لبنان: عن “النصر” العنيف
على القاضي وأهالي الضحايا

قد نفترض أن معركة الثنائي الشيعي مع التحقيق صعبة في ظل عدم وجود خصم مذهبي، لكنها أيضاً سهلة لأنها في مواجهة مجموعة من اللبنانيين، هم مجرد أهالٍ للضحايا، وهم مجرد أصحاب حق وطالبو عدالة.

مشهد أهالي ضحايا انفجار مرفأ بيروت منقسمين إلى جماعتين، لا يقل عنفاً عن الانفجار نفسه، ذاك أن من أحدث الانقسام ذهب بالأهالي وبما يمثلون من ظلامة إلى حيث ذهب بالضحايا عندما وقع الانفجار الكبير. ليست في هذه المعادلة مبالغة، ذاك أن هذا الشقاق هو نموذج عما تريد السلطة للبنانيين أن يعيشوه. فقد مثلت أهالي ضحايا الانفجار طوال السنة والثلاثة أشهر التي انقضت على الكارثة التي أصابتهم، مجموعة لبنانية نموذجية لجهة وجود لحمة تجمع ناسها خارج خطاب الانقسام اللبناني. صحيح أن فجيعة تجمعهم، لكن تجمعهم أيضاً عاطفة مشتركة، ورغبة ومصلحة بالوصول إلى حقيقة من قتل أولادهم. 

اللبنانيون جميعهم يحفظون وجوه أهالي الضحايا، ويعرفون أنهم مجرد أهالٍ للضحايا. لا أحزاب وراءهم، ولا طوائف أو مناطق. قُتل أبناؤهم أو أشقاؤهم وشقيقاتهم، وراحوا يبحثون عن وجوه القتلة. لم يصدر عنهم ما يوحي بأنهم جزء من الانقسام الرهيب الذي يعيشه لبنان. الواحد منهم رمى انحيازه فور تحققه من أن من قتل قريبه هو سلطة يجتمع فيها طرفا الجماعات اللبنانية المتناحرة. وبهذا المعنى شكل الأهالي نموذجاً للقاء من خارج خط الانقسام. كانوا خصوم السلطة كلها، ورفعوا صور رموزها من كل الطوائف. وهم تصدوا لكل من حاول ضمهم لغير ما يمثلون، ونجحوا بذلك.

القرار بشقهم عنيف عنف الانفجار. الثنائي الشيعي الذي أخذ القرار غير معني بلحمة من خارج اللحمة المذهبية، لا بل أن أي لحمة أخرى تهدده. فهذه الجماعة، أي أهالي الضحايا، لا تمثل الخصوم التقليديين للثنائي. لا أثر للخصم المذهبي السني، أي “تيار المستقبل”، ولا للخصم المسيحي، أي “حزب القوات اللبنانية”. هم مجرد لبنانيون قتل أقارب لهم في الانفجار، وهم يبحثون عن المرتكب، ومن بينهم شيعة تصدروا مشهدهم. القرار بشقهم مذهبياً هو خروج بالمواجهة المذهبية من مستواها الذي شهدناه في السنوات والعقود الفائتة إلى مستوى مجرد من أي حسابات أخرى. المذهبية هنا هي معطى وحيد، وهي تشتغل بمعزل عن أي عامل خارجها. فهؤلاء ليسوا “تيار المستقبل” ولا “القوات اللبنانية” ولا “الحزب الاشتراكي”، لا بل هم خصومهم في الكثير من المواقع. وعلى رغم ذلك أخذ القرار العنيف بشقهم وبأبلستهم!

هذا العنف ينسحب أيضاً على قرار المواجهة مع قاضي التحقيق بالانفجار طارق البيطار، فالرجل غير صادر عن انتماء من ذلك النوع الذي يألفه “حزب الله” في خصومه. المواجهة معه لم تُحمل على خطاب الانقسام المعهود. لم ينجح خطاب شيطنته في جعله عدواً مذهبياً. هو مجرد عدو، وعلى القطيع الانصياع لرغبة السلطة في جعله عميلاً! إنما عميل لمن؟ لا جواب! نهاد المشنوق اعتبره عميل لميشال عون على رغم ما يربط عون بـ”حزب الله”، والأخير اعتبره عميلاً لأميركا، على رغم أن أميركا أرسلت تقريراً ينفي احتمال القصف من الجو! تخبط الخطاب ليس مهماً، فإطاحة القاضي لا تتطلب منطقاً منسجماً طالما أن هناك إمكانية لجعلها تعويذة مذهبية.

خيار المواجهة على جبهتي الأهالي والقاضي هو خيار “انفصالي” من نوع جديد، ناهيك بعدم اكتراثه بوجدان جماعي راح يتشكل بفعل مأساة المرفأ. فالجماعات اللبنانية المتواجهة منذ عام 2005 رسمت خطوط انقسامها وفق ادعاء مراوغ بتمثيلها غلبة “لبنانية” ما، وحرصت على عمق شكلي لبناني لتحالفاتها. قد تكون حساسية جماعة “14 آذار” على هذا الصعيد أضعف لجهة عدم حرصها على تمثيل شيعي فيها، لكن ذلك كان جزءاً من قصور لم يُتح له أن يتحول إلى فعل وإلى مشروع. أما القرار بالانقضاض على الأهالي وعلى القاضي فيملك من الفرص الكارثية في ظل سلطة لم يبق من انسجامها إلا ارتكاباتها، ما يجعل الرغبة بالانفصال علنية وغير مواربة. وأن ينقلب الناطق الرسمي باسم ضحايا المرفأ إبراهيم حطيط بين ليلة وضحاها إلى خصم لمن كان ينطق باسمهم، فهذا لا يمثل إحراجاً للثنائي الشيعي. فنحن لسنا حيال خطاب إقناعٍ يشترط حداً أدنى من احترام الذكاء. 

قد نفترض أن معركة الثنائي الشيعي مع التحقيق صعبة في ظل عدم وجود خصم مذهبي، لكنها أيضاً سهلة لأنها في مواجهة مجموعة من اللبنانيين، هم مجرد أهالٍ للضحايا، وهم مجرد أصحاب حق وطالبو عدالة. وفي بلد مثل لبنان هؤلاء وحدهم من يمكن إلحاق الهزيمة بهم، بينما بإمكان عشيرة أن تنتصر على حزب ممتد من الحدود إلى الحدود، لا بل إلى خارجها.            

إقرأوا أيضاً:

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
هاني محمد – صحافي مصري
تعتبر قضية “القصور الرئاسية” هي الحكم النهائي الوحيد الذي يدين مبارك وأسرته، التي حاولت نقضه والطعن عليه عدّة مرات، وهو ما يوحي بنية الشقيقين لإيجاد ثغرات للعودة مرة أخرى.
Play Video
فراس حمدان هو محامٍ لبناني نشط بالساحات خلال انتفاضة 17 تشرين وكان ثمن نضاله كبيراً. شرطة مجلس النواب أصابت فراس برصاصة من سلاحٍ محرم دولياً اخترقت قلبه بإحدى التظاهرات، وعلى رغم أن شظاية الرصاصة بقيت في قلبه، إلا أن فراس تحدّى وترشّح على الإنتخابات، وربح. ليعود إلى الساحة نفسها ولكن هذه المرة كنائب!

4:38

Play Video
“رح ننتخب أي حدا ضد المُعرقلين…”، 21 شهراً مرّ على انفجار مرفأ بيروت وأكثر من 4 أشهر على تجميد التحقيق. السلطة اللبنانية تُحاول عرقلة التحقيقات وطمس الجريمة، بل وتخوض الانتخابات بوجوه مُتّهمة بانفجار 4 آب، لكن أهالي الضحايا يصرّون على ثباتهم: العدالة تأتي بالتغيير.

2:49

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني