول يتلخص بحروب وهزائم ودكتاتوريات وانقلابات عسكرية، لكن عند تذكرنا تاريخ فنهم نفكر بفن الزمن الجميل ومسرحيات الرحباني ودعابات شوشو، كأن الفن تطور بغرفة معزولة عن سائر المجتمع الذي تطور بصالون مكتظ تأثر أفراده بالسياسة والاقتصاد فهرب فن الراب إلى الصالون ليؤرخ تطور المجتمع. بينما عزفت أوركسترا سائر الفنون لحناً على سجيتها في الغرفة المجاورة. 

إقرأوا أيضاً:

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
هديل الروابدة- صحافية أردنية
هذا المشهد، يحتاج إلى جلوس مكونات” الدولة الرسمية والسيادية، على طاولة حوار وطني، لتحديد العلاقة بينها، وبلورة هوية الإصلاح المنشودة، اقتصادياً وسياسياً واجتماعياً، قبل الذهاب إلى تعديلات الدستور وقانوني الانتخاب والأحزاب”.
Play Video

0:46

Play Video

2:09

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني